


بقلم الكاتب والسيناريست: وائل شفيق
قبل عقود، قدّمت السينما الأمريكية فيلماً كوميدياً سياسياً اسمه (Wag the Dog) الفيلم من إخراج باري ليفنسون وبطولة روبرت دي نيرو وداستن هوفمان، وصدر عام 1997، وترشح لجائزتي أوسكار.
بدا وقتها مجرد فكرة غريبة: رئيس أمريكي يتورط في فضيحة جنسية قبل الانتخابات بأسبوعين، فيلجأ مستشاروه لاختلاق حرب. يستدعون مخرجاً سينمائياً ليؤلف لهم معركة وهمية. لا جنود ولا خرائط ولا دماء، بل شاشات وموسيقى وخطاب وطني. وفي أيام قليلة، ينسى الجمهور الفضيحة ويسأل عن موعد الضربة القادمة.
اسم الفيلم (Wag the Dog) نفسه مأخوذ من مثل إنجليزي يقول: (لماذا يهز الكلب ذيله؟.. لأن الكلب أذكى من ذيله.. لو كان الذيل أذكى لهز الكلب).. أي أن الضجيج الإعلامي هو الذي يوجه انتباه الناس بعيداً عن الأزمة الحقيقية.
ما كان يُظنّ خيالاً كوميدياً، صار اليوم أقرب إلى وصف دقيق لما يحدث أمام أعيننا، فالفيلم لم يقدّم مجرد حبكة، بل كشف عن قاعدة تحكم العلاقة بين السلطة والجمهور في عصر الصورة.
والقاعدة تقول ببساطة: كلما كبرت الأزمة الحقيقية، كلما اشتدّ الضجيج المفتعل. وكلما اقترب القرار المصيري، كلما لمع (الذيل) أكثر.. والمقصود بالذيل هنا أي قضية صغيرة، أي خناقة مفاجئة، أي ترند يظهر من العدم ليملأ الشاشات ويستولي على الحديث العام.
وهنا تبدأ الآلية تعمل بدقة.. يظهر من يطعن في رموز كنت تحسبها خطاً أحمر.. ثم يخرج من يعبث بالثوابت التي تؤمن بها، فيوقظ غضبك قبل أن يوقظ عقلك.. وتنقلب الثقافة والفن والتاريخ والرياضة إلى ساحة معركة، كأن مصير الأمم يتوقف على تصريح تافه، أو رأي سطحي في واقعة تاريخية، أو هتاف متعصب للون قميص.
ولكن انتبه، فالمسألة ليست إقناعاً.. فلم يطلب منك أحد أن تؤمن برأيهم.. كل ما يطلبونه هو أن تشتبك.. أن يغلي دمك.. أن تترك ما في يدك وتدخل الحلبة.. أن تسهر الليل تدافع عن كرامتك، بينما تُمرَّر في الغرف الخلفية القرارات التي تمسّ لقمة عيشك ومستقبلك.


ما الذي يحدث خلف هذا الضجيج؟
ومن هذه اللحظة تُغلق المصيدة.. فإذا انتصرت في هذه المعركة، ستجد معركة أخرى تنتظرك. وإذا فرغت منها، سيُستدعى طرف ثالث.. إنها دائرة لا نهاية لها، ومصنع يعمل بلا توقف لإنتاج (أعداء وهميين) ليصرف انتباهك عن (المشكلة الحقيقية).
والمشكلة الحقيقية ليست شخصاً ولا رأياً.. المشكلة الحقيقية هى السؤال البسيط الذي لا يريدونك أن تطرحه على نفسك: لماذا الآن؟ ما الذي يحدث خلف هذا الضجيج؟، أي خبرٍ مهم تم دفنه تحت هذا الترند؟ إنهم يراهنون على ذاكرتك القصيرة، وعلى انشغالك بالظل على الحائط حتى تنسى من يحرك اليد التي تصنعه.
ولذلك فإن الحل ليس في أن تكون الأقوى في الخناقة.. الحل أن لا تدخل الخناقة من أساسها. فعندما يبدأ الذيل بالاهتزاز فجأة، توقف.. لا تشتم، لا تشارك بغضب، لا تنفعل. اسأل سؤالاً واحداً: لماذا هذا التوقيت بالذات؟
ولا تنتظر من الشاشات أن تقدّم لك الحقيقة.. فلم يعد هناك إعلام يقدّم الخبير أو الباحث أو الأستاذ. كل الميكروفونات صارت مأجورة، وكل الوجوه التي تخرج عليك صارت مأمورة بوظيفة واحدة: إشعال حرائق جانبية لتصرفك عن المصائب الكبرى التي تُرتكب في الخفاء.
لذلك لا تصدق الصوت الأعلى.. ولا تنخدع باللقب (مفكر).. اسأل دائماً: من يموّل هذا الصوت؟ ولماذا يظهر الآن؟ وما المصلحة من أن تغضب وتتشاجر الآن بالذات؟
في النهاية، المعركة ليست مع صاحب الصوت الشاتم على الشاشة.. المعركة الحقيقية مع من يدفع فاتورة الميكروفون من وراء الكواليس. لذلك، لا تكن كلباً يُساق من ذيله.. كن إنساناً يسأل ويفكر ويبحث عن الحقيقة وسط الضباب الذي يُصنع عمداً.
وأخيراً، منهم لله (الساسة الأمريكيون) الذين اخترعوا هذه اللعبة القذرة.. هؤلاء الذين يستأجرون أدوات حقيرة تظهر على الشاشات ليل نهار، مهمتها واحدة: إشعال الحرائق.. يسبّون المقدسات، ويطعنون في الرموز التاريخية، ويفتحون معارك كروية وفنية تافهة، ويصنعون ترندات فارغة ليخدروك بها.
دور حقير، سيلعنهم التاريخ عليه. فكل ما يفعلونه اليوم سيخضع غداً لأدوات التحليل والتوثيق، وستنكشف وجوههم ويورّثون العار لذرياتهم.
انتبه: من يوقد نيران الضجيج.. هو ذاته المستفيد الأول من الحريق الكبير الذي يشتعل في الخفاء.. وهذا هو (الكتالوج) باختصار: كتالوج لا يصنع أمماً، بل يصنع انحداراً. إنه كتالوج الانحطاط الأمريكاني، كما جسّده فيلم (Wag the Dog).