
بقلم الكاتب الصحفي: بهاء الدين يوسف
لماذا استمر توهج (عمرو دياب) طوال ما يقرب من 40 عاما تقريبا بينما انطفأ الكثير من أبناء جيله من المطربين وأحيانا من الأجيال التالية عليه؟! سؤال يجب أن يشغل بال المؤرخين الفنيين في مصر والعالم العربي، خصوصا أن (عمرو دياب) لم يكن يملك أجمل صوت بين المطربين الذين ظهروا في تلك الفترة.
فصوته ليس في قوة صوت (علي الحجار) مثلا، ولا في تفرد صوت (محمد منير) ولا حلاوة صوت (محمد الحلو)، كما أنه لم يكن الفتي الوسيم الوحيد بين المطربين، إذ كان (عامر منيب) – رحمه الله يفوقه وسامة، ولا حتى المغني الأكثر حماسة بين الشباب مثل (محمد فؤاد).
كما إنه لم يحظ برعاية فنان كبير معروف في حجم (عمار الشريعي) راعي فرقة الأصدقاء، أو الشاعر (محمد حمزة) الذي توسم خيرا في المطرب (أحمد إبراهيم) وأهداه أغنية من تأليفه، أو حتى الفنان (عزت أبو عوف) الذي احتضن بدايات (محمد فؤاد) مع فرقة الفور إم.
في اعتقادي أن كل ما سبق يمثل الخليط السري الذي صنع أسطورة (عمرو دياب) معجونا بقليل من الحظ وكثير من الشخصية الكاريزمية التي تأسر من يراها أو يستمع لها، الحظ يتمثل في فترة ظهوره على الساحة الفنية في بداية الثمانينات من القرن الماضي.


البناء على أنقاض الأبراج القديمة
هذه الفترة يمكن وصفها بأنها مرحلة البناء على أنقاض الأبراج القديمة التي رحلت أو انهارت في حقبة السبعينات بكل تقلباتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وأفرزت نخبا جديدة بأذواق متدنية جعلت من مطربي كازينوهات شارع الهرم بوصلة للغناء في مصر.
لكن تلك الفترة لم تطل بفضل ظهور (محمد منير) كمطرب شاب يعبر عن صخب المرحلة وحالة الضياع والصخب التي يعيشها شباب تلك الأيام.
بين الرومانسية الكلاسيكية التي جسدها (عبد الحليم حافظ) وعشقتها الفتيات وحاول الرجال السير على نهجها، وبين تمرد (محمد منير) الفوضوي الذي وجد فيه شباب الثمانينات معبرا آمنا لهم من تقلبات ذلك العصر.
ظهر (عمرو دياب) ليمثل الحل الوسط الذي يحمل بعضا من رومانسية حليم وبعضا من فوضوية منير، فكان المطرب الذي يقتدي به الشباب وترى فيه الفتيات الصورة المثالية لفارس الأحلام الشاب الطموح الوسيم الرومانسي الرياضي.
ورغم إنه لم يكن المطرب الأول ولا الأنجح طوال فترة الثمانينات إلا أن عمرو تمكن من أن يحفر لنفسه مكانا بين مطربي الصف الأول، قبل أن تنفجر شعبيته عقب غنائه في حفل افتتاح دورة الألعاب الافريقية التي استضافتها مصر عام 1991، حيث انبهر المصريون به وهم يشاهدونه يغني بالعربية والإنجليزية بطلاقة.
الذكاء أيضا من النعم التي حظي بها (حليم وعمرو) وبذلا جهدا ملفتا في تطويرها والاستفادة منها في عملهما، لكن مع اختلاف المسار حيث وجد (حليم) أن الغناء الوطني في السنوات الأولى عقب نجاح ثورة 23 يوليو 1952 سبيلا للنجاح الشعبي والقرب من السلطة في الوقت نفسه.
في المقابل لمح (عمرو دياب) بذكائه أن التقلبات الاجتماعية والسياسية التي واكبت مشواره الفني لم تعد تسمح بأغنيات وطنية حماسية يمكن ان تبقى في ذاكرة الجمهور، فتجنب الوقوع في فخ الاغاني التي تمدح الرئيس، وغاب عن المشاركة في حفلات أكتوبر الوطنية التي تحولت في تلك السنوات إلى مناسبة لاختزال الوطن في شخص رئيسه.


أغنية (واحد مننا)
قدم (عمرو دياب) أغنيتين فقط ربما بإلحاح من الدائرة المحيطة بالرئيس الراحل، أولاهما (منين ما تروح تلاقي ستين مليون فدائي) التي غناها بعد تعرض مبارك لمحاولة اغتيال فاشلة في إثيوبيا، والثانية أغنية (واحد مننا) وأذيعت خلال سباق أول انتخابات رئاسية تعددية والتي جرت عام 2005.
غير ذلك التزم (عمرو دياب) الصمت غالبا في مختلف المناسبات، حتى إنه منذ عام 2011 لم نسمع أو نقرأ له تعليقا واحدا على أي حدث سواء خلال ثورة 25 يناير أو 30 يونيه وحتى خلال فترة حكم الإخوان، وهى فترات شهدت سقوط العديد من الفنانين في فخ التورط السياسي مع هذا التيار أو ذاك الشخص، وحتى الآن لا يعرف سوى عدد قليل من المقربين منه آرائه فيما كان يحدث.
صمت (عمرو دياب) الذكي لم يقتصر على السياسة فقط، ولكن على علاقاته مع المطربين الآخرين خصوصا ممن حاولوا الهجوم عليه أو التقليل من قيمته، وأمام كل موجات الهجوم لم يفعل (عمرو) سوى الصمت بعدما أدرك بحسه الإنساني أنه بات مثل الشجرة المثمرة التي يقذفها الآخرون بالطوب وعليه أن يتعامل مع الهجوم عليه من هذا المنطلق.
وفطن أيضا بذكائه الإعلامي أن مكانته الفنية تحتم عليه أن يختار هو المعارك التي يخوضها، لا أن يساق إلى منازلات يستفزه الآخرون لخوضها دون رغبة منه.