

بقلم الكاتب السورى: عامر فؤاد عامر
يُعدُّ الفنّان الراحل (أحمد خليفة) واحداً من الوجوه التي صنعت حضورها خارج معادلة البطولة التقليديّة، معتمداً على أدوات ممثّل مثقف، ووعي مسرحي عميق، وقدرة لافتة على التقاط التفاصيل الدقيقة في الشخصيّة، أحمد خليفة الفنان الذي لم يكن نجم ملصقات، لكنّه كان نجم المشهد، وصاحب بصمة واضحة في ذاكرة الدراما السوريّة والعربيّة.
انطلقت تجربة (أحمد خليفة) من المسرح، حيث عمل كاتباً ومخرجاً وممثّلاً منذ بداياته.. ويبدو أن هذه الخلفيّة المسرحيّة شكّلت محطّة تأسيسيّة قويّة في بنيته الفنّيّة. فقد تعاطى مع النص بوصفه بنية فكريّة وجماليّة، منحته ثقافة مختلفة في الحوار أمام الكاميرا، وهو من الصنف الذي كان يقرأ النصوص بعين المخرج، ويفكك الشخصيّات بعقل الكاتب، ثمّ يعيد تركيبها بأداء الممثّل.
هذا الوعي البنيوي انعكس على أدائه التلفزيوني لاحقاً؛ إذ بدا ممسكاً بإيقاع الشخصيّة، مدركاً لخطّها الدرامي، حتّى وإن كانت مساحة ظهوره محدودة، فكان يدرك أن المشهد ليس زمناً فقط، بل أثراً لا يُنسى.

حضور ثابت في دراما البيئة الشاميّة
مع ازدهار الدراما السوريّة في تسعينيّات القرن الماضي وبداية الألفيّة، وجد (أحمد خليفة) مكانه الطبيعي في أعمال البيئة الشاميّة، التي احتاجت إلى ممثّلين يمتلكون حسّاً شعبيّاً صادقاً وقدرة على تجسيد روح الحارة الدمشقيّة، كيف لا وهو ابن حيّ المناخليّة العريق.
قدّم (أحمد خليفة) في مسلسل (باب الحارة)، شخصيّة الزبّال (أبو أحمد)، وهي شخصيّة تنتمي إلى الهامش الاجتماعي داخل الحارة، لكنّه منحها عمقاً إنسانيّاً جعلها أقرب إلى القلب من كثير من الشخصيّات المحوريّة. لم يؤدِّ الدور بوصفه كاريكاتوراً، بل كإنسان له كرامته وهمومه ونظرته الخاصّة إلى العالم، وهنا تتجلّى قيمة الممثّل الذي يفهم البعد الاجتماعي للشخصيّة، لا شكلها الخارجي فقط.
حضر (أحمد خليفة) في عدد كبير من مسلسلات البيئة الشاميّة، وغالباً ما أُسندت إليه أدوار الرجل البسيط أو صاحب المهنة المتواضعة، لكنّه كان يحوّل هذا التصنيف إلى مساحة أداء ثريّة، متكئاً على صدق داخلي يمنع الشخصيّة من السقوط في النمطيّة.

الكوميديا الذكيّة.. عبد العظيم واوية نموذجاً
برز حضور الراحل (أحمد خليفة) في أعمال الكوميديا الاجتماعيّة بقوّة من خلال شخصيّة عبد العظيم واوية في مسلسل يوميّات مدير عام – الجزء الأوّل، وهنا قدّم أداءً يقوم على المفارقة الهادئة، وعلى بناء شخصيّة تثير الضحك من خلال منطقها الداخلي، لا من خلال افتعال الموقف.
كانت كوميديّته قائمة على الاقتصاد في التعبير، وضبط الإيماءة، وحسن توقيت الجملة. لم يعتمد على الصراخ أو المبالغة، بل على ذكاء الأداء، وهو ما جعل الشخصيّة تعيش طويلاً في ذاكرة الجمهور.
لم يتوقف إبداعه عند تلك الشخصيّة بل قدّم غيرها في عدّة أعمال نذكر منها: بقعة ضوء، عيلة خمس نجوم، وأحلام أبو الهنا، عيلة 6 نجوم، يوميّات جميل وهنا، دنيا، وغيرها المزيد.

مشاركات عربيّة وسينمائيّة
لم تقتصر تجربة (أحمد خليفة) على مسلسلات الدراما السوريّة، حيث شارك في أعمال عربيّة، من بينها المسلسل المصري “العميل 1001″، كما ظهر في أعمال ذات طابع أمني وسياسي عُرضت عربيّاً مثل “عابد كرمان”، ما أتاح له الانتشار خارج الحدود السوريّة.
كما كانت له مشاركات في السينما السوريّة، حيث تعامل مع الكاميرا بحسّ ممثّل يعرف الفرق بين الأداء المسرحي والأداء السينمائي، فخفّف من حدّة التعبير، واشتغل على التفاصيل الدقيقة، محافظاً على صدق الشخصيّة في إطار بصري أكثر قرباً.
ومن أعماله في السينما (دمشق مع حبّي، أزهار الصداقة، Fake أب، زوجتي من الهيبز، فداك يا فلسطين، مهمّة سريّة في الشرق الأوسط) وغيرها.

مثقف قبل أن يكون ممثلاً..
ما ميّز (أحمد خليفة) داخل الوسط الفنّي لم يكن أداؤه فقط، بل شخصيّته الإنسانيّة والثقافيّة.. فقد عُرف عنه شغفه الدائم بالقراءة والمطالعة، وامتلاكه ذاكرة قويّة مكّنته من استحضار النصوص والمراجع بسهولة، وقد كان مثقفاً حقيقيّاً، يتابع الشأن العام، ويعبّر عن آرائه بوضوح، ويُعرف بتمسكه بكلمة الحقّ.
هذا البعد الثقافي انعكس على تعاطيه مع أدواره؛ فلم يكن يؤدّي الشخصيّة بوصفها وظيفة، بل بوصفها موقفاً فكريّاً واجتماعيّاً. ولذلك أحبّه زملاؤه واحترموه، وكان حضوره في الكواليس لا يقلّ قيمة عن حضوره أمام الكاميرا، ولأجل ها كلّه لقبه البعض بـ “ذاكرة الفنّ السوري”.

أثر يتجاوز المساحة
تكمن قيمة (أحمد خليفة) في أنه قدّم نموذجاً للممثّل الذي لا يقيس نجاحه بعدد المشاهد، بل بقدرة هذه المشاهد على التأثير، وذلك في زمنٍ ساد فيه أحياناً منطق النجوميّة السريعة، حافظ هو على خطّ فنّي قائم على الاحترام، والوعي، والالتزام.
رحل الفنّان (أحمد خليفة)، لكن صورته بقيت مرتبطةً بوجوه الحارة الدمشقيّة، وبالضحكة الذكيّة في الكوميديا الاجتماعيّة، وبذلك الهدوء الواثق الذي يميّز الممثّلين الكبار حتّى في أصغر الأدوار.
إنه واحد من أولئك الذين صنعوا تاريخ الدراما السوريّة من الداخل، بهدوء، ومن دون ضجيج، وتركوا أثراً يستحق الإشادة والوفاء، وبقي حتّى وفاته حاضراً بيننا، ولم يغب عطاءه عنّا في الموسم الرمضاني الفائت فكان (أبو نورا) في مسلسل (مطبخ المدينة)، وكذلك في مسلسل (عيلة الملك).