

بقلم الكاتبة الصحفية: ولاء جمال
في لحظة تجل إنسانية استثنائية تسلل إلىّ صوت الفنانة (شمس البارودي) وهى تدندن برقة خلف صوت (عبد الحليم حافظ) في أغنيته الخالدة (يامالكا قلبي) لم يكن بالنسبة لي مجرد مقطع فيديو عابر علي الـ (فيسبوك) بل كان استعادة لحالة جمالية فريدة.
استوقفتني فيها نبرة صوت لم تفقد السحر يوما، إنها الجاذبية العابرة للزمن تسكن في تلك المساحة الروحية التي لا تطالها السنوات نبرة (شمس البارودي) وهى تهمس (يامالكا قلبي)، لم تكن مجرد غناء بل كانت ممارسة لطبيعتها الفطرية في التأثير هي نبرة مسكونة بالسحر ومغلفة بجاذبية لا تذبل.
أثبتت من خلالها أن الروح التي تعرف كيف تحب يظل صوتها أيقونة للجمال محتفظا ببريق اليقين، وصدق المشاعر، وكأنها تعيد تعريف الجاذبية بأنها الرقي الذي لايغادر صاحبه أبدا .
وأتساءل عن سر هذا التأثير والجاذبية حتى مع استعادة ذكريات بسيطة مثل جملة (يامالكا قلبي) في سياق عاطفي رقيق، فإنها تستحضر معها كل الحنين مما يضاعف من تأثير كلماتها.
والجمهور ينجذب دوما للقصص الحقيقية عندما تستعيد ذكريات حبها من خلال هذه الكلمات يلمس المتابعون صدق التجربة، فالتأثير هنا يأتي من عمق المشاعر التي حافظت عليها عبر السنين، وهو ما يعطي الكلمة ثقلا عاطفيا يصل للقلب.
(شمس البارودي).. تمتلك حضورا طاغيا حتي في صمتها، أوغيابها وقدرتها علي استخدام جملة بسيطة ومؤثرة تبرز ذكاءها في التعبير عن عواطفها برقي مما يجعل تأثيرها يمتد للأجيال المختلفة، فالكبار يرون فيها ذكريات شبابهم، والصغار ينجذبون للحب الكلاسيكي الصامد.
وقوفها أمام (حليم) لتدندن معه (يامالكا قلبي) هو اختيار ذكي جدا فهى ليست مجرد أغنية بل وصف لحالة (التسليم للحب).. ربط هذا المعني بصورة (شمس البارودي) وتاريخها الشخصي يخلق حالة من (السحر الفني) التي تجعل المتابعين يشعرون وكأن الزمن قد توقف.


إيحاء بالصدق والشجن
(شمس البارودي) يحمل صوتها بحة الحنين، وتعطي إيحاء بالصدق والشجن، هذه النبرة تجعل المستمع يشعر بالألفة، وكأنها تتحدث مع شخص قريب جدا من القلب.
يلفتني فيها كفنانة من جيل اعتاد على الأداء المنضبط، أن مخارج حروفها تظل واضحة وجميلة، مما يعطي كلامها موسيقى داخلية، حتى وهى تتحدث ببساطة عبر منصات التواصل الاجتماعي الـ (فيسبوك).
نبرة الصوت هى (بصمة الروح)، وفي حالة (شمس البارودي) نبرتها تعكس تصالحا كبير مع الذات، ومع الماضي.. وهذا تحديدا هو مايخلق ذلك التأثير السحري .
لم نعتاد ظهور (شمس البارودي) فهي الأن بيننا عبر وسائل التواصل الاجتماعي خاصة (الفيسبوك) بعد عقود من الاعتزال التام.. والتحول الأكبر في وتيرة ظهورها حدث بعد وفاة زوجها الفنان (حسن يوسف – رحمه الله)، لقد كان هو (عالمها الخاص)، ومصدر أمانها طوال نصف قرن.
بعد رحيله، وجدت في التواصل مع المحبين عبر (الفيسبوك) وسيلة للتغلب علي الوحدة، ولمشاركة ذكرياتها الجميلة معه كنوع من الوفاء، وتخليد ذكراه.
وقد كشفت في لقاءات حديثة أنها سئمت من كثرة الشائعات التي تنتشر عنها وعن أسرتها، فقررت أن يكون لها صوت مباشر ترد به علي الأكاذيب، وتوضح الحقائق دون وسيط وهي تراه نوعا من الدفاع عن النفس، وعن خصوصية حياتها الملتزمة .
شمس البارودي تؤكد دوما أنها اعتزلت التمثيل، ولم تعتزل الحياة، ظهورها ليس رغبة في العودة للأضواء اوالكاميرات، بل هو ظهور اجتماعي بسيط كأم وجدة وإنسانة تشارك صور أحفادها أو حيواناتها الأليفة، أوخواطرها الإيمانية، هى تشعر أن من حقها الاستمتاع بالتكنولوجيا كأي شخص آخر في سنها .
بأسلوب رقيق ذكرت في بعض تعليقاتها أن الراحل (حسن يوسف) كان يخشي عليها من (القيل والقال)، وكان يفضل دائما ابتعادها عن (السوشيال ميديا) حماية لها.
لكنه في أواخر أيامه، ومع تعليمها استخدام (اللاب توب)، و(الموبايل) شجعها علي الرد بنفسها علي من يسيئون اليها، ويبدو أنها استمرّت في ذلك بعد رحيله لتملأ الفراغ العاطفي الذي تركه .

خصوصية نبرتها، وهى تغني
(شمس البارودي) لا تظهر كنجمة تبحث عن تصفيق، بل (كقلب) يبحث عن دعوة صالحة لزوجها الراحل وابنها، وعن تفاعل إنساني يطمئنها بأن الناس مازالوا يذكرونها بالخير.
لذلك كله استوقفني ولفتني جدا خصوصية نبرتها، وهى تغني (يامالكا قلبي) منذ أيام لأنني استمعت لشيء أعمق من اللحن استمعت لصوت الذاكرة .
يمكن سر هذا الانجذاب الذي شعرت به يعود للسجن الصافي الممتليء بالرنين العاطفي لصوت شخص يغني لنفسه، ولذكرياته، وليس لجمهور، وهذا النوع من الغناء العفوي يتسلل للمستمع بشكل شخصي جدا كأنّها تهمس في أذنك بسر قديم .
كذلك هناك سحر خاص في سماع صوت (أيقونة جمال السبعينيات) وهى تغني الآن، هذا التناقض الساحرالذي يخلق حالة من الذهول العاطفي، أنها كانت لحظة (تجل) إنسانية غلبتها فيها مشاعرها.. فخرجت تلك النبرة بتلقائية تقول أن هذا الصوت ظل شابا بالحب.
صوت (شمس البارودي) جاء ليس صخبا بل همسا رقيقا يعيد ترتيب الذكريات لنبرة فنانة غابت طويلا، لكنها عادت إلى ذهني بجملة واحدة لـ (عبد الحليم حافظ) لتثبت أن (الجاذبية) لاترحل مع العمر بل تتكثف في نبرة صوت.
وتساءلت مع نفسي: كيف يتحول الصوت إلى مخزن للأسرار؟!، فنبرة (شمس البارودي) وهى تهمس (يامالكا قلبي) لم تكن مجرد دندنة بل كانت (ترميما للروح)، كيف أن الرعشة الطفيفة في صوتها منحت الأغنية حياة جديدة؟، وكأنها تقول أن الحب هو السلطة الوحيدة التي لاتزول بمرور الزمن .
مع (شمس البارودي) شعرت أن البصمة الصوتية التي تظل محتفظة بوهجها (يامالكا قلبي) لم تكن مجرد أغنية، بل كانت إعلان وفاء لزمن ومشاعر أثبتت فيها (شمس البارودي) أن تأثيرها لايزال قويا.
وذلك ليس لأنها نجمة بل لأنها تملك قلبا لايزال يعرف كيف يحب خلف نبرة صوت مسكونة بالسحر، نبرة دافئة، صوت مغلف بالحنين نغمة تحمل رائحة الماضي، لمست الجانب الروحي الذي لا يري بالعين بل بسمع بالقلب هده النبرة الصوتية المسكونة بالسحر تثير دهشتك، وتتساءل كيف لترددات صوتيه بسيطة ان تختزل عمرا كاملا.
في تلك النبرة سحر غريب، سحر الضعف الإنساني النبيل تشبه الهمس الذات لكنها وصلت الي كانّها صرخة حنين هادئة، حين يغيب الوجه وتحضر النبرة يتحرر السحر من قيود الصورة.

صوتها (أيقونة) جديدة
لقد استطاعت (شمس البارودي) أن تجعل من صوتها (أيقونة) جديدة، نبرة مسكونة بسحر الغموض والسكينة، تجبرك علي أن تغمض عينك لتراها بقلبك لا بعينك.
نبرة مسكونة بالوفاء لمن ملك القلب حقا، مسكونة بالرضا الذي يظهر في هدوء مخارج الحروف مسكونة بالحنين لزمن كان فيه الحب كلمة مقدسة كما في أغاني حليم .
إن السحر الذي استوقفني في نبرتها ليس سحر الفن بل سحر الحقيقة، هى نبرة تخبرنا أن الإنسان مهما كبر يظل فيه ركن ضيق لا يطاله الزمن، يسكنه الحب، ويحرره صوت صادق ينادي (يامالكا قلبي).
نبرة مسكونة بالسحر حين يتحدث القلب نيابة عن العمر، كذلك الجاذبية في الصوت هى النوع الوحيد من الجمال الذي لا يمكن تزيفه بمساحيق أو جراحة تجميل.. هى كاريزما روحية عابرة للزمن.
حين أقول نبرتها كانت مسكونة بالجاذبية فأنا أتحدث عن ذلك المغناطيس الخفي الذي يجبرك علي الإنصات دون أن تدري، فأقوي أنواع الجاذبية هى تلك التي لا تسعي خلفك بل تجذبك اليها بصمت.
وكانت (شمس البارودي) تفيض بجاذبية (الزهد) جاذبية امرأة اكتفت بجمالها الداخلي لسنوات، وحين قررت أن تهمس بكلمة (يامالكا قلبي) خرج الصوت مشبعا بتلك الهالة التي تجعلك تتساءل: كيف لامرأة في هذا السن أن تملك صوتا لايزال يربك الوجدان بكلمة واحدة .
الجاذبية هنا ليست في عذوبة اللحن بقدر ماهى في (خصوصية الهوية)، لم تكن جاذبية الصوت في كمال مخارجه، بل في تلك النغمة التي تشبه ملامحها في شبابها.
نبرة مخملية فيها من الرقة مايكفي لمسح غبار السنين، وفيها من القوة مايكفي لإعادة إحياء أسطورة الحب الجميل، هى جاذبية الأصالة في زمن غاب فيه الصدق .
أثبت (شمس البارودي) أن للجاذبية وجها آخر يسكن في حنايا الصوت الناضج، نبرتها كانت مسكونة ايضاً بجاذبية السكينة تلك التي تجعل المستمع يشعر بالأمان والحنين في آن واحد إنها الجاذبية التي لا تطلب إعجابا، بل تفرض احتراما ومحبة.
كانت استدعاء لجاذبية لاتشيخ، وكأنها تقول لنا أن القلب الذي يسكن الحب يظل صوته أيقونه للجمال مهما تعاقبت الفصول، أنه خلود الروح، الجوهرالذي لا يتغير عن تلك القوة الكامنة التي تتحدي الزمن ولا تعترف به أصلا.. إنها الجاذبية كحالة ثابتة وليست عابرة.


هوية متجذرة في نبرة صوتها
الجاذبية هى هوية متجذرة في نبرة صوتها، هناك أصوات لا تزورها الفصول، تظل في حالة ربيع دائم، ونبرة (شمس البارودي) وهى تنطق (يامالكا قلبي).. أثبتت أن الجاذبية ليست صفة مكتسبة بل هي بصمة روحية لاتمحوها الأيام، السحر هنا لم يكن في استعادة الماضي، بل في الحضور الطاغي الذي يجعل الزمن يتوقف عند حدود نبرتها.
في نبرة صوتها مساحة من السحر والجاذبية تجبرك علي نسيان فكرة الزمن، هى نبرة مسكونة بـ (رقة فطرية)، تفيض بالأنوثة الراقية التي لاترتبط بعمر، بل بالحالة الوجدانية التي تعيشها المرأة.
حين غنت (شمس البارودي) لم نسمع صوتا آتيا من بعيد بل سمعنا جاذبية حاضرة، وبقوة كأنّها اكتشفت سر الخلود في صدق المشاعر.
وإختيارها لدندنة (يامالكا قلبي) هذه الجملة بالذات، وبذلك الأداء الذي يقطر عذوبة، وضعنا أمام حقيقة واحدة، أن الجاذبية هى تراكم للرقي، فنبرة صوت (شمس البارودي) المسكونة بالسحر لم تكن تحاول إثبات شيء، بل كانت تمارس طبيعتها في التأثير تاركة خلفها أثرا لايزول، يثبت أن الروح التي تحب تظل نبرتها مغناطيسا للجمال والجاذبية.