رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

(سليمان نجيب).. الفنان الذي كان أكبر من لقب الباشا!

(سليمان نجيب).. الفنان الذي كان أكبر من لقب الباشا!

(سليمان نجيب).. الفنان الذي كان أكبر من لقب الباشا!
لم يكن (سليمان نجيب) مجرد ممثل يجيد ارتداء ملابس الطبقة الراقية والتحدث بلهجتها
(سليمان نجيب).. الفنان الذي كان أكبر من لقب الباشا!
د. محمد الطربيلي

بقلم الدكتور: محمد الطربيلي

هناك فنانون نحبهم لأنهم أضحكونا وهناك فنانون نحبهم لأنهم أبكونا وهناك فنانون نحتفظ بهم في ذاكرتنا لأن حضورهم كان يشبه قطعة من الزمن الجميل، لكن هناك قلة نادرة لا تكفي معها كلمة فنان وحدها لأن موهبتهم كانت جزءا من شخصية أكبر، ولأن الإنسان فيهم كان أحيانا أكثر إثارة للإعجاب من الفنان ومن هؤلاء يأتي (سليمان نجيب).

ذلك الرجل الذي عرفه الجمهور في ثوب الباشا والموظف الكبير والرجل الأرستقراطي وصاحب الهيبة، بينما كان وراء هذه الشخصيات إنسان واسع الثقافة رقيق المشاعر شديد التهذيب عاشق للفن وصاحب تجربة استثنائية جعلته واحدا من أهم علامات المسرح والسينما المصرية في النصف الأول من القرن العشرين.

لم يكن (سليمان نجيب) مجرد ممثل يجيد ارتداء ملابس الطبقة الراقية والتحدث بلهجتها، كان ابن عصر كانت فيه الثقافة جزءا من تكوين الإنسان وكانت قيمة الرجل لا تقاس بما يملك وإنما بما يعرفه وما يتركه خلفه.

ولد (سليمان نجيب) في القاهرة عام 1892 ونشأ في بيئة ثقافية أسهمت في تشكيل شخصيته ودرس الحقوق واتجه إلى العمل الدبلوماسي، وشغل وظائف مهمة في السلك الدبلوماسي المصري، وهذا وحده يكشف أن الرجل لم يدخل الفن هروبا من الحياة وإنما دخله وهو يحمل معه ثقافة وتجربة واسعة.

وهنا تكمن إحدى مفارقات سيرته فقد كان يستطيع أن يعيش حياته موظفا كبيرا وأن يكتفي بمكانته الاجتماعية، لكنه اختار الفن، وكان الاختيار في ذلك الزمن يحتاج إلى شجاعة كبيرة لأن التمثيل لم يكن بالنسبة لكثير من الأسر والطبقات الاجتماعية طريقا مضمونا إلى الاحترام، وكان الممثل لا يزال يقاتل من أجل أن يصبح الفن مهنة لها قيمتها ومكانتها.

(سليمان نجيب).. الفنان الذي كان أكبر من لقب الباشا!

(سليمان نجيب).. الفنان الذي كان أكبر من لقب الباشا!
له حضور بارز في الحركة المسرحية والفنية والإدارية أيضا فترأس دار الأوبرا المصرية

أبرز رجال المسرح المصري

لكن (سليمان نجيب) كان يرى أبعد من ذلك كان يؤمن بأن الفن ليس أقل من أي مهنة أخرى وأن المسرح ليس مجرد مكان للترفيه وإنما مدرسة للحياة، ولهذا لم يكن غريبا أن يصبح من أبرز رجال المسرح المصري وأن يتولى إدارة دار الأوبرا الملكية وأن يكون له حضور بارز في الحركة المسرحية والفنية، لقد جمع في شخصيته ما نادرا ما يجتمع في إنسان واحد ثقافة الموظف الكبير وذوق الدبلوماسي وحس الفنان وروح الإنسان.

وعندما يظهر (سليمان نجيب) على الشاشة تشعر أن الرجل لا يمثل الشخصية بقدر ما يسكنها كان يملك ذلك الهدوء الذي لا يحتاج إلى صراخ، وتلك الهيبة التي لا تحتاج إلى استعراض، وكانت نظرة واحدة منه تستطيع أن تقول ما تقوله صفحات من الحوار

وصوته لم يكن مجرد وسيلة لنطق الكلمات، وإنما كان جزءا من بناء الشخصية، وكان يعرف متى يتكلم ومتى يصمت ومتى يرفع حاجبه ومتى يبتسم ابتسامة صغيرة تحمل خلفها تاريخا كاملا من الخبرة

ولعل أشهر ما ارتبط به هو شخصية الباشا لكن (سليمان نجيب) لم يكن أسيرا للباشا كما قد يتصور البعض، لقد كان قادرا على تقديم الشخصية الأرستقراطية بطريقة تجعلها أحيانا ساخرة وأحيانا حنونة وأحيانا متعالية وأحيانا شديدة الإنسانية، وهنا تظهر عبقريته فهو لم يكن يقدم الباشا باعتباره قالبا واحدا وإنما كان يكتشف الإنسان المختبئ خلف اللقب، ولهذا بقيت شخصياته حية حتى اليوم.

كان يستطيع أن يجعل المشاهد يضحك من الشخصية ثم يتعاطف معها بعد لحظات وهذه ليست مهمة سهلة إنها تحتاج إلى ممثل يفهم البشر لا مجرد ممثل يحفظ الحوار.. وسليمان نجيب كان يفهم البشر.. ربما لأن حياته نفسها منحته فرصة نادرة لرؤية المجتمع من أكثر من نافذة رأى الناس من داخل المؤسسات الرسمية، وعرف أجواء السياسة والدبلوماسية وعاش وسط المثقفين والفنانين واقترب من المسرح، ثم دخل السينما فكان طبيعيا أن تصبح شخصياته غنية بالتفاصيل

لم يكن ممثلا يضع قناعا كان ممثلا يضيف إلى القناع ملامح إنسانية، ولذلك عندما نستعيد أفلامه اليوم لا نشعر أننا نشاهد شخصا من الماضي فقط، وإنما نشاهد مدرسة في الأداء مدرسة تقول إن الممثل الحقيقي لا يحتاج إلى أن يملأ الشاشة بحركاته لأن حضوره وحده يكفي.

ولعل أعظم ما في (سليمان نجيب) أنه لم يسمح للمكانة أن تفسد إنسانيته كان من أبناء زمن كانت فيه كلمة باشا مرتبطة بالسلطة والجاه والوجاهة الاجتماعية، لكنه لم يجعل الألقاب أكبر من الإنسان وكان شديد الحب للثقافة وللفن وللمسرح ولأهل الفن.

(سليمان نجيب).. الفنان الذي كان أكبر من لقب الباشا!

(سليمان نجيب).. الفنان الذي كان أكبر من لقب الباشا!
كانت الثقافة أحد أهم أدوات صناعة الشخصية المصرية الحديثة وسليمان نجيب كان في قلب هذا التحول

الفنان جزءا من مشروع بناء الوعي

ومن هنا يصبح الحديث عنه حديثا عن مرحلة كاملة من تاريخ مصر مرحلة كان فيها الفنان جزءا من مشروع بناء الوعي، وكان المسرح قضية وكانت السينما في بداياتها تبحث عن هويتها وكانت الثقافة أحد أهم أدوات صناعة الشخصية المصرية الحديثة وسليمان نجيب كان في قلب هذا التحول.. لم يكن فنانا يعيش على هامش عصره كان واحدا من الذين صنعوا هذا العصر.

وحين ننظر اليوم إلى المشهد الفني المعاصر ندرك كم تغيرت الأشياء لم تعد الشهرة بالضرورة نتيجة الموهبة ولم يعد الحضور دليلا على القيمة، وأصبح من الممكن أن يصبح الإنسان مشهورا قبل أن يصبح فنانا، أما (سليمان نجيب) فقد كان من جيل مختلف جيل كان عليه أن يثبت نفسه أولا ثم تأتي الشهرة بعد ذلك.. ولهذا بقي لأن الذي يصنعه الإخلاص للفن يعيش أطول من الذي تصنعه الدعاية

(سليمان نجيب) لم يكن يبحث عن الشهرة وإنما كان يبحث عن القيمة ولم يكن يعرف شيئا عن زمن تتصدر فيه الصورة صاحبها، وإنما كان يعرف شيئا واحدا أن الفن الحقيقي يحتاج إلى معرفة، ولهذا كان مثقفا قبل أن يكون ممثلا وكان إنسانا قبل أن يكون نجما وكان صاحب رسالة قبل أن يكون صاحب شهرة.

ولعل أجمل ما يمكن أن نقوله عنه أن الزمن لم يستطع أن يهزمه مرت السنوات وتغيرت الموضة وتغيرت طرق التصوير، وتغيرت لغة السينما واختفت أسماء كانت يوما تملأ الدنيا ضجيجا لكن سليمان نجيب ظل حاضرا، لأن الفن الحقيقي لا يشيخ والأداء الصادق لا تنتهي صلاحيته والإنسان الذي يترك أثرا في وجدان الناس لا يحتاج إلى أن يظل حيا كي يظل موجودا.

لقد رحل (سليمان نجيب) عام 1955 لكن رحيله لم يكن نهاية حكايته فالناس لا تحفظ الفنان بعدد السنوات التي عاشها وإنما بعدد المرات التي عاد فيها إلى ذاكرتهم، و(سليمان نجيب) يعود إلينا كلما عرض فيلم قديم يعود بصوته وابتسامته وهدوئه وبطريقته الخاصة في نطق الكلمات وبذلك الحضور الذي لا يشبه أحدا.

وفي النهاية ربما كان من الظلم أن نختصر سليمان نجيب في لقب الباشا فالباشا كان شخصية من شخصياته أما (سليمان نجيب) نفسه فكان أكبر من اللقب كان دبلوماسيا ومثقفا وفنانا ومسرحيا وإنسانا، وكان واحدا من أولئك الذين أثبتوا أن عظمة الفنان لا تقاس فقط بما يقدمه أمام الكاميرا وإنما بما يحمله في داخله.

لقد كان من زمن كانت فيه الهيبة تأتي من الثقافة والأناقة من الأخلاق والشهرة من الموهبة والمكانة من العمل، ولهذا كلما عاد إلينا سليمان نجيب من شاشة بالأبيض والأسود لا نشعر أننا نشاهد ممثلا قديما، بل نشعر أننا نفتح نافذة على مصر التي كانت تعرف أن الفن ليس مهنة فقط وإنما أخلاق وثقافة وذوق ورسالة

رحم الله (سليمان نجيب)، ذلك الفنان العظيم الذي ارتدى ثوب الباشا أمام الكاميرا، لكنه ظل في الحقيقة أكبر من كل الألقاب.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.