
بقلم الدكتور: إبراهيم أبو ذكري*
لم يكن احترام مصر يوماً من باب المجاملات الدبلوماسية كما قال الريئس (السيسي)، بل هو استحقاق تفرضه حقائق التاريخ الراسخة ودورها المحوري في الحاضر.. إلا أننا شهدنا في السنوات الأخيرة ظاهرة مقلقة تجاوزت حدود النقد لتصل إلى (صناعة الإساءة) يقودها أفراد مدفوعون بأجندات ممولة، أو باحثون عن (التريند) والربح المادي السريع.
بدأت هذه الظاهرة كحالات فردية معزولة في دولة الكويت، وتصدت لها حينها الأقلام والقرارات الكويتية المسؤولة حرصاً على عمق العلاقات التاريخية. لكن (عدوى التطاول) تجددت بأصوات أكثر حدة، وامتدت شرارتها لتشمل أفراداً في المملكة العربية السعودية، والإمارات ووصلت مؤخراً إلى دول في شمال أفريقيا وبلاد الشام.
والحق يُقال، إن الشرفاء من كتاب تلك الدول كانوا أول من تصدى لهذه التجاوزات، بل وتعرضوا للهجوم والترهيب الرقمي لمجرد دفاعهم عن الحق وعن دور مصر.
هذه الحملات ليست عفوية، بل هى (تجارة) تغذيها بيئة رقمية تعادي السياسة المصرية وتستثمر في الانقسام. لقد تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى شريك غير مباشر في تضخيم هذه الإساءات، حيث تُعلي خوارزمياتها من شأن (التفاعل) بغض النظر عن محتواه الأخلاقي، لتحويل المشاهدات إلى عوائد مالية.
تتصاعد هذه الموجات الممنهجة في مناسبات بعينها:
* المنافسات الرياضية: حيث تُستغل مباريات كرة القدم لشحن النفوس وبث الكراهية.
* المواقف السياسية: عندما تمارس مصر دورها القيادي في الملفات العربية، تظهر الأصوات المأجورة لمحاولة التقليل من شأن هذا الدور.
ومع الأسف، تأتي الطعنة أحياناً من حيث لا يحتسب المدافعون؛ فقد سقط الكثير من مستخدمي منصات التواصل داخل مصر في فخ (رد الفعل العاطفي)، فبينما يندفع البعض بدافع الوطنية للرد على الإساءات أو إعادة نشرها لإبداء الاستنكار، يسقطون عملياً في فخ الخوارزميات الرقمية.
*إن هذا التفاعل غير الواعي يؤدي إلى نتائج عكسية تماماً:
تعظيم الأرباح: كل (مشاركة – Share)، أو تعليق غاضب يرفع من قيمة المحتوى لدى المنصات، مما يحول السباب الموجه لمصر إلى دولارات تصب في جيوب المتربصين بها.

الإساءة في نطاق ضيق
اتساع رقعة الانتشار: بدلاً من حصار الإساءة في نطاق ضيق، يساهم المتفاعلون من داخل مصر في وصولها إلى ملايين لم يكونوا ليشاهدوها لولا هذا (الرد).
المنزلق الأخلاقي: الانجرار إلى سب الشعوب أو الدول الشقيقة رداً على تجاوزات أفراد، يخدم تماماً أصحاب الأجندات الذين يسعون لتمزق النسيج العربي.
إن التصدي الحقيقي لهذه (التجارة) لا يكون بمنحها الأوكسجين لتكبر، بل بتجاهلها ووعي المستخدم المصري بأن صمته أحياناً هو أقوى سلاح لقطع أرزاق المتاجرين بالإساءة لبلده. فالوطنية الحقيقية اليوم تقتضي الذكاء الرقمي بقدر ما تقتضي الحمية الوطنية.
لقد تجاوز المشهد حدود التعبير عن الرأي، ليتحول استهداف مصر إلى نموذج تجاري مضمون الربح.
لم يعد الأمر يتعلق بموقف سياسي أو خصومة عابرة، بل باتت الدولة المصرية -بثقلها البشري، ورموزها، وتاريخها وطيبة شعبها وحبهم لبلادهم “سلعة” تُستهدف عمداً لجذب ملايين المشاهدات وتحويلها إلى أرباح بالدولار.
في هذا الخطاب الممنهج، جرى تغييب صورة المصري الحقيقية؛ فغاب المهندس المبدع، والطبيب الماهر، والعامل المجتهد الذي ساهم في بناء نهضة المنطقة، ليحل محلهم “بروفايل” مشوه يعتمد على أوصاف جارحة واختزال مهين لا يمت للواقع بصلة، والهدف دائماً هو إثارة الجدل لضمان تدفق الأرباح الرقمية.
وما زاد من تعقيد المشهد وخطورته، هو انضمام بعض الوجوه التي كانت تشغل مواقع مسؤولية سابقة إلى هذا التيار.. هؤلاء الذين تحولوا بعد تقاعدهم إلى منصات هجوم دائمة، منحوا لغة (التطاول) شرعية زائفة.
مما ساهم في انتقال هذه النبرة من فضاء التواصل الاجتماعي إلى بعض المنابر الإعلامية والشاشات التلفزيونية، وهو ما أدى لزيادة رقعة التأثير واستقطاب جمهور جديد من المتابعين والداعمين لهذا التوجه.

وقفة حاسمة وقوية
أمام هذا الاستثمار الرخيص في الإساءة، لم يكن ممكناً الصمت؛ فكان لزاماً على الدولة المصرية أن تتخذ وقفة حاسمة وقوية وهى وقفة لا تستهدف تكميم الأفواه، بل تستهدف:
* صون كرامة المواطن المصري: الذي يمثل الخط الأحمر الأول في سياسة الدولة.
* حماية المشاعر الشعبية: من حملات التنمر الممنهج التي تستهدف الهوية الوطنية.
* تأكيد المكانة التاريخية: فمصر ودورها العربي أكبر من أن يُنال منهما في صفقات (رقمية) مأجورة.
إن احترام مصر ليس خياراً خاضعاً للأهواء كم هو في خيال الرئيس (السيسي)، بل هو ضرورة لاستقرار النسيج العربي، والوعي هو السلاح الوحيد لإفشال “تجارة الإساءة” التي تعتاش على الفرقة.
أمام هذا التمادي، لم تكتفِ الدولة المصرية بالصمت، بل جاءت الوقفة حاسمة ومن أعلى سلطة في الدولة. لقد وضع الرئيس (السيسي) الجميع أمام مرآة الحقيقة، مفنداً الأوهام التي حاول البعض ترويجها، ليؤكد أن كرامة المصريين في الخارج ليست مجالاً للتفاوض.
جاء الموقف الرئاسي من جانب (السيسي) ليصحح المفاهيم المغلوطة من خلال ركيزتين أساسيتين:
العمل استحقاق لا منّة: المصريون في الخارج لم يغادروا وطنهم طلباً للتسول، بل خرجوا بعقود عمل رسمية ومهارات متخصصة احتاجت إليها دول المقصد.. إن ما يتقاضاه المصري هو (أجر مقابل جهد)، ومساهمة حقيقية في نهضة الدول الشقيقة، وليس فضلاً من أحد.
مصر الملاذ المفتوح: في مفارقة أخلاقية كبرى، وبينما يهاجم البعض مصر، تفتح هي ذراعيها لأكثر من أربعة ملايين شقيق عربي، يعيشون بين أهلها “ضيوفاً (مكرمين) لا (لاجئين)، يتقاسمون مع المصريين لقمة العيش والخدمات والأمان دون ضجيج أو مِنة.
إن النداء الذي وجهه الرئيس (السيسي) بضرورة الوقوف احتراماً لمصر لم يكن مجرد تصريح عابر، بل هو صرخة في وجه كل من تسول له نفسه العبث بمشاعر 100 مليون مصري. هي رسالة لمن استمرأوا تحويل الكرامة الوطنية إلى “مادة للتربح” عبر السوشيال ميديا أو الصحافة الصفراء.
لقد آن الأوان ليدرك الجميع أن (أدب الحوار مع مصر) هو استحقاق تاريخي يفرضه دورها الريادي وتضحياتها التي لم تتوقف يوماً من أجل العروبة.. إن الإساءة لمصر لا تنال من قدرها، بل تمزق النسيج العربي وتخدم أعداء هذه الأمة.

كلمة أخيرة:
إن ما يغيب عن أصحاب هذه الأجندات هو أن (قوة مصر الناعمة) وتاريخها في مساندة الأشقاء العرب لا يمكن طمسه بمنشور أو (فيديو) مفبرك.. إن الوعي العربي، الذي يتجلى في الأقلام الحرة التي ترفض الإساءة، هو الحصن المنيع ضد هذه التجارة الرخيصة.
إن ما نحتاجه اليوم ليس سجالاً رقمياً، بل استعادة لثقافة الاحترام المتبادل.. ستبقى مصر، بتاريخها الشامخ وصمود شعبها، أكبر من أي إساءة عابرة أو محاولة رخيصة للتكسب.
ستظل كرامة المواطن المصري – أياً كان موقعه – خطاً أحمر لا يقبل المساومة، وسيبقى احترام مصر حقيقة يفرضها الواقع، لا مجاملة ينتظرها أحد.. فمصر لا تطلب استثناءً، بل تفرض استحقاقاً.
* الرئيس العام لاتحاد المنتجين العرب