
بقلم المخرج المسرحي الكبير: عصام السيد
في عام 1971 عاد الشيخ (سلطان بن محمد القاسمي) إلى (الشارقة) بعد إتمام دراسته الجامعية بجامعة القاهرة بعد حصوله على بكالوريوس العلوم الزراعية ليتم تعيينه مديرا لمكتب الحاكم بإمارة الشارقة، وفي ديسمبر من نفس العام وبعد قيام دولة الامارات العربية المتحدة تم تشكيل مجلس للوزراء ضم الشيخ القاسمى وزيرا للتربية ولتعليم.
لم تكن تلك الوزارة غريبة عليه فلقد مارس التدريس من قبل كمدرس لمادتي اللغة الإنجليزية والرياضيات بالمدرسة الصناعية بـ (الشارقة)، كما تولى رئاسة بلدية الشارقة قبل انتقاله إلى القاهرة، وعند توليه منصب الوزير وضع الأسس التي بُني عليها النظام التعليمي الإماراتي لاحقًا.
فقد عمل الشيخ (سلطان القاسمي) على دمج أنظمة التعليم المختلفة في الإمارات السبع ضمن إطار موحد، مما أسس لوزارة مركزية للتربية والتعليم، وأطلق برامج عاجلة لبناء مدارس جديدة في مختلف الإمارات لتلبية الطلب المتزايد على التعليم بعد الاتحاد، وبدأ برامج لتأهيل المعلمين والإداريين المواطنين، بهدف تقليل الاعتماد على الكوادر الوافدة.
وساهم في تطوير المناهج الدراسية لتواكب المعايير الدولية، مع التركيز على اللغة العربية ، ووضع الأسس الأولى للتعاون مع الجامعات العربية والأجنبية لتوفير فرص للطلاب الإماراتيين لمتابعة دراساتهم العليا، كما اهتم بتعزيز التعليم الفني والعملي لتلبية احتياجات التنمية الاقتصادية بحكم خلفيته الأكاديمية في الزراعة، ورغم أن فترة توليه الوزارة كانت قصيرة.
إلا أن إنجازاته كانت تأسيسية ومصيرية، وظل تأثيرها ممتدًا لعقود، خاصة مع استمراره في دعم التعليم والثقافة بعد أن أصبح حاكمًا لـ (الشارقة)، فأنشأ جامعات ومراكز ثقافية بالإضافة الى اهتمامه بالهوية الوطنية.

إمارة الثقافة والفكر
وبما أن (الدكتور القاسمي) هو شاعر و أديب و مؤرخ و له العديد من المؤلفات في السياسة والتاريخ والأعمال المسرحية والأدبية ، انعكس ذلك على دعمه اللامحدود لجميع الأنشطة الثقافية.
حتى أصبحت (الشارقة) إمارة الثقافة والفكر والنهضة الحضارية والمعمارية: يكفى أن نعرف ان هناك ما يزيد عن 25 فاعلية ثقافية سنويا تقوم بها إدارة الثقافة بالشارقة، و في القلب منها المسرح ، فهى تحتضن المهرجانات التالية:
* (مهرجان أيام الشارقة المسرحية) – وهو من اقدم المهرجانات المسرحية العربية حيث بدأ عام 1984 بهدف دعم وتطوير المسرح الإماراتي و يُعد المهرجان منصة هامة لاكتشاف ورعاية المواهب المحلية ، سواء بين الكتاب أو المخرجين أو الممثلين، و يشارك في المهرجان عدد من الفرق المسرحية المحلية.
كما يتم تكريم فنان عربي بجائزة الشارقة للإبداع المسرحي العربي، بالإضافة إلى تكريم أحد رواد الحركة المسرحية المحلية . و يضم المهرجان أيضا (ملتقى الأوائل) حيث تُنظم مجموعة ورش تدريبية متخصصة في مجالات مثل الإخراج، التمثيل، والسينوغرافيا، لمجموعة من أوائل المعاهد المسرحية في الوطن العربى الذين يستضيفهم المهرجان .
* (مهرجان الشارقة للمسرح الصحراوي): وهو مهرجان دولى يُقام في بيئة صحراوية فريدة، ويهدف إلى إبراز التراث الثقافي العربي من خلال عروض تجمع بين الأداء المسرحي الحديث والتقاليد البدوية.
* (مهرجان الشارقة للمسرح الخليجي): يُنظم كل سنتين ويجمع الفرق المسرحية من دول الخليج العربي للتنافس على جوائز فنية، مع التركيز على إبراز التجارب المسرحية الخليجية المبتكرة.
* (مهرجان كلباء للمسرحيات القصيرة): يُركز على العروض المسرحية القصيرة ويُعتبر منصة لاكتشاف المواهب الشابة وتطويرها.
* (مهرجان دبا الحصن للمسرح الثنائي)، الذى تأسس عام 2016 ويُقام سنويًا في مدينة دبا الحصن، ويُعد منصة متخصصة بالعروض المسرحية الثنائية (الديودراما) ويستضيف المهرجان سنويًا عرضًا إماراتيًا إلى جانب أربعة عروض عربية من دول مختلفة.
وتصاحبه ورش تدريبية موجهة لمنشطي المسرح في المدارس الحكومية بالشارقة، تشمل الإخراج والسينوغرافيا وتوظيف الدمى، و أيضا ملتقى الشارقة للمسرح العربي الذي يُعقد بالتزامن مع المهرجان، ويُناقش قضايا المسرح وعلاقته بالحياة والفنون الأخرى

دور التربية المسرحية
ولم تغفل (الشارقة) دور التربية المسرحية، لذا اهتمت بتطوير المسرح المدرسي كجزء من رؤيتها لتعزيز الثقافة والفنون رامية إلى تنمية شخصية الطلاب وتعزيز مهاراتهم الإبداعية واكتشاف المواهب الشابة، من خلال تقديم عروض مسرحية تُعبر عن قضايا اجتماعية وثقافية ، تساهم في تعزيز الانتماء وتُعزز من ثقة الطلاب بأنفسهم.
كما تُسهم في بناء شخصياتهم من خلال التفاعل مع الجمهور، فأقامت مهرجانا للمسرح المدرسى تقدم فيه عروضا مسرحية من المدارس الابتدائية والثانوية ، كما أقامت مجموعة من ورش العمل التدريبية والمحاضرات التي تهدف إلى تطوير مهارات الطلاب في التمثيل والإخراج .
وهناك مهرجانا للمسرح الكشفى يتضمن عروضًا قصيرة وورش عمل تدريبية تُدمج بين التقاليد المسرحية والمبادئ الكشفية.. و يُركز المسرح الكشفي على تعزيز القيم الكشفية مثل التعاون والمسؤولية الاجتماعية، من خلال عروض مسرحية تناقش قضايا اجتماعية بطريقة إبداعية ، ويُعزز من قيم الكشافة مثل الشرف والطاعة والرغبة في المساعدة.
ولم يقف اهتمام الشيخ (الدكتور القاسمي) بالمسرح عند حدود (الشارقة) بل تعداها الى الوطن العربى بأسره من خلال مشروعه الأكبر – الذى كان حلما لكل المسرحيين – و هو (الهيئة العربية للمسرح) لتكون مظلة جامعة للمسرحيين العرب من اجل تنظيم الفاعليات و التدريب.
فمن خلال الهيئة أقيم ( مهرجان المسرح العربى ) الذى يقام كل عام في عاصمة عربية مختلفة، كما تتبنى الهيئة مسابقة تأليف النص المسرحى الموجه للكبار والأطفال، ومسابقة ثانية للبحث العلمي المسرحي، وتصدر العديد من الكتب والدراسات المسرحية التي تغطي جوانب فنية وتاريخية ونقدية.
وبذلك جمعت بين العروض المسرحية و منابع الفكر و الإبداع .كما تقوم الهيئة بتوثيق وقائع أهم المهرجانات العربية.. ولا يقتصر جهود الهيئة على نشاطها بل يمتد الى دعم المهرجانات العربية المختلفة بتحمل بعضا من تكلفتها أو تكلفة إقامة ورش مصاحبة لها.. كما قامت بدعم إقامة مهرجانات وطنية في الدول التي لا تملك مهرجانا وطنيا.

مبادرات للمسرح المدرسي
وإيمانا من الشيخ بأن الفنان يبدأ طفلًا، أطلق مبادرات للمسرح المدرسي في الوطن العربي تهدف الى إدخال المسرح في العملية التعليمية – كما حدث في الامارات – لتنمية الخيال لدى الأطفال واكتشاف المواهب مبكرًا.
ولذا قامت الهيئة العربية للمسرح بمبادرة تطوير المسرح المدرسي في الدول العربية وقد قام المشروع بشكل علمى من خلال وضع استراتيجية للمسرح المدرسى و برنامج تدريبى تم تنفيذه في عدة دول عربية.. و بهذا سعت الهيئة لأن يكون المسرح العربي ليس فقط فناً للعرض، بل ثقافةً للحياة، ولغةً للتفاهم، وصوتًا للمجتمعات .
وفي إطار اهتمام الدكتور القاسمى بالتعليم أنشأ (أكاديمية الشارقة للفنون الأدائية) لتكون صرحًا عربيًا متقدمًا في تعليم الفنون، مع إتاحة الفرصة للطلاب العرب للالتحاق بها مجانا، ليدرسوا الفنون في بيئة تعليمية حديثة، تُقدَّم فيها المعرفة الفنية بشكل احترافي.
إذا تأملنا هذه المسيرة، سنجد خيطًا واحدًا يربطها: بداية من طالب في القاهرة، إلى مثقفٌ يؤمن بدور مصر إلى راعٍ للمسرح العربي وبانٍ لمؤسسات تخدم الإنسان العربي كله من خلال دعم الكاتب، والفنان، والطالب، والطفل، والشيخ؛ أي أن (الدكتور القاسمي) لم يرَ أن الثقافة مرحلة، بل رحلة حياة كاملة.
أما مشروعاته المسرحية القادمة فلها حديث آخر..