

بقلم الكاتب والسيناريست: وائل شفيق
نجيب محفوظ، سيد الرواية العربية، جلس يوماً على مقعد الرقيب مثلما جلس الكاتب والسيناريست (عبد الرحيم كمال)، كان ذلك في زمن مضى، بمعطياته ورهاناته.. تولى الرجل إدارة الرقابة على المصنفات الفنية، فقرأ النصوص، ومنع وأجاز، ووقّع التقارير.. لكن الذاكرة لا تحفظ محفوظ لأنه كان رقيباً. الذاكرة تحفظه لأنه كتب (الثلاثية، الحرافيش، ثرثرة فوق النيل، اللص والكلاب).
اليوم، يقف (عبد الرحيم كمال) أمام الاختبار ذاته. كاتب كبير، صاحب صوت متفرد في الدراما المصرية؛ صوت أعاد للصعيد شعره، وللصوفية فلسفتها، وللوجدان المصري دفئه.. قلمه صنع عوالم كاملة، وجملته صارت دستوراً للوجدان. لكنه الآن في مكان لا يشبهه.. يجلس على مقعد الوظيفة، والمقعد لا يشبهه.. ثمة فكرة سيطرت عليه: أن المبدع قادر على مواجهة المحاذير بيديه، أن يفتح الأبواب المغلقة بقرار مباشر.. وهى فكرة نبيلة في ظاهرها، خطيرة في جوهرها.
المبدع لا يعدل الموازين بقرار إداري. المبدع يضع كل الموازين في عمله الفني، ويجعل المتلقي يرى الخلل ويصرخ منه، دون أن يحتاج إلى بيان رسمي.. رسالة الكاتب لا تُقال في مذكرة؛ تُهمس في حوار بين شخصيتين، تُزرع في مشهد يهز القلوب، تُكتب على لسان بطل من خياله.. هناك، في قلب النص، يكون الكاتب حراً وسيداً وصاحب سلطة مطلقة. هناك يستطيع أن يهدم ويبني، أن يحاكم ويغفر، أن يشعل النار ويطفئها.. أما خارج النص، فهو مقيد بقيود لا يملك كسرها.

القرار الذي وقعه الكاتب
وهم كبير أن يترك المبدع مثل (عبد الرحيم كمال) ملكوته، وينزل إلى أرض الواقع ليعدلها بأدوات الواقع.. الواقع لا تغيره اللوائح؛ يغيره الوعي. والوعي لا تصنعه القرارات؛ يصنعه الإبداع.. المتلقي يفهم، يلتقط الإشارة، يفك الشفرة، ويحفظ الدرس من العمل الفني نفسه.. لا يحتاج أن يقرأ القرار الذي وقعه الكاتب.. يحتاج أن يقرأ الكاتب.
بقاء كاتب بحجم (عبد الرحيم كمال) في منصب إداري خسارة مضاعفة: خسارة للدراما التي تنتظر صوته، وخسارة للرجل نفسه الذي قد يظن أنه يصلح، بينما هو في الحقيقة يبتعد عن أداته الوحيدة الحقيقية، القلم.. المنصب له ألف رجل يمكنهم أن يشغلوه، ولربما بكفاءة أعلى، لأنهم خُلقوا له., أما القلم الذي يملكه عبدالرحيم كمال، فلا يملكه سواه. كل يوم يقضيه بعيداً عن ورقه، هو يوم يُخصم من رصيد عمل لم يُكتب بعد.
المنصب محطة عابرة في سيرة أي كاتب.. أما الإبداع فهو الطريق، وهو الميراث، وهو الشاهد الوحيد. المقعد لا يصنع مجداً، القلم هو الذي يصنع. والمبدع لا يترك فنه ليصلح الدنيا، المبدع يبدع، فتصلح الدنيا.. على (عبد الرحيم كمال) أن يختار: أن يكون مجرد اسم في كشف موظفين، أو أن يبقى الاسم الذي تنتظره الشاشة، ويحفظه الوجدان.
وكل ما نرجوه ألا يتأخر توقيع الوزيرة الدكتورة (جيهان زكي) على طلب استقالة الكاتب الكبير (عبد الرحيم كمال)، كي يعود الصوفي إلى خلوته، والمريد إلى حضرة ورقه، والسالك إلى محراب حبره، والعاشق إلى مناجاة قلمه.. كي يفنى في الحرف ويبقى في المعنى، ويعرج إلى سماء مجازه ويتجلى في حضرة مداده، ويُكاشف سره للحرف ويُساقي وجده بالحبر. كي يُدني قلبه من محرابه، ويُقصي روحه عن زيف المقاعد، ويتبرأ من زحام المناصب إلى سكينة السطور.. كي لا يبقى له سلطان إلا الكلمة، ولا ختم إلا ختم القلوب، ولا يبقى له إلا الله والقلم.