

بقلم الكاتب الصحفي: رسمى فتح الله
في ملامحه شيء من البهجة التي لا تغيب، كأن الابتسامة اختارت وجهه مسكنًا دائمًا، وكأن صوته خُلق ليكون رفيقًا لكل لحظة دافئة في حياة الناس. هكذا يبدو (رضا البحراوي)، ابن طنطا، الذي خرج من قلب الدلتا محمّلًا بنبض الشارع، ليصنع لنفسه طريقًا لا يشبه إلا صوته.
لم يبدأ من المسارح الكبرى، بل من حيث تبدأ الحكايات الحقيقية: من الأفراح الشعبية، من ليالٍ طويلة تختلط فيها الزغاريد بالحكايات، ويذوب فيها التعب في لحظة غناء صادق.
هناك تعلّم (رضا البحراوي) أن الصوت وحده لا يكفي، وأن المطرب الحقيقي هو من يعرف كيف يلمس القلوب قبل الآذان، وكيف يحوّل الأغنية إلى حالة يعيشها الناس، لا مجرد لحن عابر.. ففي صوته امتداد لذاكرة الطرب، لكنه لا يعيدها كما كانت، بل يعيد خلقها.
قد يبدأ الأغنية بنبرة شعبية صافية، ثم يأخذ المستمع في انحرافة موسيقية غير متوقعة، يمر فيها على مقام كلاسيكي يذكّر بزمن الكبار، كأن روح أم كلثوم تعبر سريعًا، ثم يعود إلى إيقاع الشارع، إلى الأرض التي خرج منها.. هذا المزج لا يبدو متكلّفًا، بل يخرج عفويًا، كأن كل لون غنائي فيه يجد مكانه الطبيعي داخل صوته.
الارتجال هو لغته الأولى؛ لا يغني الأغنية كما حُفظت، بل كما تُولد في اللحظة.. يطيل ما يشاء، يختصر ما يشاء، يضيف من روحه ما يجعل كل أداء مختلفًا، كأن الأغنية لا تعيش إلا مرة واحدة، ثم تختفي لتولد من جديد في مناسبة أخرى.. لذلك لا يملّه الجمهور، لأنه لا يمنحهم نسخة مكررة، بل تجربة جديدة في كل مرة.


صوته جسرٍ يربط بين القلوب
وفي حفلات الزفاف، لا يكون (رضا البحراوي) مجرد مطرب، بل يصبح جزءًا من المشهد، كأنه واحد من أهل الفرح يبتسم، يمازح، يقترب من الناس دون حواجز، فيتحول صوته إلى جسرٍ يربط بين القلوب.. هناك، لا تحتاج الأغنية إلى تفسير، لأن الإحساس يسبق الكلمات، ولأن الفرح نفسه يصبح لحنًا يكتمل بصوته.
ورغم هذا الحضور القوي، يظل محتفظًا ببساطته الأولى، لا يتصنّع ولا يتكلّف.. فيه شيء من ابن طنطا الذي لم يغادره، ذلك الذي يعرف جيدًا أن سرّ الوصول ليس في التعقيد، بل في الصدق؛لهذا يصل صوته بسهولة، بلا استئذان، ويترك أثره دون جهد ظاهر.
(رضا البحراوي) ليس مجرد مطرب شعبي، بل حالة فنية تمشي بين زمنين: زمن الطرب الأصيل، وزمن الإيقاع السريع.. يمسك بالخيط بينهما دون أن ينقطع، ويقدّم نموذجًا لصوت قادر على أن يكون ابن بيئته، دون أن يفقد قدرته على التطور.
وفي النهاية، يبقى صوت (رضا البحراوي) حكاية تُروى في كل ليلة فرح، لا لأنها مجرد أغنية، بل لأنها تحمل شيئًا أعمق.. نبرة صادقة، خرجت من الناس، وعادت إليهم أكثر دفئًا وصدقًا.