


بقلم الكاتب السوري: عامر فؤاد عامر
لم تكن الدورة التاسعة من مهرجان (السويداء) للأفلام القصيرة مساحة ثلاثة أيّام إضافيّة في روزنامة المهرجانات السوريّة، بل هي أقرب إلى محاولة ثقافيّة للقول إن السينما تستطيع أن تجد مكانها حتّى في أكثر الظروف اضطراباً، وأن الشاشة عندما تفتح أبوابها للجمهور تصبح مساحة للذاكرة والحوار والأسئلة، إضافةً لمساحة الفرجة.
ثلاثة أيّام عاشتها (السويداء) مع الفيلم القصير والموسيقى والتكريم، بحضور جماهيري لافت وكثيف، ومن مختلف الأجيال، في مشهد بدا واضحاً فيه أن الجمهور كان يحتاج إلى الفنّ بقدر ما يحتاج الفنّ إلى جمهوره.
وحملت الدورة التاسعة اسم المخرج السوري الراحل ريمون بطرس، في تحيّة تحمل دلالة خاصّة؛ فاستعادة اسم مخرج ينتمي إلى ذاكرة السينما السوريّة لا تعني استحضار الماضي فقط، وإنما تذكير الأجيال الجديدة بأن السينما السوريّة امتلكت تجارب وأسماء تركت أثرها، وأن الاحتفاء بها يمكن أن يكون مدخلاً لمواصلة الطريق لا للتوقف عند الحنين.
جغرافيا سينمائيّة متنوّعة
ضمّت المسابقة الرسميّة 15 فيلماً من سوريا ومصر والمغرب وليبيا وكندا، وهو تنوّع منح المهرجان مساحة أوسع للتعرّف إلى تجارب سينمائيّة مختلفة، وفتح أمام الجمهور نافذة على أشكال متعددة من التعبير في الفيلم القصير.
كما شهدت الدورة عرض فيلمين خارج المسابقة هما (أفتقدك) للمخرج عصام الداهوك و(بكرا أحلى) للمخرج وليد العاقل، وترأّس لجنة التحكيم الفنّان جهاد عبيد، وشارك في عضويّتها المخرج عمار رضوان، والمخرج ورد أبو شاهين، وقد بدت نتائج المسابقة انعكاساً لرؤية حاولت توزيع الجوائز على عناصر متعددة من صناعة الفيلم، من الفيلم والإخراج والسيناريو إلى التصوير والأداء التمثيلي.
فذهبت جائزة أفضل فيلم إلى الفيلم المغربي (فراغ) للمخرج رشيد العماري، فيما حصل المخرج السوري محمد النجم على جائزة أفضل إخراج عن فيلم (دمع حامض)، ونال المصوّر السوري أحمد النزال جائزة أفضل تصوير عن الفيلم نفسه.
وفي التمثيل، تقاسمت الجائزة مناصفةً موهبتان من تجربتين سينمائيّتين مختلفتين، هما المغربي (عمر المقتدر) عن فيلم (فراغ)، والسوري محمد النجم عن (دمع حامض)، أمّا جائزة أفضل ممثّلة فذهبت إلى السوريّة سالي أحمد عن فيلم (لم يدفن بعد)، فيما حصل رشيد العمّاري على جائزة أفضل سيناريو عن (فراغ).
ومنحت لجنة التحكيم جائزتها للفيلم المصري (سيّدة المسرح العربي) للمخرج أشرف فايق، الذي يلقي الضوء على جانبٍ من حياة الفنّانة الكبيرة سميحة أيوب، بينما ذهب تنويه اللجنة إلى فيلم (لحظة مسروقة) للمخرج شادي معن سلمان.
واللافت في هذه النتائج أنها لم تختصر قيمة المسابقة في جائزة أفضل فيلم فقط، وإنما منحت العناصر الفنّيّة المختلفة في الأفلام مساحة للتقدير، وهو ما يعكس أهمّيّة الفيلم القصير بوصفه عملاً جماعيّاً تتكامل فيه الكتابة والرؤية والإخراج والصورة والأداء.
لكن خصوصيّة هذه الدورة لم تكن في الأفلام وحدها.. ففي كلّ يوم من أيّام المهرجان كان هناك حضور للموسيقى والغناء، مع مشاركة كورال عقد لولو في اليوم الأوّل، وكورال عودك رنان في اليوم الثاني، وكورال إيهاب فهد بلان في اليوم الثالث.
وهنا بدا المهرجان وكأنّه يتجاوز فكرة (مهرجان الأفلام) بالمعنى الضيّق، ليقدّم شرائط ثقافيّة أوسع تتجاور فيها الصورة مع الموسيقى، وتلتقي السينما مع أشكال أخرى من التعبير الفنّي، كما حملت الدورة في تفاصيلها قدراً واضحاً من الوفاء للرموز الثقافيّة والفنّيّة في السويداء، فشهد يومها الأوّل تكريم الباحث في التراث سلمان البدعيش، في تقدير لمسيرته وعطائه الثقافي والفنّي.
وفي اليوم الثالث، امتدّ التكريم إلى مؤسسات وفعاليّات أسهمت في دعم الحركة الفنّيّة والثقافيّة، فتمّ تكريم مؤسسة أنامورفك فيلم ومديرها مروان فرج، إضافة إلى نادي السينما وجمعيّة أصدقاء الموسيقى، وتسلّم التكريم عن الجمعيّة عادل جربوع.
حضور الغائبون عبر الصورة
ولأنّ المهرجان هو في جوهره احتفاء بالصورة، كان من اللافت أن تتحوّل الصورة نفسها إلى وسيلة لجمع من تعذّر حضورهم، ففي اليوم الأوّل عُرضت رسالة مصوّرة من الفنّان جهاد عبيد والمخرج عمار رضوان، اللذين تعذر وجودهما في سوريا، فيما بثّ المهرجان في يومه الثاني تحيّة مصوّرة من الفنّانة كاميليا بطرس شقيقة المخرج الراحل ريمون بطرس.
كانت تلك التحيّات أكثر من رسائل بروتوكوليّة؛ فقد أكدت أن المهرجان استطاع أن يصنع دائرة من التواصل تتجاوز حدود المكان، وأن الغياب الجسدي لا يعني بالضرورة غياب الحضور.
ربّما كان أحد الاختبارات الحقيقيّة لهذه الدورة أن مكان إقامة الفعاليّات تغيّر في اللحظة الأخيرة، فقد كان من المقرر إقامة نشاطات المهرجان في المركز الثقافي، إلا أن ظروفاً طارئة أدّت إلى نقلها إلى صالة منظّمة جذور، لكن المفارقة أن تغيير المكان لم ينعكس سلباً على الجمهور، بل شهدت الصالة خلال الأيّام الثلاثة ازدحاماً وحضوراً كبيرين من مختلف الأعمار.
وهنا ربّما تكمن إحدى أهمّ رسائل الدورة التاسعة: المكان مهمّ، لكن الجمهور أهمّ، فعندما يكون هناك فعل ثقافي حقيقي، وجمهور يشعر بأن ما يقدم له يعنيه، يصبح قادراً على الوصول حتّى في الظروف غير المثاليّة.
السينما في مواجهة الواقع
منذ افتتاح الدورة، كان واضحاً أن القائمين على المهرجان لا يريدون فصل السينما عن الواقع الذي تعيشه السويداء، مدير ومؤسس المهرجان عصام الداهوك افتتح الفعاليّات بكلمة تناول فيها السينما وعلاقتها بالواقع، متوقفاً عند خصوصيّة الظرف الذي تمرّ به السويداء، في محاولة لوضع الفنّ في سياقه الإنساني والاجتماعي، بعيداً عن فكرة أن الثقافة يمكن أن تعيش معزولة عن أسئلة الناس وأوجاعهم.
وفي لحظة مؤثّرة من الافتتاح، وقف الحضور دقيقة صمت إجلالاً لأرواح الشهداء، لتصبح السينما هنا جزءاً من الذاكرة الحاضرة، لا منفصلة عنها، وهذا تحديداً ما يمنح المهرجان معنى يتجاوز المنافسة والجوائز، أن تكون الشاشة قادرة على استقبال الواقع، من دون التحوّل إلى منبر مباشر له، وبقاء الفنّ قادراً على طرح أسئلته الخاصّة، بلغة الصورة والإحساس والتأمّل.
يمكن النظر إلى الدورة التاسعة من مهرجان (السويداء) للأفلام القصيرة من زاويتين، الأولى هي زاوية المسابقة (15 فيلماً، لجنة تحكيم، جوائز وتنويهات وتجارب سينمائيّة من بلدان متعددة)، أمّا الزاوية الثانية، وربّما الأهمّ، فهي أن المهرجان استطاع المحافظة على وجوده ويفتح أبوابه للجمهور، على الرغم من الظروف الطارئة التي فرضت تغيير مكانه، وأن يجمع السينما بالموسيقى، والتكريم بالعروض، والذاكرة بالحاضر، وهذا ما يجعل الدورة التاسعة محطّة تستحق التوقف عندها.
فالمهرجانات لا تُقاس فقط بعدد الأفلام أو قيمة الجوائز، وإنما أيضاً بقدرتها على خلق جمهور، وعلى منح السينمائيين مكاناً للقاء، وعلى تحويل الثقافة إلى فعل حيّ في المجتمع.
وفي (السويداء)، خلال ثلاثة أيّام، كانت الصالة مزدحمة، والشاشة مضاءة، والموسيقى حاضرة، والسينمائيون يتحدّثون بلغتهم الخاصّة، والجمهور من مختلف الأجيال يتابع.. ربّما لا تحتاج السينما في النهاية إلى الكثير كي تستمرّ؛ تحتاج إلى من يؤمن بها، وإلى جمهور يذهب إليها، وإلى مكان يفتح أبوابه للشاشة.
ومن هنا يمكن قراءة الدورة التاسعة بوصفها رسالة بسيطة وعميقة في آن واحد: حين تضيق الحياة، لا ينبغي أن تضيق مساحة الفنّ، وحين يشتدّ حضور الواقع، تصبح الحاجة إلى السينما أكبر، لا أقلّ.
أمّا اسم ريمون بطرس الذي حملته هذه الدورة، فلم يكن إثارة عنوان على ملصق المهرجان، بل بدا تذكيراً بأنّ الراحلين يمكنهم الاستمرار معنا حين نحافظ على ما أحبّوه وآمنوا به.
وهكذا أغلقت الدورة التاسعة ستارتها، لكن السؤال الحقيقي يبدأ بعد إسدال الستار، فماذا يمكن أن تقدّم الدورة العاشرة؟.. الإجابة لن تكون في عدد الأفلام فقط، بل في قدرة المهرجان على البناء فوق ما تحقق، وتوسيع حضوره، ودعم المواهب، وتعميق علاقته بجمهوره.
وتحويل مهرجان السويداء للأفلام القصيرة إلى مساحة أكثر رسوخاً في المشهد السينمائي والثقافي السوري والعربي.. حتّى ذلك الحين، تبقى الصورة مضاءة، والشاشة لم تُطفأ.