
بقلم الكاتب الصحفي: بهاء الدين يوسف
لعل أبرز ما يستدعي التوقف أمامه في المسلسل المكسيكي (نساء بالأزرق) أو (Las Azules) الذي تعرض حاليا حلقات الجزء الثاني منه على منصة +Apple TV، هو المجهود الذي بذله صناع العمل في تجميل السلوكيات المنحرفة، وتشويه السلوك الطبيعي.
مسلسل (نساء بالأزرق) يحكي قصة أربع نساء ينضممن إلى أول قوة شرطة نسائية في المكسيك، في عام 1971، أطلق عليها اسم (الزرق) وهى الترجمة الدقيقة لاسم المسلسل بالإسبانية، نسبة الى لون الزي اللاتي كن يرتدينه، ومنذ ذلك الوقت أصبحت القوة النسائية هناك يطلق عليها اسم (الزرق) أو (Las Azules).
بعد اختبارات سريعة تلتحق هؤلاء النساء بالشرطة، في ذروة الحكم المستبد الفاسد هناك للرئيس لويس اتشيفيريا ألفاريز، الذي شهد عهده استمرار القمع السياسي وما عرف لاحقا بـ (الحرب القذرة) ضد المعارضين، ويصور العمل كيف عانت هؤلاء النساء من نظرة المجتمع الذكوري المحافظ الذي يرى وجود المرأة في الشرطة أقرب إلى الاستعراض منه إلى العمل الحقيقي.
لكن النساء الأربعة، البطلة ماريا وشقيقتها فالنتينا، وجابينا ابنة رئيس الشرطة وشقيقة المحقق جيراردو وضابطين آخرين، وانخيليس التي تعاني من التوحد لكنها اكثرهن ذكاء، بدلا من أن يبقين ديكورا كما أرادت السيدة الأولى في المكسيك لهن، تحولن الى محققات بارعات.

مكتوب بطريقة حرفية جيدة
ففي عامهم الأول ينجحن في الإيقاع بأخطر قاتل متسلسل في ذلك الوقت كان يطلق عليه القاتل المعري، وهو ليس قريب ابي العلاء المعري بطبيعة الحال وإنما حاز لقبه لأنه كان يحرص على تعرية ضحاياه من النساء بعد أن يقتلهن، ثم في العام التالي ينجحن في العثور على قاتل خطير آخر وتبرئة ناشط طلابي من تهمة القتل.
مسلسل (نساء بالأزرق) مكتوب بطريقة حرفية جيدة، كما نجح الإخراج في نقل المشاهدين الى عام 1971 بالفعل من خلال الملابس والسيارات وحتى الشوارع، وابدع بعض الممثلين في تقديم أدوارهم مثل ماريا التي جسدت دورها باربرا موري.
لكن النقطة التي تسترعي الانتباه هي كمية القناعات الضمنية التي حشرها المؤلفان فرناندو روزار وبابلو ارامندي، لتجميل السلوكيات المنحرفة وتشويه السلوكيات المنضبطة، فمثلا قدما فالنتينا باعتبارها نموذج للانسانة والشرطية صاحبة الاخلاق وهي المتحررة التي تنام كل يوم في سرير رجل مختلف لا تعرفه، وترتكب كل الموبقات، بينما بقية ضباط القسم من اصحاب السلوك الطبيعي، اما مرتشين او اغبياء.
هناك أيضا النصيحة المرعبة التي قالتها قريبة ماريا المطلقة لها، لتشجعها على خيانة زوجها والنوم مع رئيسها في العمل، وهى (كيف تعرفين النكهة المفضلة لديك إذا لم تتذوقي طوال حياتك الا الفانيلا؟).
ما يعني أن أي امرأة صالحة يجب ان تجرب العديد من الرجال حتى تتعرف على نكهتها المفضلة!! وهكذا سعت ماريا لاقامة علاقة مع مديرها اوكتافيو في سيارتها، وهي لا تزال على ذمة رجل آخر ولديها طفلان في سن المراهقة.

تصرف لا تنقصه الأخلاق
قد يذهب البعض للقول إن من الطبيعي تقديم نموذج ماريا باعتباره موجودا في أي مجتمع، وهذا صحيح لولا أن مسلسل (نساء بالأزرق) يقدمها باعتبارها ضمير العمل، وضابطة إيقاع الأخلاق فيه، فهي سيدة تعاني خيانة زوجها لها مع عميلة للشركة التي يعمل فيها وتطرده من منزله، وطوال حلقات المسلسل تنصب نفسها قاضية للحكم على تصرفات كل من حولها بمن فيهم امها.
المثير أن المؤلفين ضخما من بشاعة خيانة الزوج وتبرير طرد زوجته له وعدم رغبته في عودته رغم تعلق أطفاله به، ورغم أن الخيانة ظرفية، لكنهما في نفس الوقت لم يستخدما نفس المقياس لادانة خيانة ماريا لزوجها، ورأيا فيما فعلته تصرفا لا تنقصه الأخلاق.
هناك ايضا الشاب النبيل صاحب المواقف المعارضة للاستبداد، وهو مثلي الجنس، بينما رئيس الشرطة المتدين وأسرته مجموعة من الوحوش البشرية، فهو لا يتردد في طرد ابنته من منزله لانها التحقت بالشرطة على غير ارادته، ولا يتردد في اعطاء اوامره للمحققين بتعذيب المشتبه فيهم للحصول على معلومات منهم.
صحيح أن الالتزام والتدين الظاهري لا يوفران حماية من الفساد والوحشية، لكن التركيز المتعمد والمغرض على تصوير كل ملتزم باعتباره فاسد، وكل منحرف باعتباره شخص مثالي، ليس سوى محاولة ضمن سلسلة طويلة من محاولات منصات المشاهدة المدفوعة في الغرب لإعادة هندسة الأخلاق الإنسانية.
وإذا استمرت تلك المحاولات ونجحت فلن يكون غريبا خلال سنوات قليلة أن نرى الدراما وقد قدمت الانسان الملتزم باعتباره شاذا، غير مقبول في مجتمعات تزدان بنماذج الزناة والمثليين والمتحولين جنسيا.