


بقلم الكاتب الصحفي: محمد حبوشة
من قال أن مسلسل (فن الحرب) يرقى إلى مستوى الدراما أصلا وليس الجيد منها، حتي يروج له البعض بأنه من أفضل أعمال موسم رمضان 2026؟، فالمسلسل غارق في السذاجة والتشوية لأعظم كتب الاستراتيجية العسكرية، والذي مازال حتى الآن يدرس في كل أكاديميات العالم رغم مرور أكثر من 2500 عام.
تكمن عظمة كتاب (فن الحرب – The Art of War لسون تزو في أنه لم يكن يوما مجرد دليل عسكري للقتال، بل هو (إنجيل الاستراتيجية) الذي تجاوز حدود الزمان والمكان، ليعيد تعريف مفهوم الصراع في كل جوانب الحياة.
وتتجلى هذه العظمة في نقاط فلسفية وجوهرية تجعل من الكتاب مرجعا خالدا، وهى ذاتها النقاط التي كشفت (سطحية) عمل درامي بعنوان (فن الحرب)، حاول الاكتفاء بقشرته: ولعل أعظم ما قدمه سون تزو في (فن الحرب) هو القاعدة الذهبية: (قمة المهارة هى القضاء على مقاومة العدو دون قتال).
هنا تكمن العظمة؛ في تقديم (الحكمة) كبديل عن (القوة الغاشمة).. الكتاب يعلمك كيف تدرس نفسية الخصم، وكيف تهدم خطوطه الدفاعية ذهنيا قبل أن تطلق رصاصة واحدة.. هذه الرؤية حولت الصراع من فعل (عضلي) إلى فعل (عقلي) محض.
ومن ثم كان على صناع مسلسل (فن الحرب) أنه يفهموا أن الدراما ليست في تطبيق نظريات عسكرية، بل في القدرة على (احتلال) وجدان المشاهد لمدة ساعات طويلة، ومن هنا فشل المسلسل في تحفيز حواسنا ويستعيض عن ذلك بمخاطبة عقولنا باقتباسات مشوهة، هو إذن عمل اختار (الاستسلام) الفني منذ اللحظة الأولى.
البطولة في صناعة العمل الدرامي ليست في (نقل) المعرفة، بل في (تخليق) الشعور.. ومن لا يستطيع أن يجعلك تعيش الحرب، لا يستحق أن يحمل رايتها، حتى لو سرق عنوانها من أثمن الرفوف.

(الفعل الدرامي) هو السيف
في معركة الإقناع، يبقى (الفعل الدرامي) هو السيف، و(الرؤية الإخراجية) هى الدرع، و(الأداء الصادق) هو ميدان المعركة.. من يمتلك هذه الأسلحة لا يحتاج للاختباء خلف رفوف المكتبات؛ لأنه ببساطة يصنع (كتابه الخاص) الذي سيوضع يوما ما على تلك الرفوف ليقتبس منه الآخرون.
ومن هنا أؤكد على حقيقة دامغة غابت تماما عن المؤلف – الذي أظنه في غيبة من وعيه – فالمشاهد لا يصفق لمن قرأ (فن الحرب) بشكل سطحي وحوله إلى عمل درامي لايعكس حقيقة هذا الكتاب الذي مازال يدهشنا في عصر تطور تكنولوجيا الحرب، فقط المشاهد يصفق لمن جعله (يعيش) الحرب بكل حواسه.
كسب معركة (الإقناع) في الدراما هو الهدف الأسمى لأي صانع أفلام أو مسلسل، وهى معركة لا تُربح بالشعارات الرنانة أو العناوين المسروقة، بل تُخاض بأسلحة فنية فتاكة تضرب في وعي المشاهد وعاطفته مباشرة.
وفي سبيل تحقيق هذا الهدف، لابد من استخدام سلاح (الصدق الإنساني)، أي (العاطفة قبل الفلسفة) فالمشاهد لا يقتنع بالمقولات الفلسفية المعلبة، بل يقتنع بـ (اللحظة الحقيقية)، عندما يرى الممثل يعاني انكسارا حقيقيا، أو صراعا داخليا يظهر في ارتعاشة عين أو نبرة صوت مهتزة، وهو لم يتحقق لبطل (فن الحرب) الذي بدا باردا في أدائه.
هذا من شأنه أن يتخلى المشاهد عن دفاعاته النقدية وينغمس في الحكاية.. الإقناع يبدأ من القلب؛ فإذا آمن المشاهد بالشخصية، سيقبل منها أي (خطة) أو (استراتيجية) مهما كانت معقدة.
كان حريا بالمؤلف بدلا من اقتباس من (سون تزو) ليقول إن البطل ذكي، أن يجعلنا نرى ذكاءه في (الفعل)، الإقناع يُبنى على مبدأ (السبب والنتيجة)؛ فكل انتصار للبطل يجب أن يكون مسببا ومدفوع الثمن، وكل هزيمة يجب أن تكون منطقية.. عندما يحترم عقل المشاهد بتفاصيل دقيقة ومحكمة، فإنه يمنح العمل (صك الغفران) حتى لو كانت الميزانية محدودة أو العنوان بسيطاً.
مخرج (فن الحرب) لم يستخدم سلاح (اللغة البصرية) بل جنح نحو (الإخراج كحكواتي)، مع أنه في الفن الخالص، الكاميرا هى التي تتحدث.. الإقناع يحدث عندما ينجح المخرج في نقل (شعور) الشخصية عبر الإضاءة، زوايا التصوير، وحركة الكادر.
والقاعدة تقول: لا تخبرني أن هناك (حربا) بل اجعلني أشعر بالضيق في الكادر، وبالتوجس في الظلال، وبالخطر في الصمت.. الصورة التي تعبر عن المعنى أقوى بألف مرة من اقتباس يُقرأ في خلفية المشهد.


السلاح الفني الأقوى
لذا جاء الاقتباس في مسلسل (فن الحرب) مشوها غالبا ما يقدم أبطالا (خارقين) أو (أنبياء) في الذكاء، وهذا ما قتل الإقناع.. السلاح الفني الأقوى هو تقديم شخصيات رمادية، هشة، ومخطئة.. عندما يرى المشاهد بطلا يتردد، يخاف، ويفشل، فإنه يرى نفسه فيه، وهنا يقع في فخ (الإقناع الكامل) لأنه يلمس واقعا يعرفه، لا أساطير مسطحة مستعارة من الكتب.
الإقناع يتطلب ثقة؛ والثقة تنشأ عندما يشعر المشاهد أن هذا العمل لا يشبه غيره، استعارة العناوين هى (بدلة مستأجرة) لا تناسب مقاس الجميع، أما الفن الخالص فهو (ثوب يُفصّل) على مقاس القصة.. الأصالة في اختيار الاسم، وفي رسم الكادرات، وفي بناء الموسيقى التصويرية، تخلق حالة من الهيبة الطبيعية التي لا تحتاج لـ (عكاز) من الماضي.
حاول مؤلف (فن الحرب) استبدال التجربة الدرامية بالادعاء الثقافي.. ونسي أن المشاهد لا يذهب لشاشة التلفاز ليبحث عن (ببليوجرافيا) أو مراجع لكتّاب صينيين قدامى، بل يذهب ليُصعق، ليخاف، لينبهر، وليشعر ببرد الخيانة وحرارة الانتصار.
كان ينبغي على صناع (فن الحرب) تحويل المشاهد من (مراقب) يحلل الاقتباسات إلى (محارب) يعيش التجربة، وهذا يتطلب تحويل (فن الحرب) من كلمات مطبوعة إلى (لحم ودم) على الشاشة من خلال:
في الكتاب، تقرأ عن (عنصر المفاجأة)، لكن في الفن الخالص، يجب أن (تسمع) المفاجأة في الصمت المفاجئ للموسيقى التصويرية، و(تراها) في لقطة مقربة (Close-up) تظهر عرقا يتصبب من جبين البطل.. عندما تنجح الحواس في نقل الخطر، ينسى المشاهد العنوان ويبدأ في حبس أنفاسه؛ هنا فقط يكون المخرج قد ربح معركته.
لكن للأسف في (فن الحرب) المسلسل، تم وصف الأعداء بأنهم أذكياء، لكننا لم نشعر بوطأتهم.. الحرب الحقيقية على الشاشة هى التي تجعلك تخشى على البطل من خصمه.. الإقناع لا يأتي من قولنا: (هذا عدو قوي)، بل من إخراج يظهره كقوة غاشمة لا تُقهر، وأداء تمثيلي يجعلنا نقرأ الرعب في عيون من يواجهونه.
(سون تزو) يتحدث عن تقليل الخسائر، لكن الدراما في مسلسل (فن الحرب) تعيش على (عظمة التضحية).. المشاهد يصفق عندما يرى البطل يدفع ثمنا باهظا لانتصاره؛ جرحا جسديا، فقدان صديق، أو تمزقاً نفسياً.. هذه (الأثمان) هى التي تجعلنا نعيش الحرب، أما الانتصارات السهلة والمجانية المبنية على (اقتباسات جاهزة) فهي تجعلنا نشعر بأننا أمام (لعبة أطفال) لا أمام (فن حرب).


جمود أداء الممثل
عندما يكتفي الممثل بجمود الأداء (كما رأينا في أداء يوسف الشريف)، فإنه يضع حائطا زجاجيا بينه وبين المشاهد، أما عندما (يعيش) الممثل الحرب، فإنه يكسر هذا الحائط ويجبر المشاهد على أن يشعر بكل طعنة وكل خديعة.. التصفيق لا يأتي تقديرا لذكاء البطل، بل تقديرا للبراعة التي جعلتنا ننسى أنه (يمثل).
الإبداع الحقيقي هو الذي يأخذ من الماضي ليزرع في الحاضر روحاً جديدة.. لكن ما حدث في مسلسل (فن الحرب) كان عملية (تحنيط) هزلية، فقد أخذوا اسم الكتاب، وجردوه من روحه، ووضعوه كقطعة ديكور فوق بناء متداعٍ.. هذا النوع من التعامل مع الماضي لا يضيف للعمل عظمة، بل يبرز مدى هشاشة (الواقع) الذي أُنتج فيه المسلسل.
(المفارقة المأساوية) التي سقط فيها مسلسل (فن الحرب) أنه بدلا من أن يكون (الماضي) المتمثل في (كتاب سون تزو) منارة تضيء طريق العمل، تحول إلى (ستار دخان) حاول الصناع الاختباء خلفه للتغطية على عثرات الحاضر.
وفي النهاية أقول: إن محاولة (تجميل) المحتوى المتواضع بعنوان عالمي هى اعتراف مبطن بالهزيمة قبل بدء المعركة. لو أن صناع (فن الحرب) استثمروا الجهد الذي بذل في اختيار العنوان الطنان وفي (البروباجندا) الدعائية، في تطوير لغة الأداء وحيوية الإخراج داخل اللوكيشن، لربما استطاعوا كتابة فصل جديد في تاريخ الدراما، بدلا من أن يظلوا مجرد (هامش) باهت على غلاف كتاب خالد.
الخلاصة: الخلود يبدأ من الخيال عند المؤلف، ثم من (عين) الممثل؛ هل هى عين تنطق بالحزن، الانتقام، أو الحيرة؟، أم هى مجرد عدسة زجاجية تؤدي دورا مرسوما سلفا؟ في (لوكيشن) التصوير، وأيضا الصدق يعني ألا يشعر المشاهد بوجود (كاميرا) يقف من ورائها مخرج، بل يشعر بوجود إنسان.
غياب هذا الصدق حول مسلسل (فن الحرب) إلى مجرد (لقطات مصورة) تنتهي بانتهاء وقت العرض، بينما الأداء الصادق هو ما يجعل الشخصية تعيش في ذاكرتنا كأنها شخص نعرفه، هذا هو (مربط الفرس) في تقييم أي عمل فني يطمح للبقاء.. فالتاريخ الدرامي لا يتذكر العناوين الفخمة، بل يتذكر تلك اللحظات التي (صدقت) فيها المشاعر، وتلك الكادرات التي نقلت المشاهد من مقعده إلى قلب الحدث.
ومن بعد.. أتعجب لكل تلك الثرثرة على السوشيال ميديا التي تشيد بمسلسل كتب شهادة موته قبل أن يبدأ، عندما اختار عنوانا كبيرا لأحداث أقل ما يمكن أن توصف بها أنها ساذجة، في ظل شرود خيال المؤلف نحو آفاق غرائبية، ومخرج لا يفهم أبجديات صناعة المشهد، وممثل جامد المشاعر يتحرك كالربوت الذي انخرط في تنفيذ الأوامر دون تفكير أو مراجعة.