(أميرة أديب، وأرسينك).. عندما تتحول المقارنة إلى مناظرة راب في (عايزين منا إيه)

كتبت: سما أحمد
لم تكن البداية داخل استوديو تسجيل، ولا أمام ورقة بيضاء يبحث أصحابها عن فكرة جديدة لأغنية راب.. البداية كانت هناك، حيث تولد المقارنات سريعًا وتموت أسرع.. على السوشيال ميديا.. قبل سنوات، بدأت تعليقات ومقارنات تجمع بين الفنانة (أميرة أديب) ومطرب الراب أرسينك، وظلت الفكرة تتكرر حتى تحولت من مجرد كلام متداول بين الجمهور إلى مادة تصلح لأن تصبح أغنية.
لكن بدلًا من أن تظل المقارنة حبيسة التعليقات والمنشورات، قررت (أميرة أديب) وأرسينك أن يفعلا شيئًا أكثر جنونًا.. أن يأخذا هذا الكلام من العالم الافتراضي ويضعاه فوق خشبة من نوع آخر: حلبة راب.
الأغنية الجديدة التي طرحتها أميرة أديب في فيديو كليب يجمعها بأرسينك ومهيب، لا تقدم نفسها باعتبارها تعاونًا غنائيًا تقليديًا، وإنما تلعب منذ اللحظة الأولى على فكرة المواجهة والمناظرة، وكأن كل ما قيل عن الثلاثة خلال السنوات الماضية أصبح فجأة جزءًا من السيناريو.
(أميرة أديب) لم تتعامل مع المقارنات باعتبارها أزمة يجب الهروب منها، وإنما حولتها إلى مادة فنية ساخرة، وتكشف أن الفكرة بدأت من التشابهات التي كان رواد مواقع التواصل الاجتماعي يكررونها بينها وبين أرسينك، قبل أن تبدأ هي أصلًا في تقديم الراب.
ومع تكرار التعليقات، دار الحديث بينهما حول كيفية تحويل هذه المقارنات إلى شيء مختلف، بعيدًا عن القوالب المعتادة في موسيقى التراب أو أغاني الحب.. وكان الحل: المناظرة.. الفكرة التي بدت في البداية كأنها مجرد مزحة، سرعان ما تحولت إلى مشروع أغنية وفيديو كليب، خصوصًا مع حماس أرسينك لتنفيذها، وهنا تحديدًا تأتي المفارقة الأجمل في الحكاية؛ فالأغنية لم تحاول إخفاء المقارنة، بل جعلتها قلب العمل نفسه.


الفيديو سبق الأغنية
في معظم تجارب (أميرة أديب)، تبدأ الحكاية من الأغنية ثم تأتي الصورة لتترجمها بصريًا، لكن (عايزين منا إيه) قلبت المعادلة تمامًا.. أميرة تقول إن فكرة الفيديو جاءت إليها قبل الأغنية نفسها، فقد تخيلت منذ البداية أنها وأرسينك داخل مناظرة، ومن هذه الصورة بدأت كتابة الأغنية.. أي أن الصورة لم تكن تابعًا للكلمات هذه المرة، بل أصبحت هي التي تقود الكلمات.
وتصف (أميرة أديب) الفكرة بأنها محاولة لتحويل الـ (Meme) إلى واقع بصري، مع الابتعاد عن الاستعراضات الغنائية التي قدمتها في أعمال سابقة، وهكذا أصبح الفيديو امتدادًا مباشرًا لفكرة السوشيال ميديا، لكن بعد نقلها من شاشة الهاتف إلى عالم بصري متكامل.
وجود أرسينك ومهيب إلى جانب أميرة أديب يمنح (عايزين منا إيه) طبيعة مختلفة عن الأغنية الفردية.. فهنا لا يوجد صوت واحد يقود الحكاية، وإنما ثلاثة حضورات تتقاطع داخل مساحة واحدة، لكل منها أسلوبه وشخصيته وطريقته في التعامل مع الكلمات.
وتأتي فكرة المناظرة لتمنح الأغنية مساحة واسعة للمناوشات والسخرية والردود المتبادلة، بحيث يصبح المستمع وكأنه أمام مباراة كلامية، لا مجرد أغنية راب تقليدية.. حتى عنوان (عايزين منا إيه) يحمل قدرًا من الاستفزاز والسؤال في الوقت نفسه؛ وكأن الفنانين الثلاثة قرروا أن يوجهوا السؤال إلى الجمهور والسوشيال ميديا معًا: ماذا تريدون منا بالضبط؟
بعيدًا عن (عايزين منا إيه) تبدو أميرة أديب منشغلة ببناء شخصية فنية خاصة بها في عالم الراب النسائي…ى لا تتحدث عن تجربة موسيقية عابرة، وإنما عن رغبة في صناعة عالم فني متكامل يحمل بصمتها، وتؤكد أنها تهتم بأن تقدم ما تحبه أولًا، وأن يصل هذا الاختيار إلى الجمهور ويتفاعل معه، لكنها في الوقت نفسه لا تريد أن تتوقف التجربة عند الصوت أو الكلمات.
فالهوية بالنسبة إليها تبدأ من التفاصيل.. الصورة، الملابس، الحركة، الرقص، الأداء، الكلمات، والموسيقى.. كلها عناصر يجب أن تعمل معًا حتى يشعر الجمهور بأن ما يراه ويسمعه ينتمي إلى عالم (أميرة أديب)، وهذا الاهتمام يبدو منطقيًا في ضوء خلفيتها في التمثيل ودراستها للسينما والإخراج؛ فهي تنظر إلى الأغنية بعين الممثلة والمخرجة بقدر ما تنظر إليها بعين المؤدية.


تجربة لها شكل ومزاج وشخصية
ربما يكون هذا هو المفتاح الحقيقي لفهم تجربة (أميرة أديب الجديد)ة.. هى لا تريد أن تكون الأغنية مجرد صوت يمر في الأذن، وإنما تجربة لها شكل ومزاج وشخصية، وتقول إنها عندما تسمع إيقاعًا موسيقيًا أو تبدأ في كتابة أغنية، تتشكل في ذهنها صور ومشاهد كاملة، وفي كثير من الأحيان تتخيل الفيديو قبل اكتمال الأغنية.
لكن (عايزين منا إيه) كانت الاستثناء اللافت؛ لأن الصورة هذه المرة سبقت الصوت.. تخيلت المناظرة أولًا، ثم جاءت الكلمات لتملأ هذا المشهد، ومن هنا تبدو الأغنية وكأنها ولدت من سيناريو بصري قبل أن تتحول إلى تراك موسيقي.
تم تصوير الفيديو كليب في القاهرة، وتتولى شركة (Warner Music) توزيعه رقميًا، بينما يعتمد العمل على معالجة بصرية استعراضية تتناسب مع أجواء المناظرة والمنافسة.
لكن القيمة الأهم في التجربة ليست فقط في شكل الكليب، وإنما في الطريقة التي تعامل بها صناع الأغنية مع ظاهرة المقارنات التي تصنعها مواقع التواصل، فبدلًا من إنكارها، قرروا اللعب معها.. وبدلًا من ترك الجمهور يصنع القصة من تلقاء نفسه، قررت (أميرة أديب) وأرسينك أن يصنعا نسختهما الخاصة منها.
وهكذا تحولت المقارنة إلى فكرة، والفكرة إلى مناظرة، والمناظرة إلى أغنية.. وفي النهاية، يبقى السؤال الذي طرحه التراك نفسه معلقًا في الهواء: لكن هذه المرة، السؤال ليس مجرد جملة في أغنية.. بل هو رد فني كامل على عالم السوشيال ميديا الذي اعتاد أن يقارن الفنانين، ويضعهم في مواجهات لم يطلبوها، قبل أن يأتي أصحاب الحكاية أنفسهم ليحوّلوا تلك المواجهة إلى لعبة فنية فوق الإيقاع.
وربما هنا تكمن المفاجأة الحقيقية.. أن ما بدأ كمقارنة على الشاشة الصغيرة، انتهى بأغنية كبيرة تقول للجمهور: إذا كنتم تريدون مناظرة.. فلتبدأ الموسيقى.