

بقلم الكاتب الصحفي: محمود حسونة
من حق الفنانة اللبنانية (جوليا بطرس) أن تفرح بابنها سامر، وأن تزفّه كما تشاء، وأن تنفق ما تشاء على حفل الزفاف، وأن تستدعي من المطربين من تريد، ومن حق سامر أن يحتفل كما يحلم، ومن حق عروسه لانا نصولي أن تعيش ليلة العمر بالطريقة التي تناسبها.
لا أحد يريد أن يحوّل حفل زفاف إلى محكمة سياسية، ولا أن يطالب أمّاً بأن ترتدي الكوفية وهى تزغرد لابنها!.. لكن المشكلة أن (جوليا بطرس) ليست مجرد أمّ فرِحة بابنها، بل هى من ارتبط اسمها في وجدان الملايين بصوت المقاومة، وبأغنيات مثل (وين الملايين، غابت شمس الحق، أنا بتنفس حرية، الحق سلاحي)، وغيرها من الأغنيات التي لم يكن الجمهور يسمعها باعتبارها مجرد أغان، وإنما باعتبارها بيانات حماسية مغناة، وهو ما كانت تستهدفه جوليا.
عندما ظهرت صور ومقاطع حفل الزفاف، لم يكن السؤال: لماذا فرحت (جوليا بطرس)؟.. السؤال كان أكثر إحراجاً: أين (جوليا بطرس) التي عرفناها؟.. أين تلك الفنانة التي ظلت في مخيلة جمهورها سنوات طويلة مختلفة عن بقية الفنانات؟.. أين الصوت الذي كان يلهب الحناجر ويجعل الجمهور يردد وراءه شعارات المقاومة والحرية والحق؟
فجأة وجدنا أنفسنا أمام حفل يمكن أن يكون في أي مكان، وأي عرس، وأي زمن.. أحمد سعد يغني، وهيفاء وهبي حاضرة بقدراتها الخاصة على لفت الأنظار وإثارة الهمس، والأغنيات التي يعرفها جمهور اليوم حاضرة، ومزاح سعد (الثقيل) حاضر، واللقطات التي تشعل مواقع التواصل لم تغب وسقطت هيفاء بالفعل وكل شيء موجود إلا الشيء الذي كنا نظنه أهم ما يميز صاحبة الحفل: الرسالة!

نحن حولناها إلى عقيدة
الحفل لم ولن يسقط (جوليا بطرس)، بقدر ما أسقط الصورة التي صنعناها نحن لجوليا بطرس.. ربما كنا ساذجين إلى الحد الذي جعلنا نعتقد أن الفنان الذي يغني عن الحرية لا بد أن يعيش طوال الوقت الحرية، وأن الذي يغني للمقاومة يجب أن تتحول حياته إلى خندق، وأن من يردد (الحق سلاحي) لا يمكن أن يكون سلاحه في الحياة الخاصة شيئاً آخر غير القضية.
إنما يبدو أن المسألة أبسط بكثير.؟ كانت أغنيات.. ونحن حولناها إلى عقيدة.. هذه ليست مشكلة (جوليا بطرس) وحدها.. نحن في زمن تساقط الأقنعة، أو بالأدق زمن سقوط الصور المثالية التي ظللنا نصنعها لشخصيات عامة.
لنكتشف مؤخراً أن هناك فرقاً شاسعاً بين من يتحدث عن القضايا وبين من يعيشها، وبين الفنان الذي يقدم رسالة في أغنية وبين الإنسان الذي يعيش حياته بعيداً عن المسرح، وهذا حقه.. لكن حق الجمهور أيضاً أن يعيد حساباته.
أكثر ما يلفت في الحفل أن الجيل الجديد لم يبدُ معنياً كثيراً بتلك الحمولة التاريخية التي حملها اسم جوليا.. سامر ابن جوليا بطرس وإلياس بوصعب ليس مطالباً بأن يكون نسخة من أمه، ولا أن يؤمن بما غنته، ولا أن يقضي ليلة زفافه وهو يستمع إلى (وين الملايين) ويبحث عن مكان يرفع فيه راية المقاومة!
هو ابن جيل آخر. جيل لا يريد (غابت شمس الحق) في حفل زفافه، وإنما يريد أن تظل الشمس مشرقة على منصة الرقص، ولا يريد (الحق سلاحي)، وإنما يريد على الأرجح أن يكون السلاح الوحيد في الحفل هو الهاتف المحمول لتصوير الـ (ريلز)، ولا يريد أن يسأل (وين الملايين؟)، لأنه يعرف تماماً أين هم: على إنستغرام وتيك توك!
مشاركة أحمد سعد وهيفاء وهبي أكثر من مجرد فقرة غنائية.. إنها إعلان غير رسمي عن انتقال السلطة من جيل الأغنية ذات الرسالة إلى جيل الأغنية ذات (الترند).
أغنية (جوليا بطرس) كانت تريد تحرير الأرض والإنسان.. وأغنية الحفل تريد تحرير الجمهور وإطلاق العنان له.. الأولى كانت تخاطب وجدان أمة، والثانية تخاطب خوارزميات مواقع التواصل.. الأولى تريد أن يبقى الناس متذكرين القضية، والثانية تريد أن يبقى الفيديو متداولاً حتى صباح اليوم التالي.
ولذلك ربما كان الحفل أكثر صدقاً مما نتصور، فهو لم يكشف فقط ذوق العروسين، وإنما كشف الفجوة بين (جوليا بطرس) التي في ذاكرة الناس و(جوليا بطرس) الحقيقية التي تفاجأ الجمهور بأنها تحفظ عن ظهر غيب أغاني مثل (المكسرات، وايه اليوم الحلو ده) لسعد وأغاني هيفاء.


المفارقة الفنية والثقافية
رفعنا بعض الفنانين إلى مرتبة لم يطلبوها دائماً، ثم غضبنا عندما اكتشفنا أنهم بشر.. صنعنا منهم رموزاً للنضال، ثم اكتشفنا أنه مجرد وسيلة لجمع المال والحياة المترفة.. ولست هنا معنياً بغضب أهل الجنوب اللبناني، ولا بما إذا كان الحفل الباذخ يتناسب أو لا يتناسب مع الآلام والظروف الصعبة التي يعيشها الناس هناك، فذلك نقاش آخر، معني فقط بالمفارقة الفنية والثقافية.
كنت أتمنى أن يكون حفل ابن (جوليا بطرس) يشبه (جوليا بطرس) التي عرفناها، كان يكفي أن يكون فيه شيء من روح صاحبة الحفل، لكن يبدو أن روح أم العريس كانت في مكان آخر.
الحقيقة أن ابنة القضية نفسها اختارت أن تحتفل بابنها بعيداً عن القضية، وأن ابن المناضلين اختار أن يحتفل بعيداً عن خطاب والديه، وأن العروسين قدما لنا، من دون أن يقصدا ربما، درساً بالغ الوضوح: الجيل الجديد لا يريد أن يرث القضايا مع الميراث.
يبدو أن زمن (الفنان صاحب الرسالة) يتراجع، وأن زمن (الفنان القادر على دغدغة الأحاسيس واستثارة المشاعر) يتقدم.. زمان كانت الأغنية تحتاج إلى شاعر وملحن وموقف.. اليوم يكفي أن تحتاج إلى إيقاع سريع، وملابس مثيرة، ورقصة قابلة للتصوير.. زمان كان الجمهور يحفظ الأغنية.. اليوم يحفظ الحركة التي سبقتها.. زمان كانت الأغنية تسأل: (وين الملايين؟)، واليوم السؤال الأهم: وين المشاهدات؟
ولهذا ربما كان حفل زفاف سامر هو الحفل الذي ينبغي أن نتوقف أمامه ليس لكي نحاكم (جوليا بطرس)، وإنما لكي نحاكم وهمنا نحن؛ فقد يكون كل ما رأيناه ليس سقوط (جوليا بطرس) من مكانتها، وإنما سقوط (جوليا بطرس) من المكانة التي وضعناها فيها، وإذا كان ذلك مؤلماً، فهذه ليست مسؤوليتها وحدها.
نحن الذين صنعنا الأسطورة، ونحن الذين صدقناها، ونحن الذين طالبناها بأن تظل أسيرة لها.. أما هى، فيبدو أنها اختارت ببساطة أن تقول لنا من خلال حفل ابنها: اتركوا (وين الملايين) جانباً الليلة.. العريس يريد أحمد سعد وهيفاء!
وهنا لا يبقى أمامنا إلا أن نرفع أيدينا مستسلمين، ونعلن انتهاء معركة طويلة مع الغناء العربي.. لقد حاولنا أن ننقذ الأغنية من المستنقع، وأن نقنع أنفسنا بأن هناك دائماً أصواتاً مختلفة يمكن أن تعيد للفن هيبته.
لكن بعد أن دخلت الأغنية المقاومة والأغنية الراقية المستوفية شروط الكلمات العميقة واللحن الجميل والصوت القوي مثل أغاني جوليا الرومانسية وليس فقط (المقاومة) إلى قاعة الزفاف من الباب، وخرجت منها من دون أن يعرفها أحد، ربما آن لنا أن نتوقف عن وجع الرأس.
الغناء العربي لم يعد يحتاج إلى من ينقذه، فقط ترك لنا السؤال الأخير: وين الملايين؟.. لا تبحثوا عنهم كثيراً.. إنهم أمام شاشات هواتفهم، يشاهدون فيديوهات الحفل، بينهم من يصفقون وبينهم من يمتعضون ويعيشون الإحساس بخيبة الأمل.