رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

(ياسر جلال): أهدي روحي ونفسي وكل ما أملك لوالدي!

(ياسر جلال): أهدي روحي ونفسي وكل ما أملك لوالدي!
لحظة تكريمة في ظفار الدولي للمسرح

بقلم الكاتب الصحفي: محمد حبوشة

هناك جوائز تُسلَّم على خشبة المسرح، وتنتهي لحظتها بانطفاء الأضواء والتقاط الصور.. وهناك جوائز تفتح أبوابًا أقدم من لحظة التكريم نفسها، وتعيد الفنان إلى أول الطريق، إلى الشخص الذي وضع في يده البوصلة قبل أن يعرف كيف يسير، وهكذا جاءت لحظة تكريم (ياسر جلال) عربيًا، لتأخذه بعيدًا عن التصفيق والدرع، وتعيده إلى والده الراحل، المخرج المسرحي الكبير جلال توفيق.

فبالنسبة إلى (ياسر جلال)، لم يكن الأب مجرد أب، ولا المخرج مجرد أستاذ، وإنما كان المدرسة الأولى التي تعلم فيها معنى الفن والانتماء والكرامة، ولهذا جاءت كلماته شديدة الخصوصية، حين تحدث عن والده قائلًا: (والدي المخرج المسرحي الكبير جلال توفيق هو كل حياتي.. وتعلمت منه كيف أكون أنا، ولو سألتني من أكون سأقول لك أنا أبويا).

ثم يضيف بصدق الابن الذي لا يرى نفسه إلا امتدادًا لمن سبقه: (حاولت أنا أكون شبهه بقدر المستطاع، وياريتني عرفت أن أكون شبهه، كان في شخصيته أشياء أجمل مني بكثير).

لم يترك جلال توفيق لـ (ياسر جلال) إرثًا فنيًا فقط، وإنما ترك له منظومة كاملة من القيم، ومن بين أهم ما يذكره (ياسر جلال) عن والده أنه غرس فيه منذ طفولته الحس العروبي، وجعله يرى الفن باعتباره مساحة تتجاوز حدود البلد والجنسية.

كان يحدثه عن سوريا والجزائر، وعن العلاقات التاريخية التي جمعت هذه البلدان بمصر، وعن القضايا العربية المصيرية، وفي القلب منها فلسطين ودول المواجهة، وهكذا لم يكن الفن بالنسبة إلى (ياسر جلال) مجرد مهنة، وإنما أصبح منذ سنواته الأولى جزءًا من وعيه بالإنسان العربي وقضاياه.

(ياسر جلال): أهدي روحي ونفسي وكل ما أملك لوالدي!
لا يزال يرى نفسه ذلك الابن الذي يتمنى لو أن والده كان حاضرًا ليراه وهو يقف على خشبة التكريم

عندما يتحول الأب إلى هوية

ربما تختصر جملة ياسر جلال (أنا أبويا) الكثير من حكايته، فالفنان الذي وصل إلى واحدة من أهم مراحل نضجه الفني، لا يزال يرى نفسه ذلك الابن الذي يتمنى لو أن والده كان حاضرًا ليراه وهو يقف على خشبة التكريم.

وحين حصل على جائزة أفضل نجم عربي لعام 2026 في مهرجان (الأفضل) ببيروت، كان أول ما تمنّاه أن يكون والده إلى جواره، شاهدًا على نجاح يرى ياسر أنه مدين له به.. لكن أمنية الابن لم تتحقق.. فالأب رحل، وبقيت جوائزه تصل إليه متأخرة، كأنها رسائل حب من ابن إلى أبيه عبر الزمن.

وربما يكون أجمل ما تركه (جلال توفيق) في ابنه ليس فقط حب المسرح، وإنما القدرة على التجسيد الدرامي الحقيقي؛ تلك القدرة التي جعلت (ياسر جلال) واحدًا من الفنانين الذين يستطيعون الدخول إلى الشخصية بدلًا من الاكتفاء بارتداء ملامحها.

فالممثل الحقيقي لا يكتفي بأن يقول الجملة الصحيحة أو يؤدي الحركة المطلوبة، وإنما يبحث عن الدافع الداخلي للشخصية، وعن الطريقة التي تفكر بها، وتتكلم بها، وتخفي بها ضعفها، وتكشف بها قوتها.

وهذه المساحة تحديدًا تبدو واضحة في أداء (ياسر جلال)؛ فهو يمتلك قدرة لافتة على التعامل مع الشخصيات من الداخل، وعلى منح كل شخصية إيقاعها الخاص، ولغتها الجسدية، ونبرتها النفسية.

ولذلك لم يكن حضوره قائمًا على الوسامة أو الكاريزما وحدهما، وإنما على قدرته على حمل الشخصية دراميًا، خصوصًا عندما تكون الشخصية مطالبة بمساحات متناقضة من القوة والانكسار، الحدة والحنان، الصمت والانفجار.

ومن (رحيم) إلى (الفتوة)، ثم (ضل راجل) و(الاختيار) و(جودر)، وغيرها من أعمال اجتماعية وكوميدية مؤخرا، قدم ياسر جلال نماذج مختلفة من الشخصيات، وأثبت أن الممثل يستطيع أن ينتقل من عالم درامي إلى آخر دون أن يصبح أسيرًا لشخصية واحدة.

في (رحيم) مثلًا، كان عليه أن يحمل شخصية مليئة بالتناقضات والصراعات، بينما ذهب في (الفتوة) إلى أجواء تاريخية وشعبية مختلفة محملة بمشاعر إنسانية، ثم قدم في (ضل راجل) شخصية إنسانية مثقلة بالمسؤولية والانكسار، وصولًا إلى (جودر)، الذي فتح أمامه مساحة مختلفة من الأداء في عالم الفانتازيا والحكاية الشعبية.

أما مشاركته في (الاختيار)، فقد كشفت جانبًا آخر من قدرته على التعامل مع الدراما التي تستند إلى شخصيات وأحداث ذات حساسية خاصة، حيث يصبح الأداء مطالبًا بالتوازن بين التعبير الدرامي والواقعية.

وهنا تحديدًا يمكن فهم قيمة المدرسة التي تحدث عنها (ياسر جلال)، حين قال إنه تعلم من والده (كيف يكون هو)؛ فالممثل الذي يعرف أدواته لا يكرر نفسه، بل يبحث في كل شخصية عن مفتاح جديد.

(ياسر جلال): أهدي روحي ونفسي وكل ما أملك لوالدي!
الاختيار
(ياسر جلال): أهدي روحي ونفسي وكل ما أملك لوالدي!
جودر
(ياسر جلال): أهدي روحي ونفسي وكل ما أملك لوالدي!
الفتوة

من المسرح إلى الشاشة.. جذور لا تختفي

ولعل ارتباط ياسر جلال بالمسرح ليس تفصيلًا عابرًا في مشواره، فالمسرح هو المكان الذي تعلم فيه كثير من كبار الممثلين معنى الحضور، والسيطرة على الإيقاع، وفهم الشخصية، والتعامل مع اللحظة الحية دون رفاهية إعادة المشهد، ولهذا يبدو تكريمه في مهرجان ظفار الدولي للمسرح ذا دلالة خاصة؛ فالتكريم عاد به إلى الفن الذي نشأ في بيته، وإلى المدرسة التي ارتبط بها اسم والده.

وهنا تلتقي الدائرة: أب كان رجل مسرح.. وابن أصبح نجمًا.. والجائزة تعيد الاثنين إلى خشبة واحدة، حتى لو غاب الأب جسدًا، لكن جائزة (أضل نجم عربي) من لبنان.. أعادته إلى حنين إلى الأب المعلم والأستاذ الذي نمىّ فيه الوعي مبكرا بقضايا أمته العربية.

يقول (ياسر جلال) إنه كان يتمنى وجود والده إلى جواره في لبنان، خصوصًا أن الوقوف مكرمًا في بلد عربي آخر يمثل بالنسبة للفنان المصري إحساسًا مختلفًا؛ لأنه يعني أن ما يقدمه تجاوز الحدود ووصل إلى وجدان جمهور عربي آخر.

وهنا تصبح الجائزة أكبر من مجرد درع.. إنها شهادة من جمهور عربي على أن الفن المصري ما زال قادرًا على الوصول إلى الآخرين، وأن الفنان حين يخلص لفنه يمكن أن تصبح تجربته ملكًا للجمهور خارج حدود بلده.

ولذلك يقول ياسر عن والده: (ربنا يرحم والدي المخرج جلال توفيق الذي لو كان موجودًا لكان سعيدًا جدًا بنجاحي الذي أنسبه له أولًا وأخيرًا)، ثم تأتي الجملة الأكثر حميمية: (أهدي له روحي ونفسي وكل ما أملك).

لم تكن الجائزة الأولى التي يهديها لوالده، هكذا يؤكد ياسر أن جلال توفيق لم يكن غائبًا عن جوائزه السابقة، فقد اعتاد أن يهدي إليه تكريماته في حياته، لكنه كان يتمنى هذه المرة تحديدًا أن يراه إلى جواره في لبنان، وهنا تبدو المسألة أكبر من جائزة.. إنها محاولة لاستدعاء الأب من الذاكرة إلى اللحظة.

أن يقف الابن أمام الجمهور، يحمل درعًا، ثم ينظر في داخله إلى رجل لم يعد موجودًا، لكنه ما زال حاضرًا في كل خطوة.. وهذه ربما هي أعظم جائزة يمكن أن يحصل عليها الأب بعد رحيله: أن يبقى اسمه حاضرًا في نجاح ابنه.

ولم يكن تكريم ياسر جلال في ظفار منفصلًا عن هذه الرحلة العربية؛ فقد كرمه مهرجان ظفار الدولي للمسرح في دورته الثانية إلى جانب أحمد حلمي وشريف منير، جمال سليمان ضمن تسعة أسماء فنية ومسرحية عربية، وكان لارتباط التكريم بالمسرح قيمة خاصة بالنسبة إلى ياسر، باعتبار أن المسرح يمثل جزءًا أصيلًا من تجربته الفنية.

وهكذا يجد ياسر نفسه بين تكريم عربي وآخر، لكن خلف كل هذه الأضواء يقف اسم واحد لا يغيب: (جلال توفيق).

(ياسر جلال): أهدي روحي ونفسي وكل ما أملك لوالدي!
تكريمه بالأفضل في بيروت

حين يتحول الفن لموقف إنساني

لكن ياسر لم يكتفِ بالحديث عن أبيه أو الاحتفاء بجائزته، في بيروت، اختار أن يمنح التكريم معنى إنسانيًا، فأهدى جائزته إلى شهداء لبنان وفلسطين وأطفال غزة، في تعبير عن تضامنه مع الشعبين في ظل الظروف الصعبة التي تمر بها المنطقة.

ومن هنا يستعيد ياسر أيضًا ما تعلمه من والده عن الانتماء العربي، وعن أن الفن لا يعيش بعيدًا عن الإنسان وقضاياه، فالجوائز قد تمنح الفنان لحظة مجد، لكن القيمة الحقيقية لما يفعله الفنان تظهر عندما يستطيع أن يجعل هذه اللحظة مساحة للتعبير عن مشاعر تتجاوز شخصه.

ربما لم يكن جلال توفيق حاضرًا في بيروت، ولم يقف إلى جوار ابنه أمام الكاميرات، ولم يصفق له عندما تسلم جائزته، لكن ياسر حمله معه.. حمله في ذاكرته، وفي كلماته، وفي كل نجاح نسبه إليه، وحمله أيضًا في أدواته كممثل؛ في احترامه للشخصية، وفي بحثه عن دوافعها، وفي قدرته على الانتقال من شخصية إلى أخرى دون أن يفقد هويته كممثل.

فبعض الآباء لا يغيبون عندما يرحلون.. بل يتحولون إلى جزء من تكوين أبنائهم، يمشون معهم في صمت، ويظهرون في كل اختيار، وكل نجاح، وكل لحظة ضعف أو انتصار، ولهذا لم يكن ياسر جلال وهو يتسلم جائزته مجرد فنان يُكرَّم.. كان ابنًا يقف أمام العالم ليقول لأبيه الراحل: ما زلت هنا.. وما زال نجاحي يحمل اسمك، وما تعلمته منك لم يبقَ ذكرى في داخلي، بل تحول إلى فن أقدمه للناس.

👀 Views:

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.