
بقلم المستشار: محمود عطية *
في السنوات الأخيرة، لم تعد مراسم العزاء كما عرفها المجتمع العربي عبر تاريخه الطويل مناسبة يغلب عليها الوقار والبساطة والتجرد من المظاهر، بل تحولت في بعض الأوساط – وخاصة بين المشاهير- إلى مشهد مركب من (مسرح الهزل) تتداخل فيه اعتبارات اجتماعية وإعلامية واستعراضية، حتى كاد العزاء يفقد جوهره بوصفه لحظة إنسانية خالصة للتعاطف والمواساة.
هذه التحولات لا يمكن قراءتها باعتبارها مجرد تغييرات عفوية في العادات، بل هي انعكاس لتحولات أعمق في منظومة القيم، حيث تتراجع المعاني الأصيلة لصالح مظاهر شكلية تثير الكثير من التساؤلات والانتقادات.
أول ما يلفت الانتباه في هذا السياق من (مسرح الهزل) هو ما يمكن تسميته بـ (موضة عزاءات المشاهير)، حيث أصبح من المعتاد أن تقف النساء بجوار الرجال في صفوف تلقي العزاء، في مشهد لم يكن مألوفًا في تقاليد المجتمعات العربية المحافظة.
فالمعروف تاريخيًا أن العزاء كان يُنظم بطريقة تراعي الخصوصية والفصل النسبي بين الرجال والنساء، ليس فقط بدافع ديني أو اجتماعي، بل أيضًا احترامًا لطبيعة المناسبة التي تتطلب قدرًا من الحزن الصادق بعيدًا عن الاختلاط الذي قد يفتح الباب لسلوكيات أو مواقف غير مناسبة.
غير أن ما يحدث اليوم يتجاوز مجرد كسر هذه التقاليد؛ إذ يبدو أن المسألة تحولت إلى نوع من الاستعراض الاجتماعي، حيث تقف بعض النساء – وهن في كامل أناقتهن – إلى جانب الرجال، وكأن المناسبة عرض اجتماعي أكثر منها موقفًا إنسانيًا.
هذا المشهد من (مسرح الهزل) يطرح سؤالًا جوهريًا: هل نحن أمام تطور طبيعي في العادات، أم انزلاق نحو تسليع حتى أكثر اللحظات خصوصية؟ الحقيقة أن التبرير بكونه (تطورًا) يبدو هشًا، لأن التطور الحقيقي يحافظ على جوهر القيم، لا أن يفرغها من معناها.

كسر متعمد للأعراف
وإذا كان البعض يدافع عن هذا التغير باعتباره انعكاسًا لانفتاح اجتماعي، فإن هذا الدفاع يتجاهل نقطة أساسية، وهي أن العزاء ليس مناسبة اجتماعية عادية، بل موقف استثنائي يتطلب قدرًا من التواضع والاحتشام. والانفتاح لا يعني بالضرورة إزالة كل الضوابط، بل إعادة صياغتها بما يحفظ كرامة المناسبة.
أما ما نشهده في بعض عزاءات المشاهير، فيبدو أقرب إلى كسر متعمد للأعراف من أجل لفت الانتباه، لا إلى إعادة تعريف واعية للتقاليد.
وعلى النقيض من هذه الظاهرة، نجد مشهدًا آخر لا يقل إثارة للدهشة، وهو الإقبال الكبير على شراء تذاكر حفلات من يُطلق عليهم (مطربين) بأسعار تصل أحيانًا إلى أرقام خيالية، قد تبلغ مليون جنيه أو ما يقاربها.. هذا التناقض الصارخ بين البذخ في الترفيه والمبالغة في مظاهر العزاء يكشف عن خلل عميق في ترتيب الأولويات لدى بعض الشرائح الاجتماعية.
فمن جهة، يتم إنفاق مبالغ طائلة لحضور حفلات قد لا تقدم مضمونًا فنيًا حقيقيًا يوازي هذه الأسعار، ومن جهة أخرى، تتحول مناسبات الحزن إلى منصات للظهور الاجتماعي والاستعراض.. هذا التداخل بين الترفيه المبالغ فيه والحزن المستعرض يعكس حالة من فقدان التوازن، حيث تختلط القيم وتضيع الحدود بين ما هو جاد وما هو سطحي.
ولا يتعلق الأمر هنا بمهاجمة الفن أو الترفيه في حد ذاته، بل بطرح تساؤل حول المعايير التي تحكم هذا الإنفاق.. هل القيمة الفنية هي ما يحدد سعر التذكرة؟ أم أن الأمر مرتبط بالضجة الإعلامية وصناعة النجومية المصطنعة؟ وإذا كانت الإجابة تميل إلى الاحتمال الثاني، فإننا نكون أمام ظاهرة أخطر، وهي تحويل الذوق العام إلى سلعة تُدار وفق آليات السوق لا وفق معايير الجودة.
ثم نأتي إلى ظاهرة ثالثة لا تقل إثارة للجدل، وهى (موضة البودي جارد) التي أصبحت جزءًا لا يتجزأ من مشهد عزاءات المشاهير.. لم يعد الأمر يقتصر على وجود حراسة لأسباب أمنية مفهومة.
بل تطور إلى استعراض مبالغ فيه، حيث يقف عدد كبير من الحراس مفتولي العضلات – أو كما يصفهم البعض ساخرًا (مجموعة من الثيران) -على مداخل القاعات، يفتحون أبواب السيارات ويحيطون بالحضور في مشهد أقرب إلى عروض القوة منه إلى تنظيم مناسبة عزاء.
هذه الظاهرة تثير تساؤلًا مهمًا: ما الداعي لكل هذا الاستعراض في مناسبة يفترض أنها تقوم على التواضع والتعاطف؟ وهل أصبح الحضور في عزاء أحد المشاهير يحتاج إلى هذا القدر من (الإخراج المسرحي)؟.. الواقع أن هذا المشهد يعكس نوعًا من الوجاهة الزائفة، حيث يتم تضخيم صورة الشخص أو عائلته عبر عناصر خارجية لا علاقة لها بجوهر المناسبة.

ما يبرر وجود الحراسة
والأكثر إثارة للاستغراب أن هذا المستوى من الاستعراض لا نجده حتى في مناسبات رسمية تخص مسؤولين كبار، يفترض أن لديهم من الاعتبارات الأمنية ما يبرر وجود الحراسة.. ومع ذلك، غالبًا ما تكون تلك الإجراءات أكثر بساطة وتنظيمًا، دون هذا الطابع الاستعراضي الفج. وهو ما يكشف أن المسألة في حالة المشاهير ليست أمنية بقدر ما هي رمزية، تهدف إلى إضفاء هالة من الأهمية والتميز.
إن اجتماع هذه الظواهر الثلاث – اختلاط غير مألوف في العزاء، بذخ غير مبرر في الترفيه، واستعراض مبالغ فيه للحراسة – يشير إلى خلل أعمق في البنية القيمية، حيث يتم استبدال المعنى بالمظهر، والجوهر بالقشرة.. ولم يعد الهدف من العزاء هو المواساة، بل الحضور، ولم يعد الهدف من الفن هو الإبداع، بل الإثارة، ولم يعد الهدف من التنظيم هو التيسير، بل الإبهار.
ولا يمكن فهم هذه التحولات بمعزل عن تأثير وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، التي ساهمت في تحويل كل مناسبة إلى حدث قابل للتصوير والنشر والتقييم في إطار (مسرح الهزل)، ففي ظل هذا الواقع، يصبح الظهور أهم من الفعل، والانطباع أهم من الحقيقة. وهو ما يدفع البعض إلى المبالغة في كل شيء، من طريقة الوقوف في العزاء إلى عدد الحراس إلى سعر التذكرة.
لكن السؤال الأهم يبقى: إلى أين يقودنا هذا المسار؟ إذا استمرت هذه الظواهر في التوسع، فإننا قد نصل إلى مرحلة يصبح فيها كل شيء عرضة للتسليع، حتى الحزن نفسه.. وهذا ليس مجرد تغير في العادات، بل تحول في الوعي، حيث يتم إعادة تعريف القيم وفق منطق السوق والظهور.
إن النقد هنا ليس دعوة للعودة العمياء إلى الماضي، ولا رفضًا لأي شكل من أشكال التطور، بل هو محاولة لإعادة التوازن. فالمجتمعات الحية هي التي تستطيع أن تطور عاداتها دون أن تفقد جوهرها، وأن تنفتح دون أن تذوب، وأن تواكب العصر دون أن تتحول إلى نسخة مشوهة من نفسها.
وفي النهاية: يبقى العزاء لحظة إنسانية قبل أن يكون مناسبة اجتماعية، ويبقى الفن رسالة قبل أن يكون صناعة، وتبقى المكانة الحقيقية نابعة من القيمة لا من المظهر.
وإذا لم يتم إدراك هذه الحقائق، فإننا سنستمر في الدوران داخل دائرة من المبالغات التي تفرغ حياتنا من معناها، وتحوّل حتى أكثر لحظاتنا صدقًا إلى مجرد مشاهد عابرة في عرض طويل من الاستعراض
* المحامي بالنقض – منسق ائتلاف مصر فوق الجميع