رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

(آمال ماهر).. صوت مصر الممنوع !

(آمال ماهر).. صوت مصر الممنوع !

(آمال ماهر).. صوت مصر الممنوع !
المأساة أن هذا الصوت صار ممنوعاً من لقاء جمهوره، ممنوعاً عمداً وبطريقة فاضحة
(آمال ماهر).. صوت مصر الممنوع !
وائل شفيق

بقلم الكاتب والسيناريست: وائل شفيق

في تاريخ الغناء المصري أسماء لا تُقاس بعدد الألبومات، بل بوزنها في وجدان الناس. أصوات صارت جزءاً من الهوية، و(آمال ماهر) من هذا الصنف النادر الذي يجمع عليه النقاد والجمهور.. صوت إذا صدح أنصتت البيوت، وإذا غاب شعرت مصر بفراغٍ لا يملؤه ضجيج، ولأنها كذلك، كان الغياب موجعاً مضاعفاً.

فالمأساة أن هذا الصوت صار ممنوعاً من لقاء جمهوره، ممنوعاً عمداً وبطريقة فاضحة.. خلال الأسابيع الأخيرة تكرر المشهد في أكثر من عاصمة: إعلان عن حفل، ثم حذف من منصات البيع، ثم بيان مقتضب بالتأجيل أو الإلغاء.

لا تفاصيل، ولا إيضاح، ولا احترام لانتظار جمهور قطع تذاكره وعدّ الأيام.. وحين يغيب التفسير، يحضر القلق. وحين يغيب الاحترام، يحضر السؤال: من يملك قرار إسكات صوتٍ بحجم وطن؟

وقد قرأت الحوار الذي أجراه الكاتب الصحفي الكبير أحمد السماحي مع (آمال ماهر)، فلم أجد فيه صراخاً بقدر ما وجدت انكساراً مهذباً.. تقول في أدب موجع: (الأمر ليس بيدي).. وهنا تتكشف الكارثة كاملة. فنانة من طراز نادر تعلن أنها لا تملك قرار صوتها، وأن مصير الفن يُقرر بعيداً عن الفن نفسه، وحين يصل الأمر إلى هذا الحد، لم يعد الأمر شأن فنانة، بل صار شأن دولة وهوية.

وحتى لا نُتهم بالمبالغة أو بجلد الذات، فلننظر حولنا.. ففي هوليوود نفسها يتم استبعاد النجمة الأمريكية (سوزان ساراندون) من الترشيحات للأعمال الفنية الكبرى بسبب مواقفها السياسية المناهضة للكيان. والفرق الجوهري هنا أن الأسباب في الغرب معروفة وتُقال على الملأ، حتى لو اختلفنا معها.

(آمال ماهر).. صوت مصر الممنوع !

(آمال ماهر).. صوت مصر الممنوع !
عجز مؤسسي، وخيانة صامتة.. أين وزارة الثقافة من حماية رمز من رموز الهوية الوطنية؟

احترام عقل الجمهور

أما عندنا فالأسباب شبه معروفة للجميع، يتداولها الناس همساً، ولكنها غير معلنة.. هناك يقولون لك: (مستبعدة بسبب موقفها)، وعندنا يقولون: (تأجيل لأسباب تنظيمية)، ثم يسود الصمت.. النتيجة واحدة: الإلغاء.. لكن الفرق في الشجاعة على المواجهة، وفي احترام عقل الجمهور.

وذكر (سوزان) هنا ليس للمقارنة، بل للتساؤل: إذا كانوا هم يمارسون الإلغاء في عقر دار الحرية، فلماذا نستغرب أن يحدث عندنا؟.. والأهم: هل نريد أن نقلدهم في أسوأ ما فيهم، مع إضافة جبن الإعلان؟

ومن هذا السؤال نصل إلى لب القضية: عجز مؤسسي، وخيانة صامتة.. أين وزارة الثقافة من حماية رمز من رموز الهوية الوطنية؟.. وأين الإعلام الرسمي من صوتٍ كان يمكنه أن يوحد الشاشات كما كانت تفعل (آمال ماهر) في (حفلات أم كلثوم). وأين النقابات والهيئات التي وُجدت لتصون المبدعين، لا لتتركهم في مواجهة ظروف غامضة وتلميحات عن ضغوط لا نستطيع البوح بها؟ المسؤول الذي لا يستطيع أن يؤمن منبراً لصوتٍ بحجم آمال ماهر، لا يخذل الفنانة فحسب، بل يفضح تقصيراً تاريخياً ويعلن أن الأولوية ليست للثقافة، والأدهى خيانة نخبة من المثقفين آثروا الصمت بحثاً عن مصلحة، فباعوا الكلمة واشتروا المنفعة وتجاهلوا المأساة.

وحين يصمت الجميع، تكبر (الأيادي الخفية).. لا أحد يجرؤ على تسمية الأشياء بأسمائها. الكل يتحدث عن (ظروف) و(ملابسات).. فهل عادت مراكز القوى التي تمنع وتستبعد وتقطع الأرزاق لمجرد خلافات شخصية؟ كأن الفن صار ملفاً أمنياً، لا رسالة إنسانية.

وكأن الحنجرة الذهبية تحتاج إلى تصريح.. آمال ماهر ليست مجرد مطربة.. إنها حالة.. حضورها يعيد الاعتبار للكلمة، وللمعنى، وللذاكرة الموسيقية، فكيف يتم إسكاتها؟

إن الناس اليوم من خوف الفقر في الفقر، ومن خوف الذل في الذل منهكون يبحثون عن لقمة، فكيف لهم أن يصرخوا من أجل نغمة؟.. لكن مصر أكبر من هذا الوهن.. مصر أكبر من مسؤولٍ جبن عن حماية رمز، وأكبر من منظومة ارتضت لنفسها العجز ففضحت ضعفها، وحين يُمنع صوت مثل آمال، فالخسارة ليست لها وحدها. الخسارة لنا.. لجيلٍ كان سيتعلم منها معنى الطرب.. لحفلةٍ كان يمكن أن تشفي الوجدان.. لأغنيةٍ كان يمكن أن تصبح نشيداً في وقتٍ نحتاج فيه إلى النشيد.. الصمت مُعدٍ.. اليوم (آمال ماهر)، وغداً غيرها.. وبعد غدٍ نكتشف أننا في صحراء بلا أصوات. وأننا سلمنا (القوة الناعمة) لمصادر أخرى، ثم شكونا من غيابها.

(آمال ماهر).. صوت مصر الممنوع !
ارفعوا المنع عن (آمال ماهر) الآن بلا شروط وبلا تفسيرات.. الفن ليس تهمة، لذلك ليس هذا رجاءً

ارفعوا المنع عن (آمال ماهر)

لذلك لم يعد الأمر يحتمل المجاملة.. ارفعوا المنع عن (آمال ماهر) الآن بلا شروط وبلا تفسيرات.. الفن ليس تهمة، لذلك ليس هذا رجاءً، بل هو حق واجب التنفيذ وفريضة وطنية: التزام رسمي بحفل شهري لـ (آمال ماهر)، على الهواء مباشرة، من قلب القاهرة، يُذاع على كل شاشات مصر وينقل إلى العالم العربي.

حفل برعاية الدولة، بإنتاج يليق باسم مصر، وموعد ثابت ينتظره الناس كما انتظرنا من قبل.. هذا ليس ترفاً فنياً، هذا استثمار في الذاكرة والهوية والقوة الناعمة التي لا تُشترى، ورد اعتبار للدولة لنفسها بأنها لا تزال قادرة على أن تحمي أغلى ما تملك.

وأخيراً، كلمة للتاريخ وكلمة لـ (آمال ماهر): أيها المسؤولون عن الثقافة والفن والإعلام، التاريخ لا يرحم.. إما أن تُكتب أسماؤكم في سجل من أنصفوا صوت مصر في لحظة ضعفه، أو في سجل من وقفوا يتفرجون وهو يُهان.. وحين يعود الصوت سيكون السؤال الوحيد الذي لا إجابة له: أين كنتم؟

ولآمال نقولها الآن، وبأعلى الصوت: أنتِ لم تخسري شيئاً، أنتِ المكسب. أنتِ الوجه الذي لا يشيخ في ذاكرة المصريين، والحنجرة التي لا تُستنسخ في تاريخ العرب. حين تغنين، لا يغني صوت فقط، بل يغني وطن. وحين تصمتين، يصمت فينا شيء عزيز. نحن لا نطلب منكِ أن تحاربي وحدكِ، نحن هنا نحارب من أجلكِ. صوتك أمانة في أعناقنا، وغيابك غياب لجزء من مصر. فاثبتي، فالحق لا يموت، والكرامة لا تُستبدل، والجمهور الذي يحبكِ لن ينساكِ. واعلموا أن صوت مصر باقٍ، ما بقيت مصر.

👀 Views:

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.