

بقلم الكاتب والسيناريست: أحمد صبحي
عندما طُرح الإعلان الأول لفيلم (The Lion King) في التسعينيات، كان الحدث بالنسبة لجيل كامل أقرب إلى الدهشة منه إلى مجرد إعلان سينمائي. لم يكن الأمر مجرد فيلم رسوم متحركة جديد، بل تجربة بصرية وصوتية كاملة، سرعان ما تحولت إلى ظاهرة جماهيرية. في دور العرض، ومنها سينما التحرير، اصطف الجمهور بشغف غير مسبوق لمشاهدة عمل بدا مختلفاً عن كل ما سبقه.
كان الانبهار في البداية موجهاً نحو الصورة: التقنية الجديدة، الحركة المبهرة، والعالم الافتراضي الذي بدا حيّاً ومليئاً بالتفاصيل في (The Lion King)، لكن مع مرور الوقت، تبيّن أن سر التأثير الحقيقي لم يكن في الصورة وحدها، بل في عنصر أكثر عمقاً: الصوت.
فقد لعبت الدبلجة العربية دوراً محورياً في إعادة تشكيل العمل داخل الوجدان العربي، حتى بدا الفيلم وكأنه صُنع بروح عربية خالصة. الأصوات لم تكن مجرد أداء، بل كانت تمثيلاً كاملاً بلا وجه، حيث حملت الحناجر كل الانفعالات الممكنة: الخوف، السخرية، الحقد، الحزن، والندم.
وكان من أبرز هذه الأصوات في (The Lion King) الأداء الاستثنائي للفنان (عبد الرحمن أبو زهرة) ، الذي جسّد شخصية (سكار) بعمق نادر. لم يكن صوته مجرد وسيلة لنقل الحوار، بل كان أداة لصناعة الشخصية نفسها.
نبراته المتقلبة بين السخرية والمرارة والتهديد جعلت من (سكار) رمزاً للشر المعقّد، لا مجرد شرير تقليدي. وبفضله، أصبح من الصعب على كثير من المشاهدين تخيّل الشخصية بصوتها الأصلي، وكأن النسخة العربية أعادت تشكيلها من جديد.
هذا التأثير الصوتي لم يكن وليد صدفة، بل نتيجة وعي فني عالي لدى الممثلين الذين تعاملوا مع الدبلجة باعتبارها تمثيلاً كاملاً لا يقل أهمية عن الأداء أمام الكاميرا. وهنا تحديداً برزت قيمة التجربة: أن الصوت يمكن أن يصنع فيلماً مختلفاً، وربما أكثر تأثيراً من الصورة نفسها.

شخصية (عبد الرحمن أبو زهرة)
ولا يمكن إغفال الجانب الإنساني في شخصية (عبد الرحمن أبو زهرة)، الذي عُرف بثقافته الواسعة واهتمامه الخاص بعالم الطفل.. وقد انعكس ذلك في حواراته ورؤيته للأعمال الموجهة للأطفال، حيث كان يميل دائماً إلى مناقشة الفكرة قبل الأداء، محاولاً فهم الرسالة وليس مجرد تأديتها.
ومن بين التجارب التي جمعتني به، كانت محاولة تقديم مسلسل للأطفال بعنوان (سندريلا 2000)، الذي عُرف لاحقاً باسم (حكايات 2000).. خلال اللقاء، لم يكن الحديث تقليدياً، بل تحول إلى نقاش نقدي عميق حول بنية الحكاية نفسها.. تناولنا معاً شخصية (سندريلا) من زاوية مختلفة؛ هل هي نموذج إيجابي فعلاً؟ أم أنها تقدم صورة سلبية لشخص ينتظر الإنقاذ دون امتلاك أدوات تغيير واقعي في حياته؟
كان رأيه أن قصص الأطفال يجب أن تحمل قدراً من الفاعلية والإلهام، وأن البطل لا ينبغي أن يكون مجرد شخصية طيبة، بل شخصية قادرة على الفعل والإنجاز والتأثير في محيطها. هذا النقاش لم يكن مجرد رأي فني، بل كان رؤية فكرية كاملة حول دور الدراما في تشكيل وعي الطفل.
ورغم أن المشروع تأخر ولم يكن الأستاذ (عبد الرحمن أبو زهرة) جزء منه ، إلا أن تلك التجربة اللقاء به بقيت علامة فارقة، ليس فقط على مستوى العمل، بل على مستوى الفهم العميق لطبيعة الفن الموجه للطفل.
في النهاية، يبقى (عبد الرحمن أبو زهرة) أكثر من مجرد فنان أدى أدواراً بصوته كما في (The Lion King).. إنه نموذج لفنان جعل من الصوت أداة بناء كاملة للشخصية، ومن الدبلجة فناً مستقلاً قادراً على إعادة تشكيل الأعمال العالمية داخل الوعي العربي.