الجونة يفتح خزائن أسراره.. و(منى زكي) نجمة الدورة التاسعة بجائزة (الإنجاز الإبداعي)

كتبت: سما أحمد
هناك مهرجانات تكتفي بأن تفتح أبوابها أمام النجوم، وهناك مهرجانات تحاول أن تقول شيئًا عن السينما نفسها، وفي الدورة التاسعة من مهرجان الجونة السينمائي، يبدو أن الاثنين يلتقيان في لحظة واحدة، لذا جاء الإعلان عن تكريم (منى زكي) بجائزة الإنجاز الإبداعي ليمنح الدورة عنوانها الأكثر بريقًا.
في الوقت نفسه يكشف عن رؤية تتجاوز فكرة تكريم نجمة جماهيرية إلى الاحتفاء بتجربة فنية امتدت لأكثر من عقدين، وتقاطعت مع أجيال مختلفة من صناع السينما المصرية.. هكذا تدخل (منى زكي) إلى الدورة التاسعة من الجونة، لا باعتبارها مجرد نجمة على السجادة الحمراء، وإنما باعتبارها واحدة من الوجوه التي يمكن من خلالها قراءة جزء من تاريخ السينما المصرية الحديثة.
المفارقة أن الرحلة التي يحتفي بها الجونة بدأت بعيدًا جدًا عن المهرجانات الكبرى.. كانت منى زكي في الثالثة عشرة من عمرها عندما تقدمت عام 1989 إلى اختبارات مسرحية (بالعربي الفصيح) من إخراج محمد صبحي.
ومن تلك التجربة الصغيرة بدأت حكاية طويلة مع التمثيل، انتقلت (منى زكي) خلالها إلى التلفزيون ثم السينما، قبل أن تتحول تدريجيًا إلى واحدة من أبرز نجمات جيلها.. جاءت السينما مبكرًا في محطات مهمة، من بينها )اضحك الصورة تطلع حلوة) أمام أحمد زكي وسناء جميل عام 1998، ثم (صعيدي في الجامعة الأمريكية، الحب الأول، ليه خلتني أحبك).

رحلة يحتفي بها مهرجان الجونة
لكن النجاح الجماهيري لم يدفعها إلى الاستقرار في منطقة آمنة.. على العكس، بدأت اختياراتها تتسع، فعملت مع محمد خان في (أيام السادات)، ومع محمد ياسين في (دم الغزال)، ويسري نصر الله في (احكي يا شهرزاد)، وطارق العريان في (أسوار القمر)، ثم هاني خليفة في (رحلة 404)، وصولًا إلى (الست) لمروان حامد.
وبين هذه الأعمال، تنقلت بين الدراما والكوميديا والشخصيات الاجتماعية والإنسانية، لتؤكد أن النجومية بالنسبة إليها لم تكن قالبًا ثابتًا، وهذه الرحلة تحديدًا هي التي يحتفي بها الجونة.
تكريم منى زكي يأتي في الوقت الذي يكشف فيه مهرجان الجونة عن دورة تحمل توسعًا واضحًا في مفهومه للمهرجان، فالدورة التاسعة تستضيف أكثر من 80 فيلمًا من مختلف أنحاء العالم، بين روائي ووثائقي وقصير، مع اهتمام خاص بتنوع الأصوات والتجارب، وبالسينما العربية وصناع الأفلام من مصر والشرق الأوسط وأفريقيا.
لكن الصورة الأكبر لا تتوقف عند الأفلام، فالمهرجان يوسع هذا العام برامج (سيني جونة)، ويطلق للمرة الأولى برنامج (سيني جونة مسلسلات)، الذي يضم في نسخته التجريبية ستة مشروعات عربية قيد التطوير.
كما تلقى برنامج دعم إنتاج الأفلام أكثر من 310 مشروعات، بينما يشهد برنامج دعم المواهب الناشئة مشاركة 118 موهبة من 14 جنسية، جرى اختيارهم من بين أكثر من ألف طلب، وهكذا يصبح المهرجان، بالتوازي مع تكريم نجمة صنعت اسمها خلال سنوات طويلة، منشغلًا أيضًا بالسؤال عن من سيصنعون سينما السنوات المقبلة، وهنا تلتقي حكاية (منى زكي) مع فلسفة الجونة.
منذ انطلاقه عام 2017، رفع مهرجان الجونة شعار (سينما من أجل الإنسانية)، محاولًا تقديم نفسه كمنصة للعرض والحوار والتبادل الثقافي، وليس مجرد حدث سنوي للنجوم.
وفي دورته التاسعة، تتسع هذه الرؤية من خلال نحو 35 فعالية ضمن ملتقى (سيني جونة)، تناقش موضوعات مرتبطة بصناعة السينما، من بينها: من يمتلك حق سرد القصة؟ وعلاقة النوع الاجتماعي بشباك التذاكر، وتأثير الذكاء الاصطناعي على الصناعة، وكيف يمكن للكوميديا أن تعبر الحدود.

مساحة للحديث عن الأفلام
كما يشهد سوق (سيني جونة) لقاءات بين أصحاب المشروعات والشركاء المحتملين، ومناقشات حول التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وجلسات مع المنتجين والمتخصصين، وبذلك لا تصبح الدورة التاسعة مجرد احتفال بالأفلام التي وصلت إلى الشاشة، وإنما مساحة للحديث عن الأفلام التي لم تصل بعد، والمشروعات التي تبحث عن تمويل، والمواهب التي تبحث عن فرصة، والصناعة التي تحاول فهم مستقبلها.
وفي إطار هذا التوجه، يطلق برنامج دعم إنتاج الأفلام مبادرتين جديدتين للتمويل هما (أصوات مصرية) وSafe Harbour MENA.، الأولى تركز على فرص التطوير والإرشاد لصناع الأفلام المصريين، بينما تستهدف الثانية دعم صناع الأفلام من الشرق الأوسط الذين تعرضوا للتهجير القسري أو يواجهون مخاطر تهدد سلامتهم.
وهو ما يعكس محاولة المهرجان تحويل شعاره من عبارة معلقة على واجهة الحدث إلى مجموعة من المبادرات التي تتعامل مع السينما باعتبارها مساحة للأصوات والتجارب الإنسانية.
ربما لهذا تبدو جائزة منى زكي أكثر انسجامًا مع روح الدورة، فالفنانة نفسها اختارت طوال مسيرتها الاقتراب من شخصيات وتجارب نسائية وإنسانية متنوعة، وتقول إن التمثيل لم يكن بالنسبة إليها مجرد مهنة، وإنما وسيلة لتقمص عوالم مختلفة وسرد قصص نساء لامست وجدانها.
ويقول أندرو محسن، المدير الفني للمهرجان، إن ما يميز تجربتها أنها لم تتوقف عند نوع واحد من الأدوار، ولم تكتفِ بالنجومية التلفزيونية، مشيرًا كذلك إلى خوضها تجربة الإنتاج وإيمانها بقيمة السينما ودور الفنان في تغيير المشهد السينمائي.
ومن جانبها، أعربت منى زكي عن امتنانها للتكريم، مؤكدة أن جائزة الإنجاز الإبداعي تذكرها بأن القصص التي قدمتها تركت أثرًا حقيقيًا، وأنها تتطلع إلى مواصلة تقديم قصص أصيلة مستوحاة من الواقع المصري والعربي.
ولا يمكن فصل المهرجان عن المكان الذي يحتضنه، فالجونة، التي تأسست عام 1989 وتمتد على مساحة تتجاوز 36.9 مليون متر مربع على ساحل البحر الأحمر، تحولت على مدار السنوات إلى مساحة تستضيف أنشطة ثقافية وفنية ورياضية على مدار العام.
ويؤكد محمد عامر، الرئيس التنفيذي للجونة البحر الأحمر والمدير العام لشركة أوراسكوم للتنمية مصر، أن المهرجان يمثل جزءًا أساسيًا من رؤية المدينة باعتبارها مكانًا للحياة والثقافة والإبداع والتواصل.

تجهيز منطقة البلازا
ومن هنا تأتي خصوصية التجربة: مدينة تستقبل السينما، ومهرجان يحاول أن يتحول إلى مساحة للصناعة، ونجمة يتم تكريمها عن رحلة طويلة بينما يجتمع حولها جيل جديد من صناع الأفلام.
وحتى فكرة الإتاحة تأخذ مساحة في الدورة الجديدة، من خلال التعاون مع مؤسسة ساويرس Together Inclusive لضمان إتاحة المهرجان للحضور من الأشخاص ذوي الإعاقة، وتجهيز منطقة البلازا وفق معايير دولية، مع العمل على استخلاص توصيات يمكن الاستفادة منها في فعاليات أخرى داخل مصر، وفي الوقت نفسه، تواصل مؤسسة ساويرس دعمها لبرامج المواهب والإنتاج، مع توسيع دعمها ليشمل فيلمًا مصريًا وإطلاق مختبر ساويرس للسيناريو.
كل هذه التفاصيل تجعل الدورة التاسعة تتحرك في أكثر من اتجاه في الوقت نفسه.. أفلام جديدة.. مواهب جديدة.. أسئلة جديدة.. صناعة تتغير.. ونجمة تنتمي إلى جيل كامل من السينما المصرية تقف في مقدمة المشهد لتتلقى جائزة عن مسيرة صنعت جزءًا من ذاكرة الجمهور.
وفي 15 أكتوبر، عندما تصعد منى زكي إلى منصة حفل الافتتاح لتتسلم جائزة الإنجاز الإبداعي، لن تكون وحدها بطلة المشهد.. خلفها سيكون هناك مهرجان يدخل عامه التاسع، ويحاول أن يثبت أن قيمة أي مهرجان لا تقاس فقط بعدد النجوم الذين يمرون على سجادتة الحمراء، ولا بعدد الصور التي تلتقطها الكاميرات، وإنما بما يتركه من أثر في الأفلام، وصناعها، والجمهور، ومستقبل الصناعة نفسها.
ومن (بالعربي الفصيح) إلى (الست)، ومن طفلة تقف للمرة الأولى أمام جمهور المسرح إلى نجمة تقف على منصة الجونة، تبدو رحلة منى زكي نفسها وكأنها تختصر فكرة المهرجان: السينما لا تعيش فقط بما أنجزته.. وإنما بما تفتحه من أبواب للحكايات القادمة.