رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

(ورد على فل وياسمين): ملامح مصائرنا تكتبها أيدي آبائنا

(ورد على فل وياسمين): ملامح مصائرنا تكتبها أيدي آبائنا

(ورد على فل وياسمين): ملامح مصائرنا تكتبها أيدي آبائنا
عمل درامي اجتماعي يدور حول قصة حب غير متوقعة تجمع شخصيتين تنتميان إلى عالمين مختلفين تمامًا
(ورد على فل وياسمين): ملامح مصائرنا تكتبها أيدي آبائنا
الدكتورة شيماء سعيد

بقلم الكاتبة الدكتورة: شيماء سعيد

ليست كل أشكال الحب مريحة، ولا كل أشكال الحماية نعمة، أحيانًا يكون أقرب الناس إلينا، وأكثرهم حبًا لنا، هم أنفسهم من يضعون أثقل القيود على حياتنا دون أن يقصدوا ذلك كما جاء في مسلسل (ورد على فل وياسمينفالأب الذي يريد أن يجنب ابنه الأخطاء قد ينتهي به الأمر إلى حرمانه من حق التجربة، والأم التي تخاف على أبنائها من قسوة العالم قد تزرع في داخلهم خوفًا أكبر من العالم نفسه.

هذه الفكرة الإنسانية المعقدة هي ما ينطلق منه مسلسل (ورد على فل وياسمين)، من تأليف (وائل حمدي وعمرو سمير عاطف)، وإخراج (محمود عبد التواب)، وهو عمل درامي اجتماعي يدور حول قصة حب غير متوقعة تجمع شخصيتين تنتميان إلى عالمين مختلفين تمامًا.

د. طارق (أحمد عبد الوهاب) الذي يعمل في التحاليل الطبية، وإلهام (صبا مبارك) الكوافيرة المطلقة من عائلة بسيطة وأم لطفل، وهي تكبره سنًا وتعاني من اسرطان الدم.

لكن مسلسل (ورد على فل وياسمين)، لا يكتفي بهذا المسار الرئيسي، بل يتعمق في الظروف التي نشأ فيها الأبطال، وفي الطريقة التي تشكّلت بها شخصياتهم وقناعاتهم منذ الطفولة، قبل أن يدخلوا تجربة الحب أو يواجهوا اختياراتهم العاطفية، وما يترتب على هذا اللقاء من مواقف وصراعات إنسانية تُظهر مدى تأثر العلاقات بالتربية والبيئة وتشابكهما معها.

(ورد على فل وياسمين): ملامح مصائرنا تكتبها أيدي آبائنا
رغم نجاحه المهني واستقراره الظاهري، مترددًا في كثير من المواقف ولا يحسن التصرف

الحب شكلًا من أشكال السيطرة

ويتجلى ذلك بوضوح في علاقة الأب (إسماعيل فرغلي) بابنه (طارق)، فهو لا يكتفي بتقديم النصائح، بل يبدو وكأنه يرسم له مستقبله خطوة بخطوة، من الدراسات العليا والحصول على الماجستير إلى السعي لمنحة دراسية في الخارج، وكأن النجاح لا يتحقق إلا عبر هذا الطريق الذي اختاره الأب مسبقًا.

وحتى إن بدا (طارق) مقتنعًا بأهمية الدراسة والسعي العلمي، فإن اختياراته تظل محكومة إلى حد كبير بالإطار الذي رسمه له والداه، فلا تبدو أمامه مساحة واسعة لإعادة تعريف أحلامه بنفسه، وحتى التفاصيل اليومية البسيطة تخضع لهذا المنطق، فاستعماله لسيارته الخاصة يتم وفق حسابات وموافقات مسبقة.

ولا تبدو الأم (سلوى محمد علي) أقل حضورًا في رسم ملامح حياة أبنائها، إذ تنطلق من خوف دائم على مستقبلهم ورغبة مستمرة في حمايتهم، فتتدخل في تفاصيل حياتهم واختياراتهم بدافع الحب والحرص، لكنها تضيق من حيث لا تدري المساحة التي يمكن أن يكتشفوا فيها أنفسهم بعيدًا عن توجيهات الأسرة.

لذلك يبدو (طارق)، رغم نجاحه المهني واستقراره الظاهري، مترددًا في كثير من المواقف ولا يحسن التصرف، لأنه لم يُمنح فرصة كافية لتجربة الخطأ أو بناء ثقته بنفسه بعيدًا عن الرقابة الأسرية.

(ورد على فل وياسمين): ملامح مصائرنا تكتبها أيدي آبائنا
بعد صدامه مع أسرته بسبب اختياره الارتباط بـ (إلهام)، يصر (طارق) على هذه العلاقة ويتمسك بها

وجه التمرد في حياة طارق

ويظهر أثر ذلك أيضًا في اختياراته العاطفية، إذ ينجذب إلى (إلهام) حيث إنها امرأة تمتلك شجاعة اتخاذ القرار، وقدرة على مواجهة الألم بابتسامة، وهي صفات يفتقدها داخل بيته المليء بالتحكم والصرامة، وهذا الانجذاب هو محاولة لا واعية لتعويض نموذج الحياة الذي كان يتمنى أن يُسمح له بأن يعيشه.. وكأن إلهام تمثل الصورة التي افتقدها داخل بيئته الأسرية، فوجد فيها ما لم يتحقق في واقعه.

فبعد صدامه مع أسرته بسبب اختياره الارتباط بـ (إلهام)، يصر (طارق) على هذه العلاقة ويتمسك بها رغم رفضهم في البداية، ما يخلق حالة من التوتر داخل الأسرة قبل أن تنتهي إلى قبولها كأمر واقع، وبعد وفاتها لا تتوقف حياته عند هذه التجربة، بل يستعيد توازنه ويستقر لاحقًا في زواج أكثر هدوءًا وتوافقًا من زميلة له من نفس المستوى الاجتماعي والمحيط المهني.

لذلك لا تبدو إلهام مجرد حبيبة بقدر ما تبدو محطة فاصلة سمحت له باختبار حياة مختلفة والخروج من القالب الذي فرضته الأسرة، قبل أن يعود إلى اختياراته وهو أكثر قدرة على اتخاذها بنفسه.

(ورد على فل وياسمين): ملامح مصائرنا تكتبها أيدي آبائنا

(ورد على فل وياسمين): ملامح مصائرنا تكتبها أيدي آبائنا
يطرح مسلسل (ورد على فل وياسمين) فكرته الأهم: أن التربية القائمة على السيطرة لا تنتج نوعًا واحدًا من الأبناء

التحكم الأسري لا يصنع نمطًا واحدًا

يكشف مسلسل (ورد على فل وياسمين)، تناقض الاستجابات داخل الأسرة من خلال شخصية رانيا (هديل حسن) شقيقة (طارق) التي تمثل الوجه الآخر للبيئة نفسها، فإذا كان هو قد اختار الطاعة والتكيف، فإنها اختارت التمرد والمواجهة، فترفض تدخل الأسرة في قراراتها وتقاوم محاولات التوجيه المستمر.

حتى أنها تؤجل خطوبتها المعلنة رغم معرفة الجميع بها، رفضًا للقيود الاجتماعية وضغط الأسرة ونظرة الأم التي تكرر وصفها بـ (العانس).

وهنا يطرح مسلسل (ورد على فل وياسمين) فكرته الأهم: أن التربية القائمة على السيطرة لا تنتج نوعًا واحدًا من الأبناء، بل قد تخلق شخصيات مختلفة في الشكل لكنها متشابهة في الجذر النفسي، أحدها ينكسر بالامتثال، والآخر ينفجر بالرفض، وكلاهما نتيجة لغياب الحرية الحقيقية.

ومع استمرار الضغط، توافق (رانيا) في النهاية على الارتباط بالشخص الذي كانت تؤجل خطوبته، فتعيش تجربة مضطربة تنتهي بانفصال مؤلم يترك أثرًا نفسيًا واضحًا، وبعد أن يدرك أهلها خطأ تدخلهم، تعود لتصحيح اختياراتها، فتخوض زواجًا أكثر استقرارًا وتوازنًا، كأنها تصل في النهاية إلى قدر من التصالح بعد تجربة قاسية فرضتها ضغوط الأسرة.

(ورد على فل وياسمين): ملامح مصائرنا تكتبها أيدي آبائنا
يطرح مسلسل (ورد على فل وياسمين) فكرته الأهم: أن التربية القائمة على السيطرة لا تنتج نوعًا واحدًا من الأبناء

حين تصنع الحرية ما تعجز عنه التربية الصارمة

وعلى النقيض من (بيت طارق) يأتي (بيت إلهام) كمساحة أكثر حرية وهدوءًا، تقوم فيها الأم (ميمي جمال) بدور مختلف تمامًا عن نموذج التوجيه والسيطرة، فهي لا تقدم صورة الأم المثالية بقدر ما تقدم نوعًا من الحب القائم على القبول لا الإملاء، بل تترك مساحة واضحة للتجربة والخطأ والاختلاف.

ومع بساطة حياتها ومحدودية تعليمها، إلا أنها تمتلك وعيًا إنسانيًا يجعلها أكثر مرونة في التعامل مع بناتها، فلا تسجنهن داخل توقعات صارمة، بل تترك لكل واحدة مساحة لتختار طريقها.

ويظهر ذلك بوضوح في تعاملها مع (إلهام)، إذ تترك لها حرية اتخاذ قرارات حياتها، بما في ذلك اختيارها لتغيير مكان العمل وعدم العودة إلى طليقها، وتحترم هذه الاختيارات دون ضغط أو توجيه مباشر، حتى ابنتها الأخرى (هند) تسمح لها بالسفر والاختيار والزواج من خارج الإطار التقليدي دون تدخل قسري أو منع.

وكأنها تؤمن بأن الحياة لا تُدار بالقوالب الجاهزة، هذا النوع من التربية لا يُنتج أبناء بلا مشاكل، لكنه يمنحهم قدرة أكبر على التعامل مع أنفسهم دون خوف دائم من الرفض.

ولا يتوقف أثر هذا النمط التربوي عند إلهام نفسها، بل يمتد إلى علاقتها بابنها (كريم)، وكأنها تعيد إنتاج المساحة الحرة والقبول التي نشأت في ظلها داخل بيتها، حيث لا تتعامل معه كامتداد لها أو كنسخة يجب ضبطها، بل كإنسان صغير له رغباته الخاصة، نراه يعترض أحيانًا ويعبر عن رأيه.

ونراها تستمع إليه وتناقشه بدل أن تفرض عليه شكلًا محددًا للحياة، وهي تفاصيل تبدو كأنها تقدم الوجه المقابل تمامًا لنشأة طارق، وتنعكس لاحقًا على قدرة الطفل في التعبير عن نفسه دون خوف.

(ورد على فل وياسمين): ملامح مصائرنا تكتبها أيدي آبائنا

(ورد على فل وياسمين): ملامح مصائرنا تكتبها أيدي آبائنا
ويعكس المسلسل هذا التباين النفسي أيضًا من خلال اللغة البصرية

اللغة البصرية تكشف تباين العالمين

ويعكس المسلسل هذا التباين النفسي أيضًا من خلال اللغة البصرية، فبيت إلهام، رغم بساطته، يبدو ممتلئًا بالحياة، والشمس تتسلل إلى المكان باستمرار فتمنحه دفئًا وحيوية، والإضاءة فيه مبهجة تعزز الإحساس بالألفة والطمأنينة، الورود حاضرة في المكان وفي ملابس إلهام ووالدتها بشكل متكرر، وعلى ورق الحائط أيضًا رغم تهالك بعضه، كما يظهر دائمًا حضور الأصدقاء ولمّة البيت بما يضيف إحساسًا بالدفء الاجتماعي والاتصال بالآخرين.

أما بيت (طارق)، فيأتي على النقيض تمامًا، أكثر تنظيمًا ورقيًا لكنه يفتقر إلى الألفة، الإضاءة فيه خافتة وتغلف المكان بطابع خانق، يليه الديكور الذي يبدو محسوبًا بدقة بألوان داكنة ونقوش صارمة على الحائط تعكس الانضباط والجمود.

ثم تأتي الملابس، حيث يظهر (طارق) غالبًا ببيجامة مقلمة ثابتة الإيقاع وكأنها امتداد لهذا النظام البصري الصارم، وصولًا إلى العلاقات الاجتماعية التي تبدو هي الأخرى محدودة ومنغلقة، حتى أقرب روابطه الإنسانية تتجسد في تواصل افتراضي عبر لعبة مع صديقه الوحيد، الغائب الحضور الواقعي.

لذلك لا يبدو (ورد على فل وياسمين) مهتمًا بقصة الحب بقدر ما هو مهتم بما قبلها: كيف يُصنع الإنسان داخل بيته الأول، وكيف تتحول التربية إلى القوة الخفية التي تحدد شكل العلاقات لاحقًا، ليطرح العمل بوضوح أن ملامح مصائرنا تُكتب فعلًا بأيدي من ربونا، حتى لو ظننا أننا كتبناها بأنفسنا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.