رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

(أطفال غزة) يغنون فوق جراح الحرب.. دار الأوبرا المصرية تفتح أبوابها لحكايات الناجين

(أطفال غزة) يغنون فوق جراح الحرب.. دار الأوبرا المصرية تفتح أبوابها لحكايات الناجين

(أطفال غزة) يغنون فوق جراح الحرب.. دار الأوبرا المصرية تفتح أبوابها لحكايات الناجين
المشاركة الفلسطينية هذه المرة لم تكن مجرد حضور شرفي أو فقرة ضمن برنامج طويل

كتب: مروان محمد

لم تكن دار الأوبرا المصرية، في هذه الأيام، تستقبل مجرد عروض فنية ضمن مهرجان يحتفل بعامه العاشر.. كانت تستقبل حكايات صغيرة لـ (أطفال غزة) حملوا معهم من غزة ما هو أكبر من أعمارهم، ووقفوا على خشبة المسرح ليقولوا بالفن ما تعجز الكلمات أحيانًا عن قوله.

هناك، في قلب القاهرة، وجد أكثر من 70 طفلًا فلسطينيًا قادمين من قطاع غزة مساحة للغناء والرسم والرقص والسينما والحكي، ضمن فعاليات الدورة العاشرة من مهرجان (أولادنا)، المقام برعاية الرئيس عبد الفتاح السيسي، تحت شعار (عشرة سنين سعادة وحب) احتفالًا بمرور عشر سنوات على انطلاق المهرجان الذي تشرف عليه الكاتبة سهير عبد القادر، رئيس مجلس أمناء مؤسسة (أولادنا)، بمشاركة 55 دولة عربية وأجنبية.

لكن المشاركة الفلسطينية هذه المرة لم تكن مجرد حضور شرفي أو فقرة ضمن برنامج طويل.. كانت أشبه برسالة إنسانية وفنية حملها (أطفال غزة) من قلب الحرب إلى القاهرة.

حرصت سفارة دولة فلسطين بالقاهرة على أن تكون المشاركة الفلسطينية حاضرة في أكثر من مساحة فنية، فتوزعت إبداعات (أطفال غزة) على الورش والعروض السينمائية والفقرات الفلكلورية، في برنامج امتد على مدار أسبوع، وكان من أكثر المشاهد تأثيرًا ظهور كورال الأطفال الناجين من الحرب للمرة الأولى داخل دار الأوبرا المصرية، بقيادة المايسترو أنس النجار، وبالتعاون مع هيئة إنقاذ الطفولة.

(أطفال غزة) يغنون فوق جراح الحرب.. دار الأوبرا المصرية تفتح أبوابها لحكايات الناجين
أصبح الغناء وسيلة لاستعادة شيء من الطفولة التي أثقلت الحرب تفاصيلها

الفن هنا لم يكن زينة للمشهد

وفي هذه اللحظة تحديدًا، لم يعد المسرح مجرد خشبة، ولم تعد الأغنية مجرد لحن.. أصبح الغناء وسيلة لاستعادة شيء من الطفولة التي أثقلت الحرب تفاصيلها، ولم تغب فلسطين عن المسرح من بوابة تراثها الشعبي، حيث شاركت فرقة (كنعان للثقافة والفنون الفلسطينية) بمجموعة من اللوحات الاستعراضية المستوحاة من الفنون الشعبية الفلسطينية، خلال حفل الافتتاح على المسرح المكشوف، إلى جانب عروض أخرى أقيمت على مسرح ساحة الهناجر بدار الأوبرا.

كان الدبكة والتراث والحركة الشعبية الفلسطينية حاضرة بوصفها جزءًا من هوية شعب، تنتقل من جيل إلى جيل، وتحاول أن تبقى حية مهما تبدلت الظروف.. فالفن هنا لم يكن زينة للمشهد.. كان ذاكرة.

أما السينما، فكانت لها حكاية أخرى.. حيث شارك المخرج الفلسطيني العالمي رشيد مشهراوي في فعاليات المهرجان المقامة بدار الهناجر، من خلال عرض فيلمي (نحن نحب الحياة غدًا) للمخرج إسماعيل الهباش، و(بلياتشو غزة) للمخرج عبد الرحمن صباح، ضمن مبادرة أفلام غزة (من المسافة صفر) التي يشرف عليها مشهراوي.

وعندما أضاءت شاشة السينما، لم تكن الحكايات التي ظهرت أمام الجمهور مجرد مشاهد مصورة عن غزة.. كانت محاولات لالتقاط تفاصيل الحياة نفسها، والبحث عن الإنسان وسط الحرب.

ولهذا حظيت العروض بإقبال جماهيري كبير وتفاعل واضح مع القصص التي تناولتها الأفلام، والتي اقتربت من جوانب مختلفة من الحياة في قطاع غزة، ومن ذلك الأمل الذي يحاول الفلسطينيون وأطفالهم التشبث به رغم قسوة الظروف وتداعيات الحرب.

التطريز الفلسطيني.. نساء يحفظن الحكاية بالخيط.. وحتى بعيدًا عن خشبة المسرح وشاشة السينما، كانت فلسطين حاضرة في تفاصيل أخرى أكثر هدوءًا.

ففي إطار دعم الإبداعات الفلسطينية وتمكين الأسر المتضررة، أتاحت سفارة دولة فلسطين بالقاهرة مساحة للمشاركة في مجال الحرف اليدوية والتطريز الفلسطيني، من خلال مشروعات تهتم بتمكين النساء المعيلات من أبناء قطاع غزة وذوي الشهداء والجرحى، ومساعدتهن على تسويق منتجاتهن الفلسطينية.

وجاءت مشاركة (مركز طابو) لتؤكد أن الحكاية الفلسطينية لا تُروى فقط بالكلمات والأغنيات والأفلام، وإنما يمكن أن تختبئ أيضًا في قطعة تطريز، وفي لون، وفي غرزة تحفظ ذاكرة المكان.

لكن ربما كانت أكثر المساحات الإنسانية خصوصية داخل هذه المشاركة هي قاعة صلاح طاهر بدار الأوبرا المصرية.. هناك، عُلقت 36 لوحة فنية أبدعها الأطفال المشاركون في ورشة (أنامل مبدعة)، بإشراف الدكتورة رانيا غنيم، ضمن برنامج للتفريغ النفسي عبر الفنون.

(أطفال غزة) يغنون فوق جراح الحرب.. دار الأوبرا المصرية تفتح أبوابها لحكايات الناجين
الحرب حاولت أن تسرق من هؤلاء الأطفال طفولتهم

نوافذ صغيرة على عالمهم

لم تكن اللوحات مجرد رسومات لأطفال يمسكون بالألوان للمرة الأولى أو يشاركون في نشاط فني عابر.. كانت نوافذ صغيرة على عالمهم.. تفاصيل من الحياة التي عاشوها خلال الحرب، ومشاعر تركت أثرها في وجدانهم، وصور تختلط فيها الذاكرة بالخوف، لكن بينها جميعًا ظهرت مساحة واضحة للأمل.. أمل طفل ما زال قادرًا على أن يتخيل المستقبل رغم كل ما مر به.

وهنا تكمن المفارقة الأكثر إنسانية في المشهد: الحرب حاولت أن تسرق من هؤلاء الأطفال طفولتهم، بينما جاء الفن ليمنحهم مساحة يستعيدون فيها أصواتهم وألوانهم وأحلامهم.

شهد افتتاح الفعاليات حضور القائم بأعمال سفارة دولة فلسطين لدى مصر، السفير ناجي الناجي، بينما تولت تنسيق المشاركة الفلسطينية من قسم الشؤون الثقافية بالسفارة كل من سلسبيل بسيسو ونورهان المسارعي.. وبين المسرح والسينما واللوحات والتطريز والغناء، بدت المشاركة الفلسطينية في مهرجان «أولادنا» أكبر من مجرد برنامج فني ضمن دورة جديدة.

فأطفال غزة لم يأتوا إلى القاهرة ليحكوا فقط ما حدث لهم.. جاءوا ليقولوا أيضًا إنهم ما زالوا قادرين على الغناء، والرسم، والرقص، والحلم.. وربما كانت تلك هي الرسالة الأهم التي خرجت من دار الأوبرا المصرية: أن الطفل الذي يحمل في ذاكرته آثار الحرب، يستطيع في الوقت نفسه أن يحمل فرشاة، أو يغني أغنية، أو يقف على المسرح، أو يحلم بغد مختلف.

في القاهرة، لم تكن غزة مجرد عنوان على شاشة.. كانت صوتًا طفوليًا يغني، ولوحة تبحث عن الضوء، ودبكة تستعيد الذاكرة، وفيلمًا يحكي الحياة، وغرزة تطريز تقول إن الحكاية ما زالت مستمرة.

👀 Views:

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.