

بقلم الناقدة: علا السنجري
هناك أشخاص لا تستطيع أن تكتب عنهم باعتبارهم أسماءً عابرة في دفتر الحياة، لأن وراء الاسم حكايةً أكبر من الصورة، وأعمق من المهنة.. و(هالة السعدني) واحدة من هؤلاء.. حين أستدعي اسمها إلى الذاكرة، لا أرى المذيعة وحدها، ولا المرأة التي وقفت أمام ميكروفون الإذاعة أو كاميرا التلفزيون، وإنما أرى امرأة خرجت من بيتٍ كانت الكلمة فيه جزءًا من تكوين الروح.
ابنة محمود السعدني.. وهذه وحدها ليست جملة عابرة، فأن تولد في بيت (الولد الشقي) يعني أن تكبر واللغة تجلس إلى مائدة العائلة، وأن تكون الحكاية فردًا من أفراد البيت، وأن تعرف منذ طفولتك أن للكلمة رائحة، وللضحكة معنى، وللصمت أحيانًا حكاية أطول من الكلام.
لكن (هالة السعدني) لم تكن مجرد ابنة لرجل كبير، وهنا تحديدًا تكمن الحكاية، فالآباء العظام قد يتركون لأبنائهم أسماءً ثقيلة، وقد تتحول شهرتهم أحيانًا إلى ظلٍّ طويل يصعب على الأبناء الخروج منه، أما (هالة السعدني)، فاختارت أن يكون لها طريقها.
دخلت عالم الإعلام، وأصبحت مذيعة في قطاع الأخبار بالتليفزيون المصري، لتقف في الجهة الأخرى من الحكاية: أمام الميكروفون، بعدما عاشت طويلًا في بيتٍ كان صاحبه يعرف كيف يجعل الورق يتكلم.
وهنا أحب أن أتخيل المسافة بين الأب والابنة.. هو كان يطارد الجملة في الصحيفة.. وهي تطارد المعنى في الصوت.. هو كان يصنع من الحكاية مقالًا.. وهي تصنع من الإنسان حكاية، وبين الاثنين ظل شيء واحد لا يتغير: الإيمان بأن الكلمة ليست زينة.. الكلمة مسؤولية.

أجمل ما في حكاية (هالة السعدني)
ربما لهذا يبدو اسم (هالة السعدني) بالنسبة لي مرتبطًا بصورة مختلفة عن الصورة التقليدية للمذيعة، فالمذيع الحقيقي لا يكتفي بأن يكون صوته واضحًا أمام الكاميرا؛ عليه أن يكون قلبه حاضرًا أيضًا، والإنسان حين يمتلك هذه القدرة لا يعود مجرد ناقل للأخبار، بل يصبح شاهدًا على زمنه.
و(هالة السعدني) عاشت زمنًا كانت فيه الشاشة المصرية تعرف معنى الوقار، وكانت المذيعة لا تحتاج إلى أن ترفع صوتها كي تثبت وجودها.. كان يكفي أن تجلس.. أن تنظر.. أن تقول الجملة في مكانها، ثم تترك للمشاهد أن يشعر.
وربما أجمل ما في حكاية (هالة السعدني) أنها تحمل في داخلها ذاكرة بيتٍ مصري استثنائي.. بيت محمود السعدني، بما فيه من صحافة وفن وحكايات وشخصيات، لم يكن مجرد بيت لعائلة معروفة، وإنما كان أشبه بمسرح صغير تمر عليه الحياة المصرية بكل تناقضاتها، وكانت (هالة السعدني) جزءًا من هذا العالم منذ طفولتها.
بل إن اسمها نفسه ارتبط بحكاية إنسانية شديدة الخصوصية في حياة والدها؛ فقد كتب محمود السعدني عن معاناته في البحث عن علاج لابنته، وتحولت هالة من طفلة تحتاج إلى أبيها إلى حكاية بقيت في ذاكرة القراء، كما احتفظت هي نفسها بذاكرة تلك السنوات وروت جانبًا من علاقتها بوالدها.
وهذا ربما يفسر شيئًا من علاقتها بالكلمة، فالذي عاش طفولته داخل حكاية لا يمكن أن يتعامل مع الكلام باعتباره مجرد أصوات.. هناك كلمات تُقال وتنتهي.. وهناك كلمات تسكن.. و(هالة السعدني) جاءت من النوع الثاني.
حتى في حكايتها الشخصية، ظل اسمها حاضرًا في تفاصيل كثيرة من الحياة الثقافية والفنية المصرية؛ فهي شقيقة صلاح السعدني، وزوجة الفنان محمود البزاوي، وقد تحدث الأخير أكثر من مرة عن البيت الذي جمعه بها، وعن اكتشافه لاحقًا أنها ابنة الكاتب الكبير محمود السعدني.

خلف صوتها تاريخًا طويلًا
لكنني لا أحب أن أتوقف كثيرًا عند أسماء الآخرين حين أكتب عن (هالة السعدني).. لأنها تستحق أن تُرى بعيدًا عن شجرة العائلة.. تستحق أن تُرى كامرأة لها تجربتها.. كصوتٍ مرّ من هنا.. كوجهٍ عرف الكاميرا، وعرف الحياة قبلها.. كابنةٍ حملت حب أبيها، لا اسمه فقط، وهذه في رأيي هي أجمل ميراث يمكن أن يتركه الأب لابنته: أن يمنحها القدرة على أن تكون نفسها.
(هالة السعدني).. ربما لم تكن تعرف، وهى تجلس أمام الميكروفون، أن خلف صوتها تاريخًا طويلًا من الورق، وربما لم يكن المشاهد يعرف أن وراء تلك المذيعة الهادئة طفلةً حملها أبوها ذات يوم إلى رحلة علاج، وكتب عنها من قلب الأب لا من وراء مكتب الصحفي.
لكننا اليوم نستطيع أن نرى الصورة كاملة.. نرى المرأة.. ونرى الابنة.. ونرى الإعلامية.. ونرى الزمن وهو يمر من بين أصابعها مثل شريط قديم.. لهذا أكتب عنها لا باعتبارها مذيعة فحسب، وإنما باعتبارها امرأة حملت جزءًا من ذاكرة بيتٍ مصري كان للكلمة فيه مقامٌ عالٍ.
وحين يكون الإنسان ابنًا للكلمة، لا يصبح التقاعد من المهنة نهاية الحكاية، لأن بعض المهن تنتهي من بطاقة العمل.. لكنها لا تنتهي من الروح، و(هالة السعدني) من هؤلاء., امرأةٌ لم تكن مجرد صوتٍ في جهاز الراديو، ولا وجهًا في شاشة التلفزيون؛ كانت ابنة حكاية، والحكايات الحقيقية لا تموت حين ينطفئ الميكروفون.