(هاني شاكر) يعود إلى الأوبرا من بوابة مهرجان الموسيقى العربية.. حين يغيب الفنان ويبقى صوته

كتب: مروان محمد
هناك فنانون تنتهي حكايتهم حين تُسدل الستارة، وهناك فنانون لا تستطيع الستارة أن تخفي حضورهم مهما مر الزمن.. (هاني شاكر) واحد من هؤلاء، فبعد رحيله، يعود اسم أمير الغناء العربي إلى المكان الذي ارتبط طويلًا بالموسيقى والغناء، لكن هذه المرة من بوابة الوفاء؛ إذ تهدي دار الأوبرا المصرية الدورة الرابعة والثلاثين من مهرجان ومؤتمر الموسيقى العربية إلى روح هاني شاكر، في دورة تقام خلال الفترة من 20 إلى 30 أكتوبر 2026.
وكأن الأوبرا أرادت أن تقول إن الغياب لا يعني بالضرورة النهاية، وإن الفنان (هاني شاكر) الذي ترك وراءه صوتًا وأغنيات وذكريات، يمكن أن يظل حاضرًا في وجدان الجمهور حتى بعد أن يغيب عن خشبة المسرح.
لم يكن الكشف عن البوستر الرسمي للدورة مجرد خطوة دعائية تسبق انطلاق المهرجان، وإنما جاء محملًا بالكثير من الرموز.. الكمان يتصدر المشهد باعتباره العنصر البصري الرئيسي، في إشارة إلى الآلة التي ظلت واحدة من أهم أدوات التعبير الموسيقي، وإلى مكانة الموسيقى في تشكيل الوجدان العربي.
تفاصيل الكمان وألوانه الدافئة تظهر وسط مساحات داكنة، لتمنحه حضورًا لافتًا، بينما يكتمل المشهد بالخط العربي في كتابة اسم المهرجان، في محاولة للجمع بين روح التراث وهوية الموسيقى العربية وبين رؤية بصرية معاصرة، لكن خلف كل هذه التفاصيل، تبقى الرسالة الأهم: هذه دورة تحمل اسم هاني شاكر في ذاكرتها.
إهداء الدورة إلى روح (هاني شاكر) ليس مجرد تكريم عابر لفنان رحل، وإنما استدعاء لمسيرة طويلة ارتبط خلالها اسمه بالأغنية المصرية والعربية، فقد ظل هاني شاكر حاضرًا لعقود في المشهد الغنائي، بصوته وأعماله وحضوره، حتى أصبح اسمه جزءًا من ذاكرة أجيال كاملة من المستمعين.

الأوبرا.. ذاكرة تحفظ ذاكرة
ولهذا تبدو عودته إلى المهرجان من خلال التكريم امتدادًا طبيعيًا لعلاقة الفنان بالموسيقى العربية؛ فالأغنية التي حملت صوته سنوات طويلة، تستعيده اليوم في صورة مختلفة: اسمًا وذكرى وإرثًا فنيًا.
ويحمل البوستر أيضًا صورة مبنى دار الأوبرا المصرية في الجزء السفلي من التصميم، في إشارة مباشرة إلى المكان الذي يحتضن المهرجان، لكنه في الوقت نفسه يضيف معنى آخر، فالأوبرا هنا لا تقدم حفلات فقط، وإنما تلعب دورًا في حفظ الذاكرة الموسيقية وإعادة تقديمها للأجيال الجديدة.
ومن هذه الزاوية، يصبح تكريم هاني شاكر جزءًا من وظيفة أكبر للمهرجان: أن يحتفي بالأصوات والتجارب التي شكلت وجدان الجمهور، وأن يضعها أمام أجيال جديدة قد تعرف الأغنية أكثر مما تعرف تفاصيل أصحابها.
البوستر الذي صممه قسم الجرافيك بدار الأوبرا، من خلال إيهاب عبد العزيز ومصطفى عبد المنعم، يحاول أن يترجم هذه الفكرة بصريًا.. الكمان يمثل الموسيقى، والخط العربي يستدعي الهوية، وصورة الأوبرا تمنح التصميم بعده المؤسسي، بينما جاءت بيانات الدورة بالعربية والإنجليزية، في إشارة إلى امتداد المهرجان إلى الجمهور العربي والدولي.
إنها خلطة تبدو مقصودة: تراث لا يريد أن يتحول إلى متحف، وحداثة لا تريد أن تقطع صلتها بالجذور، والمهرجان لم يبدأ بعد، ورغم أن البوستر هو أول ما ظهر من ملامح الدورة الجديدة، فإن الحكاية الأكبر لم تُكشف بعد.
فالدورة الرابعة والثلاثون تستعد لتقديم برنامج يتضمن مسابقات في العزف والغناء، وأبحاثًا وفعاليات للمؤتمر العلمي، إلى جانب مجموعة من الحفلات الموسيقية والغنائية، لكن قبل أن تبدأ الموسيقى في العزف، وقبل أن تضاء خشبة المسرح، هناك صوت غائب سيظل حاضرًا في خلفية المشهد.
فربما يكون أجمل ما يمكن أن يقدمه مهرجان موسيقي لفنان رحل، ألا يكتفي بوضع صورته في مكان التكريم، وإنما يترك أغنياته تعبر من جديد بين الجمهور.
وهكذا، حين تفتح الأوبرا أبواب الدورة الرابعة والثلاثين، لن يكون (هاني شاكر) موجودًا بجسده، لكنه سيكون حاضرًا بالطريقة التي يعرفها الفنانون الحقيقيون جيدًا: بالصوت الذي لا يموت.. والأغنية التي ترفض أن ترحل.