رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

محمود عطية يكتب: (حرية الفكر) لهم.. وصمت لنا!

محمود عطية يكتب: (حرية الفكر) لهم.. وصمت لنا!
رفض فكرة أصبحت تهمة بالرجعية جاهزة

بقلم المستشار: محمود عطية*

إلى من يهمه الأمر: لسنا في معركة مع (حرية الفكر)، ولسنا من أنصار دولة تفتش في عقول الناس وتسأل المواطن ماذا يعتقد وماذا يؤمن. الإنسان حر في فكره وعقيدته ورأيه، ما دام ملتزما بالقانون، وهذه مسألة لا تحتاج إلى جدال.

لكن ما نرفضه تماما هو أن تتحول حرية الفكر إلى طريق باتجاه واحد، يحق فيه لفريق أن يقول ما يشاء، وينتقد ما يشاء، ويسخر مما يشاء، ثم يصبح من حقه أيضا أن يمنع الآخرين من الاعتراض عليه. فإذا دافع المؤمن عن عقيدته أصبح متطرفا.

وإذا رفض فكرة أصبحت تهمة بالرجعية جاهزة، وإذا سأل عن حقيقة واقعة قيل له: أنت تحارب (حرية الفكر)!.. وهنا نسأل بكل بساطة: أي حرية هذه؟ وهل أصبحت الحرية ملكا لفريق دون آخر؟ وهل المطلوب من المؤمن أن يجلس في مقاعد الجمهور بينما يحصل الآخرون على الميكروفون وحدهم؟

القضية التي نطرحها اليوم ليست قضية شخص بعينه، وليست معركة ضد أسماء أو أشخاص، وإنما قضية أكبر بكثير: هناك سلسلة منشورات طويلة نشرها أحد الأشخاص ووصلت إلى حلقات متقدمة، تضمنت حديثا عن شخصيات عامة، وتنظيمات، وعلاقات، وتمويلات، واتصالات، وأدوار مختلفة، وطرحت روايات وادعاءات خطيرة يمكن إثباتها أو نفيها.

وهنا لا يجوز أن نتصرف مثل جمهور المدرجات، فريق يصفق لكل كلمة وفريق يشتم صاحبها.. نحن لا نريد تصفيقا ولا شتائم، وإنما نريد الحقيقة.. فإذا كان ما يقوله صاحب هذه المنشورات صحيحا، فليظهر ذلك بالدليل، وإذا كان كاذبا، فليظهر كذبه وليتحمل مسؤوليته. أما أن تظل الاتهامات معلقة في الهواء، فهذا لا يخدم أحدا.

محمود عطية يكتب: (حرية الفكر) لهم.. وصمت لنا!
عقد مؤتمرات تناولت موضوعات تتعلق بالعلمانية و(حرية الفكر)، وفصل الدين عن السياسة والتعددية

العلمانية و(حرية الفكر)

هناك وقائع موثقة يمكن الرجوع إليها، منها وجود منظمة باسم ADHOC، وعقد مؤتمرات تناولت موضوعات تتعلق بالعلمانية و(حرية الفكر)، وفصل الدين عن السياسة والتعددية، وشارك فيها عدد من الشخصيات العربية والمصرية، كما كان هناك كيان قانوني في بريطانيا يحمل اسما مرتبطا بالمنظمة، ثم تم حله رسميا.

هذه أمور يمكن التحقق منها، ولا تحتاج إلى روايات أو شائعات.. لكن وجود منظمة أو مؤتمر أو مشاركة شخص في مؤتمر لا يعني تلقائيا ارتكاب جريمة، وهذه نقطة يجب أن تكون واضحة جدا. فلا يجوز أن نقفز من المشاركة في نشاط فكري إلى اتهام جنائي.

كما لا يجوز في الوقت نفسه أن يتحول شعار حرية الفكر إلى حصانة تمنع السؤال عن المال والتنظيم والتمويل والعلاقات إذا كانت هناك ادعاءات محددة بشأنها. هنا يبدأ العقل وينتهي الهتاف.

وهنا يصبح السؤال مشروعا: إذا كان هناك حديث عن أموال، فأين المستندات؟ وإذا كان هناك حديث عن شيكات، فأين الشيكات؟.. وإذا كان هناك حديث عن تحويلات، فأين التحويلات؟ وإذا كان هناك حديث عن عقارات، فالعقارات لها سجلات.. وإذا كان الحديث عن سيارات، فالسيارات لها تراخيص.

وإذا كان الحديث عن تمويل خارجي، فالتمويل له مصادر ومسارات وآثار.. وإذا كان الحديث عن تنظيمات، فالتنظيمات لها أسماء واجتماعات ومراسلات وأوراق. باختصار شديد: الكلام يمكن أن يقال في دقيقة، لكن الحقيقة يمكن أن تبحث عنها في المستند، ولذلك فإن السؤال الذي نوجهه إلى صاحب المنشورات بسيط: هل لديك دليل؟ فإذا كان لديك فقدمْه، وإذا كانت لديك وثائق فدع الجهات المختصة تفحصها، وإذا كانت لديك شهادات فليتم سماع أصحابها.

أما الكلام المرسل، مهما كان مثيرا ومزعجا، فلا يكفي لإدانة أحد. وفي المقابل، لا يجوز أن ندفن الكلام ونغلق الملف لمجرد أنه يزعج بعض الناس.. لأن الحقيقة لا تخاف من التحقيق، وإنما الذي يخاف من التحقيق هو من لا يريد للحقيقة أن تظهر.

وأنا هنا لا أطالب بمحاكمة إنسان لأنه ملحد أو علماني أو مختلف فكريا. ولا أطالب الدولة بأن تفتش في الضمائر.. فهذه ليست مهمة الدولة، ولا نريد أن تتحول مصر إلى دولة تراقب العقائد في البيوت وتفتش في الصدور، لكن هناك فارقا كبيرا بين الفكر وبين الوقائع المادية. أن تؤمن أو لا تؤمن شأن فكري وعقائدي.

أما أن يتحدث شخص  في وسائل الإعلام عن تمويلات أو أموال أو تنظيمات أو علاقات خارجية أو مخالفات للقانون، فهذه أمور أخرى تماما، ويحق للمجتمع أن يعرف حقيقتها إذا كانت الادعاءات جدية ومحددة، ولذلك فإن المطالبة بالتحقيق ليست محاكمة للفكر، وإنما بحث عن الحقيقة.

محمود عطية يكتب: (حرية الفكر) لهم.. وصمت لنا!
لماذا يتحول الدفاع عن العقيدة عند البعض إلى جريمة، بينما يتحول الهجوم عليها إلى بطولة فكرية؟

لماذا يصبح نقد الدين تنويرا

وهنا تأتي المشكلة الأكبر: لماذا يتحول الدفاع عن العقيدة عند البعض إلى جريمة، بينما يتحول الهجوم عليها إلى بطولة فكرية؟.. لماذا عندما يقول شخص إنه لا يؤمن نصفق له باسم الحرية، وعندما يقول شخص آخر إنه يؤمن ويرفض هذه الأفكار نقول عنه إنه متطرف؟.. لماذا يصبح نقد الدين تنويرا في كل الأحوال، بينما يصبح نقد من ينتقد الدين ظلاما في كل الأحوال؟.. يا سادة، هذه ليست حرية، هذه انتقائية.

الحرية الحقيقية لا تخاف من الرد، ومن يطرح فكرة يجب أن يقبل أن يناقشه الآخرون فيها. ومن ينتقد يجب أن يقبل النقد، ومن يرفع شعار الحرية يجب أن يؤمن بحرية خصمه في الرد.. غير ذلك ليس حرية وإنما امتياز يمنحه شخص لنفسه ثم يغضب عندما يطالبه الآخرون بالحق نفسه.

نحن لا نريد منع أحد من الكلام، ولكننا لا نقبل أيضا أن يطلب منا أحد الصمت.. من حقك أن تقول أنا لا أؤمن، ومن حقي أن أقول أنا أؤمن. من حقك أن تدافع عن أفكارك، ومن حقي أن أرفضها.. من حقك أن ترى في بعض المشاريع الفكرية تنويرا، ومن حقي أن أراها خطرا على ثوابت المجتمع.

وفي النهاية، لا أنت تملك الحقيقة وحدك ولا أنا أملكها وحدي.. الذي يملك الفصل في الوقائع هو الدليل، والذي يملك الفصل في المخالفات هو القانون.. أما تحويل المجتمع إلى معسكرين، أحدهما يرفع شعار التنوير والآخر يرفع شعار الدفاع عن الدين، فهذه لعبة لا نريدها. مصر أكبر من ذلك، والمجتمع المصري أعمق من هذه المعارك المفتعلة. نحن نريد أن يعرف الناس أين تنتهي حرية الفكر وأين تبدأ المسؤولية.

فـ (حرية الفكر) لا تعني حرية الكذب، وحرية التعبير في الإعلام لا تعني الحق في اختلاق وقائع واتهام الناس بلا دليل، كما أن الدفاع عن الدين لا يعطي أحدا الحق في الاعتداء على المختلف معه. القانون يجب أن يكون هو الحكم، ولذلك أقول للجهات المختصة بكل احترام: أمامكم سلسلة منشورات تتضمن روايات وادعاءات تتعلق بأموال وتنظيمات وعلاقات وأشخاص.

لا نطلب محاكمة أحد، ولا نطلب إدانة أحد، ولا نطلب مصادرة كتاب أو إغلاق منبر أو مطاردة إنسان بسبب عقيدته. نطلب فقط أن يتم فحص ما يقال. هل هناك مستندات؟ هل هناك تحويلات؟ هل هناك تمويل؟ هل هناك تنظيمات؟ هل هناك علاقات خارجية؟ هل توجد مخالفة للقانون؟ وإذا لم توجد، فليعلن ذلك وتنتهي القضية.

محمود عطية يكتب: (حرية الفكر) لهم.. وصمت لنا!
فليتم التعامل معها وفقا للقانون.. بهذه الطريقة فقط نغلق الباب أمام الشائعات

نغلق الباب أمام الشائعات

وإذا وجدت، فليأخذ القانون مجراه. وإذا ثبت أن صاحب المنشورات اختلق الوقائع، فليتحمل المسؤولية القانونية، وإذا ثبت أنه قال الحقيقة في أي واقعة، فليتم التعامل معها وفقا للقانون.. بهذه الطريقة فقط نغلق الباب أمام الشائعات، أما ترك الأمور معلقة، فهو أخطر ما يمكن فعله.. لأن الاتهام الذي لا يحقق فيه أحد لا يموت، بل يكبر، وكلما سكتنا عنه زاد عدد من يصدقه، وكلما حاولنا دفنه عاد إلى السطح بصورة أكبر.

ولذلك فإن أفضل خدمة يمكن أن نقدمها للجميع هى التحقيق.. التحقيق لا يخيف البريء، ولا يظلم أحدا، ولا يصادر فكرا.. التحقيق فقط يضع الكلام أمام الدليل، وإذا كان هناك من يقول إن هذه المطالبة بالتحقيق هي محاولة لمحاربة الفكر المختلف، فنقول له: لا، نحن لا نحارب فكرا.

نحن نسأل عن وقائع.. هناك فرق بين أن تسأل إن كان شخص يؤمن بفكرة معينة، وبين أن تسأل من أين جاءت الأموال، ومن دفع، ومن تلقى، ومن نظم، ومن مول، ومن شارك، وما الذي حدث بالفعل.

هذه ليست أسئلة دينية، وإنما أسئلة قانونية، وأما أصحاب شعار التنوير فنقول لهم: التنوير الحقيقي ليس أن تضيء مصباحا فوق رأسك ثم تطفئه في وجه الآخرين. التنوير الحقيقي هو أن تقبل السؤال، وتقبل الاختلاف، وتقبل أن يرد عليك شخص يرى العالم بطريقة مختلفة. أما أن تقول أنا حر وأنت ممنوع من الرد، فأنت لا تدافع عن الحرية، وإنما تدافع عن نفسك فقط.

ولمن يطلب منا الصمت نقول: انتهى زمن الصمت.. نحن لا نطلب حرية خاصة للمؤمنين، وإنما نطلب الحرية للجميع. لا نريد امتيازا لدين على فكر، ولا امتيازا لفكر على دين.. نريد قاعدة واحدة تسري على الجميع: قل ما تشاء، وفكر كما تشاء، واختلف كما تشاء، ولكن عندما تتحول روايتك إلى اتهامات ووقائع وأموال وتنظيمات وعلاقات، فقدم الدليل.

وأخيرا، إلى من يهمه الأمر مرة أخرى: لا نريد محاكمة الأفكار، ولا تفتيش الضمائر، ولا مطاردة أصحاب المعتقدات المختلفة. نريد فقط أن نعرف الحقيقة، فإذا كان صاحب المنشورات يكذب، فليظهر كذبه أمام الناس، وإذا كان يقول الحقيقة، فليظهر صدقه أمام الناس. وفي الحالتين سنكون قد ربحنا شيئا أهم من كل الأسماء وكل الخلافات وكل المعارك: الحقيقة.

لأن الحقيقة لا تحتاج إلى حماية، ولا تحتاج إلى لجان إلكترونية، ولا تحتاج إلى صراخ، ولا تحتاج إلى شتائم.. الحقيقة تحتاج فقط إلى دولة تملك الشجاعة أن تسأل، ثم تملك الشجاعة الأكبر أن تعلن الإجابة. 

* المحامي بالنقض – منسق ائتلاف مصر فوق الجميع

👀 Views:

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.