رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

عامر فؤاد عامر يكتب: (يا أنا يا هى) دراما كوميديّة تتفاوت بين جزأين

عامر فؤاد عامر يكتب: (يا أنا يا هى) دراما كوميديّة تتفاوت بين جزأين

عامر فؤاد عامر يكتب: (يا أنا يا هى) دراما كوميديّة تتفاوت بين جزأين
عامر فؤاد عامر

بقلم الكاتب السوري: عامر فؤاد عامر

عندما عُرض الجزء الأوّل من مسلسل (يا أنا يا هى) بدا العمل وكأنّه محاولة للعب على ثيمة الصراع الأنثوي، ضمن قالب كوميدي اجتماعي خفيف، يستند إلى حضور نجومه أكثر مما يستند إلى بنية دراميّة متماسكة.. ومع وصول الجزء الثاني، كان لا بدّ من الذهاب بالعمل إلى مرحلة جديدة من التطوّر، مع التعلّم من أخطاء انطلاقته الأولى، لكن هل هذا ما حصل فعلاً؟

تكشف المقارنة بين جزئي  (يا أنا يا هى) بوضوح أن العمل انتقل من خفّة الظلّ العفويّة إلى تكرار النكتة نفسها، لكن بصوتٍ أعلى، ومن دراما شخصيّات إلى مواقف مستعادة مع محاولة تجديدها.

عامر فؤاد عامر يكتب: (يا أنا يا هى) دراما كوميديّة تتفاوت بين جزأين
في الجزء الثاني، بدا النص وكأنه يعيد تدوير الصراع نفسه من دون إضافة طبقات جديدة مدهشة

النص من المفارقة إلى الاستهلاك

اعتمد النص في الجزء الأوّل كمن (يا أنا يا هى) على مفارقة أساسيّة واضحة؛ امرأتان متناقضتان تجبرهما الظروف على الاشتباك داخل مساحة واحدة، فتتولد الكوميديا من تضادّ الطباع والثقافات.. كانت الفكرة بسيطة لكنّها قابلة للبناء، ونجحت الحلقات الأولى في خلق إيقاع سريع وحوارات حادّة نسبيّاً، وإن شابها بعض التكرار.

أمّا في الجزء الثاني، فقد بدا النص وكأنه يعيد تدوير الصراع نفسه من دون إضافة طبقات جديدة مدهشة، فالشخصيّات لم تتطوّر كثيراً، بل استُهلكت صفاتها حتّى تحوّلت إلى كاركاتير ننتظر منه نهفاته المعروفة.

عند هذه النقطة يمكن القول بأن الكوميديا في (يا أنا يا هى) فقدت عنصر المفاجأة، وصار الضحك متوقعاً، ومصنوعاً أحياناً عبر المبالغة في الأداء أو الاعتماد على (الإفيه) اللفظي السهل.

الجزء الثاني لم يطرح سؤالاً دراميّاً جديداً، بل اكتفى بتمديد السؤال القديم، وهذا خطأ بنيوي في الأعمال ذات الأجزاء جميعها وليس فقط في (يا أنا يا هى) إذ لا يكفي أن تستعيد النجاح السابق، بل يجب أن توسّعه أو تقلّبه.

عامر فؤاد عامر يكتب: (يا أنا يا هى) دراما كوميديّة تتفاوت بين جزأين
كان الإيقاع مقبولاً نسبيّاً، الكاميرا لم تتورّط في استعراض بصري زائد

الإيقاع والإخراج احتاجا إلى الحسم

في الجزء الأوّل، وعلى الرغم من بساطة المعالجة، كان الإيقاع مقبولاً نسبيّاً، الكاميرا لم تتورّط في استعراض بصري زائد، وكانت المشاهد تُقطّع في توقيت مناسب يخدم الجملة الكوميديّة.

برز في الجزء الثاني الترهّل بوضوح، فبعض المشاهد تطول بلا ضرورة، والحوار يدور في الحلقة نفسها قبل أن يصل إلى ذروته. حيث بدا وكأنّ الرهان كان على ملء الحلقات لا على تصعيد الدراما.. الإخراج لم يتدخّل بحزمٍ لاقتصاص الزوائد، ولم يعالج ضعف النص بحلول بصريّة أو إيقاعيّة مبتكرة.

عامر فؤاد عامر يكتب: (يا أنا يا هى) دراما كوميديّة تتفاوت بين جزأين
تحوّلت في الجزء الثاني منه، بعض الشخصيّات إلى نسخ مبالغ فيها قليلاً

الأداء التمثيلي بين التلقائيّة والمبالغة

استفاد الجزء الأوّل في (يا أنا يا هى) من عنصر المفاجأة؛ الشخصيّات كانت جديدة، وأداؤها يحمل طاقة تلقائيّة، والكوميديا انطلقت من الموقف لا من الصراخ.

لكن تحوّلت في الجزء الثاني منه، بعض الشخصيّات إلى نسخ مبالغ فيها قليلاً، الممثّلات والممثّلون بدوا أحياناً أسرى ردود فعل محفوظة، وكأنّ الأداء يعيد إنتاج تعبيرات الجزء الأوّل بصورة أكثر حدّة.. نلاحظ هنا بأنّ الكوميديا حين تُرفع درجتها بلا مبرر تتحوّل إلى افتعال، وهذا ما وقع فيه العمل في أكثر من محطّة.

ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن الكيمياء بين الثنائيّات، (أمل عرفة، أمل دباس)، (نادين تحسين بك، جمال العلي)، بقيت نقطة قوّة، خصوصاً في المشاهد التي اعتمدت على الحوار السريع لا على الموقف المعلّب.

عامر فؤاد عامر يكتب: (يا أنا يا هى) دراما كوميديّة تتفاوت بين جزأين
على الرغم من بساطة الجزء الأوّل إلا أنه كان يملك رهاناً واضحاً هو تصارع الإرادات

البناء الدرامي وغياب الرهان

على الرغم من بساطة الجزء الأوّل إلا أنه كان يملك رهاناً واضحاً هو تصارع الإرادات داخل مساحة اجتماعيّة محددة.

أمّا في الجزء الثاني فقد افتُقد هذا الرهان، حيث لم يُمنح المتلقي دافعاً حقيقيّاً لمتابعة التحوّلات، لأن هذه الأخيرة نفسها لم تكن جذريّة البناء.. لذلك رأينا الشخصيّات تدور في المساحة نفسها، والعلاقات لا تنتقل إلى مستوى أعمق، بل تبقى محكومة بالتنافر السطحي.

كذلك لم يغامر مسلسل (يا أنا يا هى) بجزءه الجديد في توسيع العالم الدرامي أو إدخال خطوط سرديّة مدهشة تُثري الفكرة الأساسيّة.. فالجزء الثاني بد وكأنه يعيش على رصيد شعبيّة الأوّل لا على قوّة دراميّة جديدة.

عامر فؤاد عامر يكتب: (يا أنا يا هى) دراما كوميديّة تتفاوت بين جزأين
كان ثمة قدر من الجرأة في الجزء الأوّل، من خلال مقاربة بعض التفاصيل اليوميّة

الجرأة الاجتماعيّة.. هل تراجعت؟

كان ثمة قدر من الجرأة في الجزء الأوّل، من خلال مقاربة بعض التفاصيل اليوميّة، خصوصاً في كشف تناقضات العلاقات النسائيّة بعيداً عن المثاليّات.

خفّت حدّة هذه الجرأة في الجزء الثاني، أو بالأحرى تحوّلت إلى تكرارٍ بلا عمقٍ كافٍ، وكان من الواجب تعميق السؤال الاجتماعي، بدلاً من الاكتفاء بإعادة النكتة ذاتها، وكأنّ الكوميديا غاية بحدّ ذاتها لا أداة نقديّة.

عامر فؤاد عامر يكتب: (يا أنا يا هى) دراما كوميديّة تتفاوت بين جزأين
ومع وصول الجزء الثاني، كان لا بدّ من الذهاب بالعمل إلى مرحلة جديدة من التطوّر
عامر فؤاد عامر يكتب: (يا أنا يا هى) دراما كوميديّة تتفاوت بين جزأين
يشبه الفرق بين الجزأين الفرق بين نكتة طازجة وأخرى أُعيدت عدّة مرّات

(يا أنا يا هى)، ومقارنة بين جزأين

الجزء الأول من (يا أنا يا هى) كان عملاً خفيفاً، لكنّه يملك طاقة أولى وصدقاً نسبيّاً في الطرح، أمّا الجزء الثاني، فوقع في فخ التكرار والاستسهال، ولم يضف بُعداً نوعيّاً إلى الشخصيّات أو الفكرة.

يشبه الفرق بين الجزأين الفرق بين نكتة طازجة وأخرى أُعيدت عدّة مرّات، ففي الأولى نضحك بعفويّة، وفي الثانية نبتسم، ونرغب في رؤية المزيد، وننتظر.

عكس العمل في مجمله أزمة متكررة في الدراما العربيّة، حيث أن النجاح الجزئي يُغري بالاستمرار، لكن الاستمرار بلا تطوير يحوّل الإنجاز إلى عبء، وقد كان بإمكان الجزء الثاني أن يعمّق الصراع، أن يكسر القالب، أو حتّى أن ينهي الحكاية بشجاعة.

لكنّه اختار الطريق الأسهل، إعادة تدوير ما نجح سابقاً، واستثمار طاقة كلّ من (أمل عرفة وأمل دباس) ككوميديانتين لهما تاريخهما المهمّ، وأثرهما الراسخ في ذاكرة الجمهور العربي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.