رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

(القصص).. عندما تصبح السينما ذاكرة مشتركة بين القاهرة وفيينا

(القصص).. عندما تصبح السينما ذاكرة مشتركة بين القاهرة وفيينا
تم عرض الفيلم في أمسية سينمائية أقيمت في الهواء الطلق
(القصص).. عندما تصبح السينما ذاكرة مشتركة بين القاهرة وفيينا
دعاء أبو سعدة

فيينا: دعاء أبوسعدة

لم يكن عرض الفيلم المصري (القصص) في فيينا مجرد محطة جديدة في مسار فيلم يصل إلى جمهور أوروبي، بل بدا أقرب إلى عودة الحكاية إلى أحد جذورها.. ففي الفيلم علاقة تبدأ بين شاب مصري وفتاة نمساوية عبر رسائل متباعدة، وفي الواقع يصل الفيلم إلى فيينا محمول على الفكرة نفسها، هل تستطيع الحكاية الشخصية أن تفعل ما تعجز عنه السياسة حين يتعلق الأمر بفهم الآخر؟

في أمسية سينمائية أقيمت في الهواء الطلق، وبحضور جمهور مصري ونمساوي ودولي، عرض فيلم (القصص) للمخرج والكاتب أبو بكر شوقي، بالتعاون بين جمعية العلاقات النمساوية العربية وسينما فولكسكينو فيينا، وبحضور المستشار الثقافي الدكتور خالد أبو شنب، مدير مكتب مصر للعلاقات الثقافية والتعليمية، والسيد فريتز فروليش، رئيس جمعية العلاقات النمساوية العربية.

لكن القيمة الحقيقية للأمسية لم تكن في عرض فيلم مصري خارج مصر فحسب، وإنما في المشروع الثقافي الذي تقف خلفه.

إطلاق أسبوع سينمائي صيفي عربي سنوي في فيينا، يجعل السينما العربية جزء منتظم من المشهد الثقافي للمدينة، ويفتح أمامها جمهور أوروبي  لا بوصفه متلقي بعيد ، وإنما شريك في الحوار.. الفيلم الذي يرفض أن يجعل التاريخ بطلا

من منظور نقدي، تكمن إحدى نقاط قوة (القصص) في أنه لا يتعامل مع التاريخ باعتباره بطل مباشر.. فحرب 1967، وحرب أكتوبر، والتحولات السياسية والاقتصادية التي مرت بها مصر، لا تأتي في صورة دروس تاريخية، وإنما تتسرب إلى البيت المصري، إلى مائدة الأسرة، إلى أحلام الأبناء، وإلى التفاصيل الصغيرة التي عادة ما يسقطها التاريخ الرسمي من حسابه.

هنا يختار أبو بكر شوقي زاوية أكثر إنسانية

 ماذا تفعل الأحداث الكبرى بالناس الذين لا يصنعونها؟

(القصص).. عندما تصبح السينما ذاكرة مشتركة بين القاهرة وفيينا
الجانب الأكثر ذكاء في الفيلم ،أنه لا يطلب من المشاهد أن يتذكر التاريخ، بل يجعله يشعر به

الجانب الأكثر ذكاء في الفيلم

ومن خلال أسرة مصرية عادية، يتحول التاريخ إلى أثر يومي.. حلم يتعطل، أسعار ترتفع، أب يحاول حماية أسرته، أم تحاول إبقاء البيت متماسك، وابن يبحث عن نافذة خارج حدود واقعه من خلال الموسيقى، وهذا هو الجانب الأكثر ذكاء في الفيلم ،أنه لا يطلب من المشاهد أن يتذكر التاريخ، بل يجعله يشعر به.

رسالة تصل بعد أسابيع.. وتسبق زمن الإنترنت.. الرسائل المتبادلة بين أحمد والفتاة النمساوية ليست مجرد خط رومانسي في البناء الدرامي، وإنما إحدى أهم استعارات الفيلم.

في زمن كانت فيه الرسالة تحتاج إلى أيام وربما أسابيع كي تصل، كان الانتظار جزء من الحب نفسه.. لم تكن الكلمات تصل فورا، ولذلك كان لكل رسالة وزنها وقلقها ودفؤها، ومن خلال هذا الخط، يضع الفيلم الماضي في مواجهة الحاضر دون أن يقول ذلك صراحة، في زمن الاتصال الفوري،

هل أصبحنا أكثر قربا فعلا، أم أننا فقدنا القدرة على الانتظار من أجل إنسان آخر؟.. والأهم أن الرسالة هنا تعبر حدودا لم تكن السياسة قادرة على إلغائها.

شاب مصري وفتاة نمساوية يكتشفان بعضهما عبر الورق، في وقت كانت فيه المسافات السياسية والجغرافية أكبر بكثير مما هي عليه اليوم.

لهذا تبدو قصة الحب في فيلم (القصص) أكثر من قصة عاطفية، إنها اختبار مبكر لإمكان التعايش بين ثقافتين.

(القصص).. عندما تصبح السينما ذاكرة مشتركة بين القاهرة وفيينا
لا يقدم شوقي شخصياته باعتبارها رموز سياسية، بل باعتبارها بشر  يخطئون ويضحكون و يختلفون ويحملون ويخافون

أبو بكر شوقي.. من الخاص إلى العام

ينطلق شوقي من تجربة شخصية مرتبطة بقصة والديه، لكنه لا يبقى أسير السيرة الذاتية.. وهذه نقطة مهمة سينمائي، فالمخرج يستخدم الخاص كبوابة إلى العام.

قصة والديه تصبح قصة جيل، والرسائل تصبح أرشيف عاطفي لمرحلة تاريخية، والحب يصبح سؤال عن الهوية والانتماء والهجرة والقدرة على بناء حياة مشتركة رغم اختلاف الخلفيات، كما يوازن الفيلم بين الكوميديا والمأساة، ويستخرج من تفاصيل الأسرة اليومية لحظات ساخرة لا تلغي قسوة الواقع، بل تجعلها أكثر احتمالا وأكثر صدق.

وفي هذا المعنى، لا يقدم شوقي شخصياته باعتبارها رموز سياسية، بل باعتبارها بشر  يخطئون ويضحكون و يختلفون ويحملون ويخافون، وهو ما يمنح الفيلم قدرته على الوصول إلى المشاهد بعيدا عن الخطاب المباشر.

وفي كلمته خلال العرض، أكد المستشار الثقافي الدكتور خالد أبو شنب أن حضور السينما المصرية في فيينا يمثل جانب مهم من جوانب العلاقات الثقافية بين مصر والنمسا، مشير إلى أن الثقافة لا ينبغي أن تكون مجرد نشاط مصاحب للعلاقات الرسمية، وإنما يمكن أن تكون أحد محركاتها الأساسية.

وأوضح أن عرض فيلم مصري معاصر أمام الجمهور النمساوي يتيح فرصة للتعرف علي مصر من خلال الإنسان والفن والحياة اليومية، وليس فقط من خلال الصور التقليدية التي تختزل الثقافة المصرية في نماذج تاريخية أو سياحية.

ورحب بالمبادرة الخاصة بإقامة أسبوع سينمائي عربي صيفي في فيينا، معتبرا  أن استمراريتها يمكن أن تخلق مساحة حقيقية للقاء بين الجمهور النمساوي والعربي، وأن السينما قادرة على الوصول إلى مناطق في الوعي الإنساني يصعب الوصول إليها بالخطاب السياسي وحده.

وأكد أبو شنب أن مصر تنظر إلى الثقافة باعتبارها جسر  طبيعي للتواصل مع الشعوب، وأن السينما المصرية، بتاريخها وحضورها وتأثيرها في العالم العربي، تمتلك قدرة خاصة على أداء هذا الدور.

أما فريتز فروليش، رئيس جمعية العلاقات النمساوية العربية، فوضع عرض (القصص) في سياق أوسع يتعلق بالعلاقة التاريخية بين أوروبا والعالم العربي، وأشار إلى أن الفيلم يستعيد فترة كانت شديدة الاضطراب في الشرق الأوسط وأوروبا، متوقف عند الدور الذي لعبه المستشار النمساوي الراحل برونو كرايسكي في التعامل مع قضايا المنطقة ومحاولاته الدفع نحو الحوار والسلام.

(القصص).. عندما تصبح السينما ذاكرة مشتركة بين القاهرة وفيينا
أهمية الفيلم تكمن في أنه يجعل التاريخ مرئي من خلال حياة الناس، لا من خلال البيانات السياسية

خلق مساحة دائمة للتواصل

ورأى فروليش أن أهمية الفيلم تكمن في أنه يجعل التاريخ مرئي من خلال حياة الناس، لا من خلال البيانات السياسية، مؤكد أن فهم الماضي يمكن أن يساعد في تجاوز الصور النمطية التي ما زالت تؤثر في علاقة المجتمعات الأوروبية بالعالم العربي.

وشدد على أن فكرة الأسبوع السينمائي العربي لا تستهدف تقديم أفلام للترفيه فقط، وإنما تسعى إلى خلق مساحة دائمة للتواصل بين الثقافات، ومواجهة العنصرية والتحيز والإسلاموفوبيا من خلال المعرفة والتجربة الإنسانية المشتركة.

وبدا في حديثه أن السينما بالنسبة إلى الجمعية ليست نشاط ثقافي عابر، وإنما أداة لبناء علاقة مختلفة مع الآخر.. علاقة تبدأ بالمشاهدة، ثم تتحول إلى سؤال، ثم إلى معرفة.

تكتسب فكرة الأسبوع السينمائي الصيفي العربي في فيينا أهميتها من أنها لا تقدم الثقافة العربية بوصفها ضيف موسمي على المدينة، بل تسعى إلى جعلها جزء من برنامج ثقافي متكرر ومستمر.

وفي هذا السياق، يصبح عرض (القصص) اختيار بالغ الدلالة، فالفيلم نفسه قائم على علاقة بين القاهرة وفيينا، وعلى محاولة شخصين اكتشاف عالم بعضهما البعض عبر مسافة جغرافية وثقافية.

وبينما كانت رسائل أحمد وليز تعبر الحدود ببطء، تعبر السينما اليوم المسافة نفسها في ساعات قليلة.. الفرق أن الرسالة كانت تبحث عن شخص، أما الفيلم فيبحث عن جمهور.. وهنا تحديدا  تكتسب الأمسية معناها الأبعد

 أن تكون الشاشة مكان يلتقي فيه المختلفون دون أن يضطر أحدهم إلى التخلي عن هويته، وأن تصبح الثقافة وسيلة لمعرفة الآخر بدلا من الخوف منه.

وفي ختام العرض، بدا أن (القصص) لم يكن عنوان لفيلم واحد فقط، بل وصف لما حدث في تلك الليلة نفسها ..قصة مصرية وصلت إلى فيينا، فوجدت هناك جمهور يملك بدوره قصته وأسئلته وذاكرته.. وربما تكون هذه هي الوظيفة الأهم للسينما خارج حدود وطنها

 ألا تكتفي بأن تشاهد، بل أن تجعل من يشاهدها يعيد النظر قليلا في الصورة التي يحملها عن الآخر.. فحين تنجح السينما في ذلك، لا تعود مجرد فن يعرض على شاشة، وإنما تصبح مساحة مشتركة يمكن أن تبدأ منها علاقة جديدة بين الثقافات.

👀 Views:

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.