رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

(على روض الحبيب) تعيد سيد درويش إلى الواجهة.. و(ساسيرو) تطالب بوثيقة من عام 1917

(على روض الحبيب) تعيد سيد درويش إلى الواجهة.. و(ساسيرو) تطالب بوثيقة من عام 1917
(ساسيرو) قررت أن تفتح الملف من زاوية وتاريخية، واضعةً أمام الرأي العام أكثر من علامة استفهام حول أصل اللحن

كتبت: سما أحمد

لم تكن ليلة أصالة نصري في سوريا مجرد حفل غنائي عابر، ولم يتوقف الجدل عند اختيارها أغنية (على روض الحبيب) لتغنيها أمام جمهور بلدها، بعدما نسبت اللحن إلى التراث السوري، وتحديدًا إلى مدينة اللاذقية.. فما إن خرجت الأغنية من المسرح إلى مساحة النقاش العام، حتى ظهر سؤال أكبر من الحفل نفسه: هل (على روض الحبيب) بالفعل من التراث السوري؟ أم أن وراء اللحن حكاية أخرى تعود إلى الموسيقار سيد درويش؟

السؤال لم يأتِ هذه المرة من جمهور غاضب أو سجال عابر على مواقع التواصل الاجتماعي، وإنما جاء عبر بيان صادر عن جمعية المؤلفين والملحنين والناشرين المصرية (ساسيرو) التي قررت أن تفتح الملف من زاوية موسيقية وتاريخية، واضعةً أمام الرأي العام أكثر من علامة استفهام حول أصل اللحن.

من البداية، حرصت الجمعية على التأكيد أن موقفها لا يستهدف أصالة بسبب أدائها للأغنية، مشيرة إلى أن اللحن سبق أن غناه عدد من الفنانين، بينهم فنانون سوريون، كما سبق أن نُسب في مناسبات مختلفة إلى ملحنين معاصرين، وإلى التراث السوري.

لكن المشكلة، بحسب البيان، تبدأ عند الجزم بأن اللحن من التراث السوري دون تقديم ما يثبت هذه النسبة.

وهنا يتحول الأمر من مجرد اختلاف في وجهات النظر إلى سؤال توثيقي واضح: على أي أساس نُسب اللحن إلى التراث السوري؟.. وهل توجد وثيقة أو تسجيل تاريخي يمكن أن يحسم هذه المسألة؟.. ذلك هو السؤال الذي أرادت «ساسيرو» أن تضعه في قلب النقاش.

(على روض الحبيب) تعيد سيد درويش إلى الواجهة.. و(ساسيرو) تطالب بوثيقة من عام 1917
كانت المفاجأة الأكبر في بيان الجمعية هي ما يتعلق بالقراءة الموسيقية للحن (زورني كل سنة مرة)

المفاجأة: (زوروني كل سنة مرة!)

ربما كانت المفاجأة الأكبر في بيان الجمعية هي ما يتعلق بالقراءة الموسيقية للحن، فبحسب المتخصصين الذين استندت إليهم الجمعية، فإن المسألة لا تبدو مجرد تشابه عابر بين عملين، وإنما هناك ـ وفق هذا الطرح ـ تطابق واضح في البنية اللحنية الأساسية بين (على روض الحبيب) ولحن أغنية (زوروني كل سنة مرة) للموسيقار سيد درويش، مع وجود بعض التحويرات والتنويعات في الصياغة.

والحديث هنا لا يتعلق فقط بجملة موسيقية عابرة يمكن أن تتشابه مصادفة مع جملة أخرى، وإنما بمجموعة من العناصر التي تقول الجمعية إنها تكشف صلة أعمق بين اللحنين.. من البناء والمسار النغمي، إلى التفعيلات الزمنية والإيقاعية، مرورًا بالإطار المقامي والعلاقات بين الجمل الموسيقية، وصولًا إلى ما تصفه الجمعية بـ (روح وشخصية) لحن سيد درويش.

وهنا يصبح السؤال أكثر حساسية: إذا كان هذا التشابه بهذا الوضوح، فمن أين جاءت نسبة (على روض الحبيب) إلى التراث السوري؟.. ولأن التاريخ الموسيقي لا يعيش فقط في الذاكرة، وإنما في التسجيلات والتوثيق، استحضرت الجمعية اسمًا كبيرًا في هذه القضية: فيروز.

فبحسب البيان، قدمت فيروز أغنية (زوروني كل سنة مرة) منذ عام 1955، وكان العمل في ذلك الإصدار منسوبًا بوضوح إلى الموسيقار سيد درويش، وهذا التوثيق، من وجهة نظر الجمعية، يسبق بسنوات طويلة التداول الحالي لنسبة اللحن إلى التراث السوري.

وهنا تتسع الحكاية.. فإذا كانت هناك نسبة مختلفة للحن، فمن أين بدأت؟.. ومتى ظهرت؟.. ومن صاحب أول توثيق لها؟.. وهل توجد تسجيلات أو وثائق أقدم يمكنها أن تقلب الصورة الحالية؟

أسئلة تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل في داخلها واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا في الموسيقى العربية: كيف نحدد صاحب اللحن عندما تختلط الذاكرة الشعبية بالتداول الشفهي، ويصبح التراث مساحة مفتوحة للنسب المتعددة؟

لكن الجمعية لم تكتفِ بطرح الأسئلة، بل وضعت معيارًا واضحًا يمكن ـ بحسب بيانها ـ أن يساعد في حسم القضية، فقد دعت كل من يملك تسجيلًا موثقًا للحن بصورته محل النقاش، يعود إلى ما قبل عام 1917، إلى تقديمه باعتباره وثيقة تاريخية يمكن من خلالها الوصول إلى أصل اللحن ومصدره.

وهنا تحديدًا تتحول القضية من سجال فني إلى بحث في الأرشيف، فإذا ظهرت وثيقة أقدم تثبت وجود اللحن بالصورة نفسها قبل عام 1917، فقد تعيد رسم خريطة الحكاية بالكامل، أما إذا لم تظهر مثل هذه الوثيقة، فسيظل السؤال الذي طرحته (ساسيرو) قائمًا: على أي أساس جرى تقديم اللحن باعتباره تراثًا سوريًا؟

(على روض الحبيب) تعيد سيد درويش إلى الواجهة.. و(ساسيرو) تطالب بوثيقة من عام 1917
لماذا عاد سيد درويش الآن؟.. ربما لأن القضية أكبر من أغنية واحدة

ليست معركة ضد التراث السوري

وفي محاولة واضحة لمنع القضية من الانزلاق إلى صراع مصري ـ سوري، شددت جمعية المؤلفين والملحنين والناشرين المصرية على احترامها الكامل للتراث الموسيقي السوري، وأكدت أن طرح المسألة لا يستهدف الانتقاص من هذا التراث أو التشكيك فيه، وإنما الوصول إلى الحقيقة الموسيقية والتاريخية من خلال البحث والتوثيق.

وهذه النقطة مهمة، لأن التراث العربي في النهاية ليس جزرًا منفصلة؛ الموسيقى والألحان والكلمات انتقلت عبر البلدان، والفنانون تبادلوا الأعمال والتأثيرات، وكثير من الألحان عاشت طويلًا قبل أن تصل إلى مرحلة التوثيق الحديث، لكن هذا لا يلغي ـ بحسب موقف الجمعية ـ ضرورة أن يحصل كل صاحب حق على حقه في النسب، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بأسماء بحجم سيد درويش.

لماذا عاد سيد درويش الآن؟.. ربما لأن القضية أكبر من أغنية واحدة.. سيد درويش ليس مجرد اسم في تاريخ الموسيقى المصرية؛ إنه أحد أبرز الأسماء التي ارتبطت بتحولات الموسيقى العربية في بدايات القرن العشرين. ولذلك فإن أي نقاش حول نسب لحن يرى متخصصون أنه يتطابق مع أحد ألحانه، يتحول تلقائيًا إلى قضية تتعلق بالذاكرة الفنية نفسها.

ولهذا قالت (ساسيرو) إن موقفها لا يأتي فقط لأن سيد درويش أحد أعضائها، وإنما انطلاقًا من مسؤوليتها في حماية التأليف الموسيقي المصري وصون تراثه والدفاع عن حقوق مبدعيه، وبلغة أكثر مباشرة، ترى الجمعية أن الدفاع عن سيد درويش في هذه الحالة هو دفاع عن حق الفن المصري في أن تُنسب أعماله إلى أصحابها وفقًا للحقائق والوثائق.

وهكذا وجدت أصالة نفسها في قلب قضية تتجاوز شخصها وأداءها.. فهي لم تكن صاحبة اللحن، بحسب ما جاء في البيان، وإنما الفنانة التي أعادت تقديمه ونسبته إلى التراث السوري، لكن هذا التصريح هو الذي أعاد اللحن إلى دائرة الضوء، وأطلق سلسلة من الأسئلة حول مصدره وتاريخه ونسبته.

ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي ليس: لماذا غنت أصالة الأغنية؟.. بل: من أين جاء اللحن أصلًا؟.. ومن صاحبه الأول؟.. وهل كان تراثًا شعبيًا بالفعل؟ أم أن وراءه مؤلفًا معروفًا ضاعت نسبته مع مرور الزمن؟.. وهل تستطيع وثيقة قديمة أن تحسم ما عجزت الذاكرة الشفهية عن حسمه؟

(على روض الحبيب) تعيد سيد درويش إلى الواجهة.. و(ساسيرو) تطالب بوثيقة من عام 1917
يتحول الجدل من معركة نسب إلى دعوة حقيقية للبحث في أرشيف الموسيقى العربية

الكلمة الأخيرة للتوثيق

القصة إذن لم تنتهِ ببيان (ساسيرو)، وربما تكون قد بدأت للتو.. فالموسيقى لا تحسم مثل هذه القضايا بالصوت الأعلى، ولا بعدد مرات ترديد رواية معينة، وإنما بما يمكن إثباته من تسجيلات ووثائق وشهادات ودراسات موسيقية.

وفي انتظار ظهور الوثيقة التي تحسم أصل (على روض الحبيب)، يبقى لحن (زوروني كل سنة مرة) حاضرًا في قلب السؤال، ويبقى اسم سيد درويش طرفًا أساسيًا في الحكاية، بينما تظل نسبة اللحن إلى التراث السوري بحاجة ـ وفقًا لما طرحته الجمعية ـ إلى الدليل الذي يثبتها.

وربما يكون أجمل ما يمكن أن تنتهي إليه هذه القصة أن يتحول الجدل من معركة نسب إلى دعوة حقيقية للبحث في أرشيف الموسيقى العربية؛ لأن التراث لا يحتاج إلى روايات تتوارثها الأجيال بقدر ما يحتاج إلى وثائق تحمي ذاكرته.

وفي النهاية، ليست القضية من يملك اللحن بالصوت الأعلى، وإنما من يستطيع أن يثبت حكايته بالدليل.

👀 Views:

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.