رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

(أيمن زيدان).. خسارة استراتيجية طالت عمق صورته الذهنية!

(أيمن زيدان).. خسارة استراتيجية طالت عمق صورته الذهنية!
(أيمن زيدان) في نهاية هذه الأزمة المحطة الأصعب والأقسى في مسيرته الإبداعية
(أيمن زيدان).. خسارة استراتيجية طالت عمق صورته الذهنية!
محمد حبوشة

بقلم الكاتب الصحفي: محمد حبوشة

(أيمن زيدان).. قامة فنية لا يستهان بها في تاريخ الفن العربي، لكن تبدو سقطته الأخيرة في أثناء زيارته لكرباء العراقية تضعه على المحك، فالفنان صاحب الفكري والثقافي لابد أن ينتبه قبل الوقوع في المحظور، خاصة أن (غلطة الشاطر بألف).

ومن هنا جنى (أيمن زيدان) في نهاية هذه الأزمة المحطة الأصعب والأقسى في مسيرة أي فنان يحمل مشروعاً فكريا وثقافيا؛ إذ لم تكن الخسارة مادية أو مهنية هذه المرة، بل كانت خسارة استراتيجية طالت عمق صورته الذهنية ورصيده الوجداني في نفوس الجماهير التي تقدر فنه الرفيع.

الأمر المؤكد أن (أيمن زيدان) جنى خسارة الشريحة الأهم من جمهوره، وهى (الجمهور النخبوي) والناقد الذي كان يرى فيه حارسا للوعي والرزانة الفنية.. هذا الجمهور لا يغفر تحول الرمز إلى أداة مجاملة سياسية أو مذهبية، مما خلق جفوة بينه وبين من صنفوه عقودا كقامة فوق الاستقطابات.

النقطة الأهم في غلطة (أيمن زيدان) هى تدمير (الإيهام التاريخي) لأعماله: نعم جنى تشويها غير متعمد لإرثه الإبداعي في تجسيد الشخصيات الإسلامية والتاريخية، ومن الآن فصاعدا، باتت ملامحه على الشاشة محملة بـ (ظلال) موقفه الأخير في كربلاء وتوقيته المستفز؛ مما أضعف من قدرته الإقناعية وبدد تلك الهالة النقية من الحياد الفني التي ميزت روائعه السابقة من أعمال رصينة.

جنى (أيمن زيدان) درسا باهظ الثمن، أثبت له ولجيله أن التاريخ العريق لا يمنح حصانة أبدية ضد الأخطاء الاستراتيجية، وأن (غلطة الشاطر) في كواليس الواقع كفيلة بأن تلتهم في لحظة غياب حذر واحدة مما تم بناؤه في سنوات من الصدق الفني.

لقد خرج (أيمن زيدان) من هذه العاصفة محملا بعبء التبرير، تاركا إرثه أمام اختبار قاس، حيث باتت استعادة هيبته الفنية مرهونة بقابلية الأيام على محو أثر هذه السقطة، ومدى قدرته على تقديم مشروع درامي مستقبلي شديد العمق ينسي الناس خطايا الواقع.

(أيمن زيدان).. خسارة استراتيجية طالت عمق صورته الذهنية!
كالعادة في مثل هذه الأزمات، تضخمت القضية عبر الـ (تريند)

عاصفة الجدل الحادة

وهنا يبز سؤال وجيه: هل تعتقد أن الجمهور قادر على الفصل بين (شخص الفنان ومواقفه) وبين (قيمة إبداعه) عندما يشاهد عملا متميزا يمكنه أن يستعيد هيبته؟

تحيل هذه العبارة إلى عاصفة الجدل الحادة التي واجهها الفنان السوري الكبير (أيمن زيدان)، إثر زيارته إلى العراق وتحديدا إلى مدينة كربلاء، وهى الزيارة التي أثارت انقساما واسعا على منصات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام بين مدافعٍ عن حريته الشخصية والفنية، ومنتقد لتوقيت وسياق الزيارة.

بقراءة تحليلية لأبعاد تلك (العاصفة)، نجد أن سياق الزيارة والجدل المثار: الشرارة الأولى بدأت الأزمة عقب تداول مقاطع فيديو وصور لـ (أيمن زيدان) وهو يتجول في العتبات المقدسة في كربلاء، حيث عبر في بعض التصريحات عن خصوصية تلك الأجواء والعمق الوجداني للمكان الذي زاره مؤخرا.

محور الانتقاد: تزامنت جولة الفنان السوري مع سماع بعض الأصوات أو (اللعنات) التاريخية المعتادة في تلك الطقوس، (والتي تشمل لعن بني أمية وشخصيات تاريخية ترتبط بالخيال الجمعي لأهل المنطقة) في المشرق العربي.

هذا التزامن استغلته منصات إعلامية وسياسية معارضة، وصورت المشهد وكأن زيدان (يبتهج) أو (يؤيد) هذا الخطاب؛ مما أثار حفيظة طيف من الجمهور الذي رأى في الأمر أبعادا مذهبية أو سياسية لا تليق بقامة فنية عربية لها رصيد كبير في وجدان الجمهور العربي.

طبيعة الهجوم الأبعاد المرافقة: تتمثل في التوظيف السياسي والمذهبي، فالهجوم لم يكن مبنياعلى تقييم فني، بل تم إقحامه مباشرة في أتون الصراع السياسي والرمزيات التاريخية (الأموية مقابل العباسية/ العلوية).. واجه (أيمن زيدان) اتهامات بمحاولة (مغازلة) جهات معينة أو تبني سرديات عقائدية لا تتسق مع إرثه كفنان يفترض أن يمثل هويته الوطنية السورية ببعدها الواسع.

الشحن الرقمي: كالعادة في مثل هذه الأزمات، تضخمت القضية عبر الـ (تريند)، حيث جرى عزل الفيديوهات عن سياقها الإنساني أو السياحي الصِرف، وتحولت الزيارة إلى مادة دسمة للمزايدات وتحميل الرجل مواقف لم يصرح بها علنا.

جبهة الدفاع والردود: في المقابل، شكلت الزيارة مساحة لظهور جبهة مدافعة ركزت على النقاط التالية: الفصل بين الفن والطقوس، فقد أكد المدافعون أن وجود فنان في مكان تاريخي أو ديني لا يعني بالضرورة تبنيه لكل التفاصيل العقائدية أو الهتافات التي تدور حوله، فالزيارة غالبا ما تأتي ببعد إنساني، ثقافي، أو تلبية لدعوات رسمية وفنية داخل العراق.

(أيمن زيدان).. خسارة استراتيجية طالت عمق صورته الذهنية!
توقيت غير موثوق الدوافع: في بيئة عربية مشحونة بالاستقطابات

وضع في كادر لا يشبهه

افتعال السياق: بدت الزيارة للبعض وكأنها مقحمة خارج سياق المشروع الفني الحقيقي للنجم السوري، فالفنان الذي عرف بتقديم دراما جادة، تعتمد على التفكيك النفسي والعمق الإنساني للشخصيات، بدا في هذا الموقف وكأنه وضع في كادر لا يشبهه، ولا يخدم تاريخه، بل أظهره في مظهر (المُجامل) على حساب رصيده النخبوي.

توقيت غير موثوق الدوافع: في بيئة عربية مشحونة بالاستقطابات، يصبح من الصعب إقناع الجمهور بأن تحركاً بهذا الحجم هو مجرد (زيارة عفوية) أو سياحة ثقافية.. لذا، فسر هذا الافتعال على أنه محاولة لمغازلة منصات أو جهات إنتاجية وسياسية معينة، وهو ما يقع في فخ (التوظيف) الذي يربأ الجمهور بنجومهم الكبار الوقوع فيه.

يرى الكثيرون أن ذكاء الفنان لا يتجلى فقط فيما يقدمه على الشاشة، بل في قدرته على حماية (صورته الذهنية) خارجها، وعدم السماح لجهات أخرى بافتعال مواقف توظف تاريخه لخدمة أجندات ضيقة.

خيانة الذكاء هنا تجلت في عدة جوانب أخلت بمعادلة الفنان النخبوي: فقدان الحذر أمام الكاميرا: الفنان الذي يفهم تفكيك الشخصيات والأبعاد النفسية، كان الأجدر به أن يدرك خطورة (الكادر) الذي يوضع فيه.. الوقوف في بيئة مشحونة برموز تاريخية ومذهبية حادة، والسماح للعدسات بالتقاط انفعالات قد تفسر كـ (مباركة) لخطاب إقصائي، هو غياب تام للحذر السياسي والاتزان الرقمي الذي يتطلبه العصر الحالي.

في المحصلة، عندما يخون الذكاءُ النجم الكبير في كواليس الواقع، فإنه يدفع ضريبة قاسية من (الرصيد الذهني) الذي بناه عبر سنوات من الإبداع الجاد، ليتحول من قامة تقود الوعي، إلى طرف يقاد في لعبة تفاصيلها أصغر بكثير من تاريخه.

هنا تكمن العقدة الأساسية التي حولت الزيارة من مجرد هفوة إلى أزمة حادة؛ فالتوقيت في المشهد العام ليس تفصيلا عابرا، بل هو الموجه الأول للقراءة السياسية والشعبية.

اختيار هذا التوقيت بالتحديد – بالتزامن مع موسم الحج – عكس غيابا تاما لـ (الرادار الحسي) والذكاء التوقيتي الذي يُفترض أن يتمتع به فنان بمكانته، وذلك لعدة أسباب:

أهمه المقارنة الحتمية والمستفزة: في الوجدان الجمعي الإسلامي والعربي، يمثل موسم الحج ذروة الوحدة الروحية والتسامي فوق الخلافات.. أن يختار فنان بوزن (أيمن زيدان) هذا التوقيت بالذات للظهور في سياق مذهبي خاص ومثقل بالرموز التاريخية الجدلية، بدا للشريحة الأكبر من الجمهور وكأنه محاولة (لخلق مشهدية بديلة) أو مناكفة غير مبررة للحدث الديني الأبرز، مما ضاعف من حدة الهجوم عليه.

إثارة الحساسيات في توقيت حرج: الأجواء العامة خلال موسم الحج تكون مشحونة عاطفيا ودينيا.. الدخول بكاميرات وتصريحات مفتعلة في بؤرة استقطاب تاريخي (الأموي ضد العلوي/ العباسي) في هذا التوقيت، لم يفسر على أنه (عفوية)، بل صنف كـ (استفزاز مقصود) أو على الأقل استهتار بمشاعر ملايين المتابعين.

(أيمن زيدان).. خسارة استراتيجية طالت عمق صورته الذهنية!
أثبتت هذه الحادثة أن (جراما من التوقيت الصحيح يساوي قنطارا من النوايا الطيبة)

فخ التوظيف الخبيث

الوقوع في فخ التوظيف الخبيث: حتى لو كانت نية الفنان مجرد تلبية دعوة أو زيارة عابرة، فإن اختيار هذا التوقيت قدم (هدية مجانية) للمنصات التي تصطاد في الماء العكر.. لقد سمح لأطراف أخرى باستغلال وجوده كأداة للمكايدة السياسية والإعلامية وتصدير مشهد انقسامي، وهو سياق كان الأجدر بقامة فكرية وفنية مثله أن تنأى بنفسها عنه تماما في هذا الوقت الحساس.

لقد أثبتت هذه الحادثة أن (جراما من التوقيت الصحيح يساوي قنطارا من النوايا الطيبة)، وأن غياب الحذر في اختيار اللحظة المناسبة كفيل بتحويل حركة فنان من مساحة الإبداع الإنساني إلى مستنقع التجاذبات الضيقة.

ربما يمكن للفنان أن يستعيد هيبته، لكنها ليست عملية تلقائية ولا تحدث بمجرد (اعتذار) أو بيان إنشائي، في عُرف النقد الفني والتاريخ الإبداعي، استعادة الهيبة بعد سقطة كبرى تشبه عملية (إعادة بناء جدار ثقة متصدع) تتطلب استراتيجية واعية، وقتا، وقبل كل شيء، مشروعاً فنيا حقيقيا يملك من الوزن ما يجبر الجمهور على إعادة ترتيب أولويات تقييمه.

هناك ثلاثة مسارات أساسية يمكن للفنان – وقامة بوزن أيمن زيدان – أن يسلكها لترميم هذا الشرخ واستعادة هيبته النخبوية يلزمه الهروب إلى الأمام بـ (الدراما السيكولوجية الجادة).

التاريخ الفني يثبت أن الجمهور يملك ذاكرة انفعالية، لكنه يملك أيضاً (ضعفاً فِطرياً أمام الإبداع الحقيقي)، أفضل رد على سقطة (أيمن زيدان) في الواقع هو تقديم عمل درامي استثنائي على الشاشة.

عندما يعود الفنان إلى ملعبه الأساسي – تفكيك النفس البشرية، تقديم شخصيات مركبة تعاني من مآزق وجودية، أو نصوص تلامس هموم الشارع الحقيقية بنزاهة – فإنه يجبر الناقد والمشاهد على فصل (اللحظة العابرة) عن (العبقرية المستدامة).

لكن من وجهة نظري الشخصية أن الإبهار الأدائي قادر على إزاحة البروباجندا السياسية والمذهبية إلى الهامش.

2- (صمت الوعي) والابتعاد عن الكادر المشبوه، وهذا يلزمه استعادة الهيبة التي تتطلب أولا وقف النزيف.. الخطأ الأكبر الذي يقع فيه الفنانون بعد عاصفة مماثلة هو الاستمرار في التبرير، أو الدخول في سجالات إعلامية تزيد من افتعال المشهد وتمنح المنصات مادة متجددة للاستهلاك.

(أيمن زيدان).. خسارة استراتيجية طالت عمق صورته الذهنية!
الهيبة لا تضيع إلى الأبد إلا إذا تماهى الفنان مع سقطته واعتمدها نهجا

فرصة لـ (تهدئة) الغضب

أعتقد أن الصمت الذكي، والابتعاد التام عن بؤر الاستقطاب من جانب (أيمن زيدان)، يمنح الجمهور فرصة لـ (تهدئة) الغضب، لكن هذا الغياب لابد أن يكون مدروسا كي يعيد صياغة صورة الفنان باعتباره ترفع عن الصغائر، وأدرك بأثر رجعي ثقل خطأ التوقيت والسياق.

  1. إعادة صياغة الموقف الفكري في بيئة محايدة: لكي يغسل فنان مثل (أيمن زيدان) أثر (التوظيف الأيديولوجي) الذي سحب إليه، يحتاج إلى الظهور في سياق ثقافي أو إنساني يتمتع بـ (الحياد والنقاء الفوقي).

ما يعني مشاركة (أيمن زيدان) في ندوات مسرحية جادة، قيادة مشاريع لدعم المواهب الشابة، أو تبني قضايا إنسانية عامة لا يختلف عليها اثنان، هنا يمكن أن يعيد تقديم الفنان كـ (رمز ثقافي) وجامع، وليس كطرف في معادلة إقصائية.

الهيبة لا تضيع إلى الأبد إلا إذا تماهى الفنان مع سقطته واعتمدها نهجا؛ أما إذا تعامل معها كـ (منعطف خاطئ)، وعاد إلى جادة مشروعه الفكري والدرامي الصادق، فإن الفن – بصفته القيمة الأبقى- كفيل بغفران خطايا الواقع.

الخلاصة: أيمن زيدان لم ينحز للشيعة على حساب السنة كعقيدة؛ هو فقط فشل في الحفاظ على مسافة الحياد الفني والفكري.. لقد انحاز – عن جهل أو حسابات خاطئة – لكادر بصري وسياسي مشحون، فدفع ثمن هذا (الغباء الاتصالي) من رصيده عند الجمهور الذي يرفض أن يرى عمالقته كأدوات في معارك الاستقطاب الطائفي الذي أصبح آفة المجتمع الحالي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.