رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

(موازين) 2026.. حين التقت الأصوات العربية والعالمية في مهرجان واحد

(موازين) 2026.. حين التقت الأصوات العربية والعالمية في مهرجان واحد
البداية جاءت قوية، تحمل ملامح هوية مهرجان (موازين) التي تجمع بين الأصالة والانفتاح

الدار البيضاء: د. محمد سعد

منذ اللحظة الأولى لانطلاقه في التاسع عشر من يونيو، بدا واضحاً أن مهرجان (موازين) – إيقاعات العالم لا يحتفل بدورة جديدة فحسب، بل يكتب فصلاً جديداً من قصة نجاحه الممتدة على مدار أكثر من عقدين.

فالدورة الحادية والعشرون من (موازين)، التي تحتضنها الرباط وسلا، تحولت خلال أيامها الأربعة الأولى إلى كرنفال موسيقي عالمي اجتمع فيه الفنانون والجمهور القادم من ثقافات وخلفيات مختلفة تحت راية واحدة هي الموسيقى.

في المساء، كانت أضواء المنصات تشتعل تباعاً، بينما تتدفق الجماهير نحو فضاءات المهرجان المختلفة. من منصة السويسي العملاقة إلى ضفاف أبي رقراق، ومن منصة النهضة إلى فضاء شالة التاريخي، مروراً بالمسرح الوطني محمد الخامس ومنصة سلا، كانت المدينة بأكملها تعيش على إيقاع الفن، وكأن الرباط وسلا تحولتا إلى مسرح مفتوح يحتفي بالتنوع والجمال والإبداع.

البداية جاءت قوية، تحمل ملامح هوية مهرجان (موازين) التي تجمع بين الأصالة والانفتاح. فعلى خشبة المسرح الوطني محمد الخامس، أطلت الفنانة ميادة الحناوي لتعيد جمهورها إلى زمن الطرب العربي الأصيل.. بصوتها الذي ما زال يحتفظ ببريقه، أعادت إحياء ذكريات الأغنية العربية الكلاسيكية وسط حالة من الشجن والحنين.

وفي الجهة الأخرى من المدينة، كانت منصة السويسي تستقبل جمهوراً مختلفاً تماماً، جاء بحثاً عن الإيقاعات العالمية الحديثة. هناك افتتح الفنان نينيو البرمجة الدولية للمهرجان وسط تفاعل جماهيري كبير، مؤكداً منذ الليلة الأولى أن موازين ما زال قادراً على استقطاب أبرز الأسماء العالمية.

(موازين) 2026.. حين التقت الأصوات العربية والعالمية في مهرجان واحد
تحولت منصة النهضة إلى ساحة احتفال شعبية مع بعض المطربين العرب والأفارقة

ساحة احتفال شعبية

أما على ضفاف أبي رقراق، فقد حملت فرقة (ذا أنسيسترز) الجمهور في رحلة موسيقية إفريقية نابضة بالحياة، بينما تحولت منصة النهضة إلى ساحة احتفال شعبية مع بعض المطربين العرب، اللذين قدما عرضاً اتسم بالحيوية والتفاعل المباشر مع الجمهور.

وفي منصة سلا، حضرت الأغنية المغربية بقوة من خلال سعيد الصنهاجي ومهدي ولد الحاجب، اللذين قدما لوحات غنائية جسدت ارتباط المهرجان بجذوره المحلية، بالتوازي مع انفتاحه على العالم.

ومع حلول اليوم الثاني، بدا أن وتيرة مهرجان (موازين) ترتفع أكثر فأكثر. فقد تألقت النجمة الأمريكية ميسي غراي على المسرح الوطني محمد الخامس، مقدمة عرضاً امتزجت فيه موسيقى السول والجاز بروحها الفنية الخاصة، فيما شهدت منصة السويسي واحدة من أكثر السهرات حماساً مع فرقة مايجور ليزر، التي حولت الفضاء إلى موجة متواصلة من الرقص والطاقة والإيقاعات الإلكترونية.

وفي الوقت نفسه، واصل المهرجان احتفاءه بالموسيقى الإفريقية من خلال الفنان ستونبوي الذي قدم عرضاً مبهراً بأبي رقراق، بينما عاش جمهور النهضة ليلة رومانسية راقية مع الفنان ماجد المهندس، الذي قدم مجموعة من أشهر أغنياته وسط تفاعل لافت من محبيه.

وفي فضاء شالة، حيث يمتزج عبق التاريخ بسحر الموسيقى، افتتحت الفنانة سيني كامارا البرمجة الفنية بعرض اتسم بالشاعرية والهدوء، ليقدم نموذجاً مختلفاً عن بقية المنصات الصاخبة.

أما اليوم الثالث، فحمل واحدة من أبرز لحظات الدورة حتى الآن، مع صعود النجمة الجنوب إفريقية تايلا إلى منصة السويسي. فمنذ ظهورها على المسرح، استطاعت أن تفرض حضورها بقوة، مقدمة عرضاً جمع بين الرقص والغناء والإبهار البصري، لتؤكد مكانتها كواحدة من أبرز نجمات الجيل الجديد على الساحة العالمية.

وفي المسرح الوطني محمد الخامس، عاشت الجماهير العربية أمسية مختلفة مع الفنانة المصرية مروة ناجي، التي أعادت إحياء روائع الطرب العربي بأسلوبها الخاص، فيما قدم الفنان زولو عرضاً روحانياً مميزاً في شالة، استحضر من خلاله أبعاداً فنية وثقافية عميقة.

وفي أبي رقراق، أبهرت جيليكابا بينتو الجمهور بألوان الموسيقى الغينية الحديثة، بينما جمع لقاء جيلان ونسيم حداد في منصة النهضة بين الحداثة الموسيقية والاشتغال على التراث المغربي، في تجربة أثبتت قدرة الموسيقى على الجمع بين الماضي والحاضر.

(موازين) 2026.. حين التقت الأصوات العربية والعالمية في مهرجان واحد
خطفت أسماء لمنور الأنظار في منصة النهضة بحفل مغربي راقٍ جمع بين الأداء المتقن والحضور الآسر

الطرب العربي الأصيل

وجاء اليوم الرابع ليؤكد أن النجاح الذي حققه المهرجان في أيامه الأولى لم يكن مصادفة، ففي شالة قدمت الفنانة ميلينا عرضاً مستلهماً من التراث المتوسطي، بينما تألقت الفنانة إيماني على المسرح الوطني محمد الخامس في واحدة من أكثر أمسيات الدورة تأثيراً وإحساساً.

أما الحدث الأبرز فكان على منصة السويسي، حيث أحيت فرقة جيبسي كينغز حفلاً استثنائياً استعاد أشهر أعمالها التي صنعت شهرتها العالمية. ومع أولى نغمات الفلامنكو والرومبا والإيقاعات الغجرية، تحولت المنصة إلى احتفال جماعي ضخم، شارك فيه الجمهور بالغناء والتصفيق والرقص حتى اللحظات الأخيرة من الحفل.

وفي أبي رقراق، ألهبت بونغو الأجواء بإيقاعات الأفرو إلكترونيكا الحديثة، بينما خطفت أسماء لمنور الأنظار في منصة النهضة بحفل مغربي راقٍ جمع بين الأداء المتقن والحضور الآسر، في حين احتضنت منصة سلا عروضاً شبابية مميزة لكل من 7ari  وديزي دروس، اللذين قدما صورة معاصرة للمشهد الموسيقي المغربي.

وخلال أربعة أيام فقط، نجح موازين في تحقيق معادلة صعبة؛ إذ جمع تحت مظلته الطرب العربي الأصيل، والموسيقى الغربية المعاصرة، والسول، والإلكترو، والأفروبيتس، والفلامنكو، والراب المغربي، والأغنية الشعبية، والتراث المتوسطي، في لوحة فنية متعددة الألوان والثقافات.

ولعل ما يميز موازين أكثر من أي شيء آخر هو قدرته على تحويل الاختلاف إلى مصدر للثراء.. فالجمهور الذي جاء ليستمع إلى ميادة الحناوي، وجد نفسه في المدينة ذاتها التي تستضيف تايلا وجيبسي كينغز ومايجور ليزر، بينما اجتمعت الموسيقى المغربية والعربية والإفريقية والعالمية في فضاء واحد دون حواجز أو حدود.

ومع استمرار فعالياته حتى السابع والعشرين من يونيو، يواصل مهرجان موازين تأكيد مكانته كأحد أكبر المهرجانات الموسيقية في العالم، ليس فقط بحجم النجوم الذين يستضيفهم أو أعداد الجماهير التي يستقطبها، بل بقدرته المستمرة على بناء جسور الحوار بين الشعوب والثقافات عبر لغة عالمية واحدة.. هي لغة الموسيقى.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.