
بقلم الكاتب الصحفي: بهاء الدين يوسف
لا يمكن الكتابة عن (صلاح جاهين) بكل تنوعاته الإبداعية، دون ربط مراحل حياته بالتحولات السياسية والاجتماعية التي أصابت المجتمع المصري في السنوات التي شهدت ذروة عطائه.
بداية من عصر التوهج الثوري والأحلام القومية العابرة للحدود في السنوات الأولى من حكم الرئيس عبد الناصر، مرورا بالنكسة والإحباط العظيم الذي خلفته في نفوس معظم المبدعين وجاهين في مقدمتهم باعتباره من أبرز المروجين للحلم العربي الناصري، وصولا الى عصر (البحث عن الذات) ليس بمعناه الفلسفي وإنما بالمعنى البراجماتي الذي يرفع شعار النجاة للفرد على حساب الجماعة.
هذا التحولات العنيفة تركت اثرها على إبداع (صلاح جاهين) الذي حلت الذكرى الأربعين لرحيله أمس، من شعر وكاريكاتير وسيناريوهات الأفلام، وتحولت من التبشير والتعبير الصادق عن الانتصار إلى محاولة الهروب من الانكسار الداخلي الذي أصابه عقب نكسة 67، ثم التوجه نحو (الفرفشة) المجردة في السبعينات.
في سنوات صعود المشروع الناصري القومي، ظهر (صلاح جاهين) كأحد أبرز الأصوات التي تصوغ وجدان اللحظة، فلم يكن مجرد شاعر يكتب قصائد وطنية، بل كان شريكا في صناعة حالة عامة من التفاؤل والثقة واليقين.
لكن التفاؤل انقلب تشاؤما، وتزعزع الإيمان الصادق الذي سكن قلب الشاعر بعدما استيقظ في يوم صيفي حار على نكسة 67 التي لم تكن هزيمة عسكرية بقدر ما كانت لحظة سقوط كاملة التفاصيل، ما دفع جاهين للانسحاب إلى داخله، وتوالت شهادات كثير من المقربين منه، تشير إلى إصابته بحالة اكتئاب حادة، لم تكن عابرة، بل تركت أثرها العميق على رؤيته للعالم.

الصوت الذي يغني بثقة
لم يعد (صلاح جاهين) الصوت الذي يغني بثقة، بل الذي يسأل بقلق، أصبح الشك أكثر في كتاباته واليقين أقل صلابة، وتحول الكاريكاتير الى سخرية تحمل من المرارة أكثر بكثير مما تحمل من البهجة، ثم جاءت السبعينيات، ومعها تغيرت مصر نفسها، وظهرت ملامح مجتمع مختلف، تحكمه حسابات جديدة، أقرب إلى الفردية والاستهلاك.
ووجد الشاعر نفسه وقد تحول من كونه جزء ضمن مشروع قومي حالم، الى مجرد مبدع في واقع بلا مشروع، هذا التحول انضج مآساة جاهين الحقيقية.. الشاعر الذي آمن بالحلم وساهم في ترويجه، لم يجد مكانا له في زمن ما بعد الحلم، ليس لأنه فقد موهبته، بل لأن العالم الذي كانت هذه الموهبة تتغذى عليه، لم يعد موجودا.
هذا التحول يمكن رصده بسهولة في المفارقات الواضحة بين كلمات اغاني (صورة)، وكلمات (الدنيا ربيع، احنا الشعب، خلي بالك من زوزو، يا واد يا تقيل).
صحيح انه حاول الحفاظ على عمقه الإبداعي حتى في الأعمال الترفيهية، فلم يكن (خلي بالك من زوزو) مجرد فيلم استعراضي، بل حكاية عن الصعود الطبقي، وعن مجتمع يحاول أن يعيد تعريف نفسه، وهي نفس الأسئلة التي شغلت جاهين في تلك السنوات، لكنه صاغها بلغة مختلفة، تناسب جمهورا مختلفا، ومرحلة مختلفة.

ضحكة ساخرة في كاريكاتير
لكن أجمل ما في (صلاح جاهين) أن تميزه لم يأت من لحظات القوة بقدر ما جاء من أوقات الضعف، في تلك اللحظات التي بدا فيها منكفئا على نفسه، بلا دروع، صحيح أنه لم يعلن ضعفه بشكل مباشر، لكنه كان يتركه يتسرب في تفاصيل صغيرة مثل سؤال بلا إجابة في رباعية، أو ضحكة ساخرة في كاريكاتير، كان ماهرا في (تشفير) ضعفه ما منح تجربته صدقها النادر.
لم يكن (صلاح جاهين) ثائرا بالمعنى التقليدي، ولا معارضا بالمعنى الصريح، لكنه كان شيئا أكثر تعقيدا، ابنا شرعيا لمشروع آمن به حتى النخاع، ثم اكتشف تدريجيا أن الحلم الذي غنى له قد لا يكون بنفس النقاء ولا المثالية التي تخيلها.
إيمانه بجمال عبد الناصر كان أكبر بكثير من علاقة شاعر بحاكم تلك التي عادة ما تكون مكسوة بالتزلف، وإنما كانت علاقة مؤمن بفكرة، وهو ما يفسر حجم الصدمة التي تعرض لها بعد هزيمة يونيو، حين انسحب إلى داخله، وبدأت نبرة مختلفة تتسلل إلى أعماله، أقرب إلى الحيرة منها إلى اليقين، وإلى التأمل أكثر من الحماس.
هذا التوتر لم يكن فنيا فقط، بل كان انعكاسا مباشرا لشخصيته، فجاهين الذي غنى للفرح الجماعي، كان في داخله أكثر ميلا للتأمل الحزين، وجاهين الذي بدا منحازا بوضوح لمشروع وطني، كان في الوقت نفسه قادرا على أن يرى شروخه، حتى لو لم يعلن ذلك صراحة.
كا دفع منتقديه لوصفه بأنه شاعر الحلم والشك، دون أن يحاول هؤلاء ملاحظة أن تناقضاته جاءت من صدقه مع نفسه، وتفاعله مع التحولات التي طرأت على المجتمع.