حسين نوح يكتب: (غرباء).. فيلم يجعلنا نُفكر

بقلم الفنان التشكيلي الكبير: حسين نوح
شاهدت الفيلم القديم (غرباء).. عظيم يبحث عن الحقيقة ويعرض حالة التيه التي شغلت الإنسان دائماً، هل بالدين، أم بالعلم، أم برجماتية المتعة؟
فيلم (غرباء)، إنتاج 1973 يؤكد حقيقة اعرفها مؤكدة وهى ضياع أفلام عظيمة وعدم أخذ ما تستحق من التقدير والاحتفاء والمشاهدة، ويرجع ذلك لأسباب وقت الطرح السينمائي وهو قبل حرب أكتوبر 1973 بشهور، وقد يكون إهمال النقد الموضوعي والتعتيم.
لكن هناك حقيقة بلا شيفونية، هى أن مصر دولة غنية جداً بالمواهب والمثقفين والمبدعين، تاريخ طويل من الابداع السينمائي تؤكده أفلام قدمت عظمة الفكرة وعظمة الاخراج الواعي وتقديم قيمة مضافة.
فحين يكتب المخرج المبدع (سعد عرفة) ومعه السيناريست المستنير (رأفت الميهي)، ثم تضاف للإبداع الفكري عبقرية التصوير السينمائي المصور (عبد العزيز فهمي)، فنحن أمام فيلم (غرباء) الذي يقدم متعة بصرية وعقلية.
فالفكرة الفلسفية شديدة الأهمية الانسان بين الدين والعالمانية ومحض المادية كل هذاوأكثر في فيلم (غرباء) بطولة المبدعة التي تغوص في مكنون الشخصية بعبقرية (سعاد حسني) في دور (نادية) تعمل نادلة في أحد الفنادق.
يفتتح الفيلم بها وهى تستمع للإذاعة لأحدث تجليات العلم تخليق الأجنه دون رحم الأمهات للابتعاد عن امراض الوراثة، ثم المشهد الثاني الشقيق المتزمت (أحمد/ شكري سرحان) صاعدا للمسجد يشكو للشيخ من اخته (نادية/ سعاد حسني) المتمردة والمندفعه لتدرك عالم العالمانية والمادية.
من خلال الصديق دكتور (فؤادعبيد/ عزت العلايلي) والحبيب (سمير/ حسين فهمي) الذي يرى أن الحياة هى أن تعيش بما ترتضية دون النظر للآخرين، تعمل (ناديةً) ولا يرضى شقيقها (أحمد) المتزمت رجوعها للمنزل ليلاً رغم موافقة الأب (عماد حمدي).

مشاعر حب وكره
تواظب (نادية) على جلسات للدكتور فؤاد عبيد العالماني الذي يتحدث عن العلم والتحضر ونبذ الانفعالات والخرافات وتقديس العمل فقط ويعطي أمثلة بالدول الغربية فبلعلم وصل الإنسان للقمر واكتشف الكون وقدم منتجات الحداث.
في الجانب الآخر يفشل (أحمد/ شكري سرحان) في منع شقيقته (نادية/ سعاد حسني) من العمل الليلي، ويبتعد عن منزله ويعيش بحجرة ع السطوح، ويتقرب إلى الشيخ الطيب يعمل عند (سلامة العطار) يشاهد (نادية) عائدة من شغلها بالأوتيل فجرا.
المشهد يراها من أعلى يضربها ويعنفها، الصديق الاخر والحبيب لنادية هو (سمير/ حسين فهمي) فنان تشكيلي متحرر، مادي يراها حبيبه كائن بديع جميل، ويريد امتلاكها جسداً يقدره لا يطلب غير الحب لنادية.. أما الدكتور (فؤاد عبيد) فهو يرى الإنسان لا تتحكم فيه المشاعر حب وكره.
تأتي رمزية صراع التزمت الديني في شخص الشقيق (أحمد) والهارب من الفشل إلى المسجد كأداة هروب والأفكار العلمانية في شخصية الدكتور (فؤاد عبيد)، والشخصية المادية الباحثة فقط عن المتعة في شخص الحبيب (يوسف) كل ذلك في الطبقة المتوسطة المعبرة عن القاعدة العريضة للمجتمع فهى رمانة الميزان.
اللقطات التي يعرضها الدكتور (فؤاد عبيد) لرواد صالونة الثقافي لتوضيح أنه عالم العلم والتحضر، فيعرض على بروچيكتورلحظة أن وصول الإنسان للقمروالفضاء كانت كالصدمات علي وجه الشباب من مريديه.
برع المخرج في توظيف دلالات الصورة، الدكوباچ، الخلفيات، وفي مشاهدالحب بين (نادية وسمير) فالتحفت بتنغيمات للعبقري (فؤاد الظاهري) على لحن (أنا لك ع طول خليك ليا) تأكيداً أنها جزء من جمال يعرفة سمير رغم ترددها.
معتقداً ان السبب (فؤاد عبيد سمير) يريدها ملكاً له، وترفض (نادية) أن تقع فريسة بين أخ متزمت دائماً خلفياته قباب المساجد، من يختلف معه هو ملحد، ويرى أن مجالسة العلماني عبيد هي كفر وجهنم .
(نادية) مع الشقيق (أحمد) تتنازل ومع (سمير) مطلوب أن تتنازل.. ماذا تفعل؟.. يحاول (احمد) مع أخته ويسأل الشيخ الطيب (محمد السبع) الذي يطلب منه ان يحبها.. بينما الدكتور عبيد يطالبها بعدم الخوف فالخرافة لا تجعلنا نفكر.
(أحمد) يرتكب الرزيله مع الخادمة (عزيزة راشد)، ويفشل في مقاومة إغرائها ويسقط!

الضياع وإحساس الغربة
حين يعود دكتور عبيد من زيارة الغرب وبمعايشتهم يكتشف أن الإنسان في الغرب مازال بدائي قاتل تحول من استخدام السكين والرمح إلى الدبابة والطائرات والصواريخ، ويشاهد كيف يهزم العقل وكيف تحدث الحروب ويفشل في الفهم، إنه قال الكثير ولكن لم يستوعب وينهار نفسياً بعد أن عايش الغرب.
ويعترف لنادية: الطريق مقفول يزيد الضياع وإحساس الغربة بفوتومونتاچ للفقر، البلهارسيا، الجوع، والنقيض تجده (نادية) في الاوتيل حيث تعمل، تحاول التواصل مع د فؤاد عبيد ، يفقد كل المعاني وتشعر بضياع بعد انهياره، يصعد الدرج للدخول للمسجد ويخرج هابطا الدرج والكاميرا الواعية من أعلى.
(أحمد) بعد المعصية يعترف للشيخ الطيب الذي يطالبه بالتعمق فى حب الل.. تنغيمات الأذان بالكورال (مقام الحجاز)، ثم خبر انتحار فؤاد عبيد تاركآً جواب لنادية يقول فية (لم أصل للحقيقة، ولكن اترك لك المستقبل مهما نصل للعلم علينا أن نستفيد من الأخطاء).
ويبقى السؤال: لا فؤاد ولا أحمد ولا سمير.. ما هو الصح؟.. تقرر (نادية) وتمثل الشموخ المصري انها لن تكون أسيرة للآخرين، بل ستفكر وتقرر (إعمال العقل) نحن أمام فيلم (غرباء)، الذي يستحق أن يكون ضمن قائمة أعظم مائة فيلم في السينما المصرية.
الانسان هو أحد اهم مفردات البحث عن اليقين وفقط.. بقدرته على طرح الأسئ.. هكذا كانت السينما المصرية تحقق مطلب كل رواد التنوير في العالم، فماذا نحن فاعلون!