رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

رسمي فتح الله يكتب: من قتل صوت الفن الجميل؟.. (أحمد الجراح) نموذجًا والبحث عن أضواء المدينة

رسمي فتح الله يكتب: من قتل صوت الفن الجميل؟.. (أحمد الجراح) نموذجًا والبحث عن أضواء المدينة
فارقًا بين ما يحبه الجمهور وبين ما تقدمه صناعة الفن للجمهور باستمرار

بقلم الكاتب الصحفي: رسمى فتح الله

مصر التي أنجبت عبد الوهاب وأم كلثوم وعبد الحليم وفريد ونجاة وشادية ومحمد قنديل وكارم محمود وعبد المطلب والتي كانت تصنع المطرب قبل أن تصنع منه نجمًا، كحالة (أحمد الجراح)، أصبحت اليوم أمام سؤال صعب: هل تغير ذوق الجمهور، أم تغيرت المنظومة التي كانت تصنع الذوق وتحمي الفن الحقيقي؟

السؤال لا يتعلق بمطرب واحد، ولا بلون غنائي بعينه، وإنما بمشهد كامل تبدلت فيه المعايير، وأصبحت الشهرة في كثير من الأحيان أسرع من الموهبة، وأصبح عدد المشاهدات قادرًا على صناعة نجم في أيام، بينما يمكن لصوت موهوب أن يظل سنوات طويلة يبحث عن فرصة، ومن هنا يأتي اسم (أحمد الجراح).

مطرب يمتلك خامة صوتية وإحساسًا وقدرة على تقديم الأغنية المصرية، وارتبط اسمه بتجارب مع كبار الموسيقيين، وكان يمكن أن يحظى بمكانة أكبر بكثير مما وصل إليه.

لكن لماذا؟.. لماذا يستطيع صوت مثل (أحمد الجراح) أن يظل بعيدًا عن دائرة النجومية، بينما تتصدر الساحة أصوات أقل موهبة من الناحية الطربية، وتحتل مساحات واسعة من الإعلام والمنصات الرقمية؟

لسنا هنا لمصادرة ذوق الناس أو إهانة أي فنان، فلكل إنسان الحق في اختيار ما يسمعه.. لكن هناك فارقًا بين ما يحبه الجمهور وبين ما تقدمه صناعة الفن للجمهور باستمرار.

رسمي فتح الله يكتب: من قتل صوت الفن الجميل؟.. (أحمد الجراح) نموذجًا والبحث عن أضواء المدينة
القضية: لماذا لا تحصل المواهب الحقيقية على الفرصة نفسها؟

مؤسسة قوية لاكتشاف الأصوات

في الماضي كانت هناك منظومة كاملة.. إذاعة تكتشف، وتلفزيون يقدم، وملحنون كبار يصقلون، وشعراء يكتبون، وفرق موسيقية ترافق المطرب، ونقاد يقيّمون، ومسرح يمنح الفنان فرصة حقيقية للوقوف أمام الجمهور.

وكانت هناك أضواء المدينة.. اسم لم يكن مجرد برنامج أو حفلات غنائية، بل كان جزءًا من ذاكرة مصر الفنية، ومن المنصات التي ساهمت في تقديم المواهب وإيصالها إلى الجمهور.

كان المطرب يدخل المسرح وهو يحمل شيئًا واحدًا مهمًا: صوته وموهبته، أما اليوم، فقد أصبح الطريق مختلفًا.. منصات التواصل الاجتماعي تحولت إلى مسرح مفتوح، والخوارزميات أصبحت شريكًا في تحديد ما يصل إلى الناس.. الأغنية التي تحقق انتشارًا سريعًا يمكن أن تصبح ظاهرة جماهيرية، حتى لو اختلف النقاد حول قيمتها الفنية.

وهنا برزت أسماء مثل (حمو بيكا وحسن شاكوش وعصام صاصا وأحمد سعد) وغيرهم، وأصبحوا جزءًا أساسيًا من المشهد الغنائي الحالي.

مرة أخرى، القضية ليست في منعهم ولا في إنكار نجاحهم الجماهيري.. القضية: لماذا لا تحصل المواهب الحقيقية على الفرصة نفسها؟

لماذا لا توجد اليوم مؤسسة قوية تتولى اكتشاف الأصوات، وتدريبها، وإنتاج أعمال لها، وتنظيم حفلات تقدمها للجمهور؟.. لماذا لا نعيد إنتاج تجربة (أضواء المدينة) بروح عصرية؟

مصر لا تزال مليئة بالأصوات الجميلة.. في المحافظات والجامعات والفرق المستقلة والمسارح الصغيرة، هناك شباب يمتلكون خامات صوتية مذهلة، وبعضهم يستطيع أن يقدم الطرب المصري بصورة أفضل من كثير من الأسماء التي تتصدر المشهد.

لكن الموهبة وحدها لم تعد كافية.. الموهبة تحتاج إلى من يراها.. والصوت يحتاج إلى من يصقله.. والفنان يحتاج إلى منتج يؤمن به.. والجمهور يحتاج إلى إعلام يعرف كيف يقدم له الفن الجيد.

لقد كان الجمهور المصري يستمع إلى الأغنية الراقية ويستمتع في الوقت نفسه بالأغنية الشعبية، ولم يكن هناك تعارض بالضرورة.. المشكلة بدأت عندما أصبحت الأعمال السهلة والسريعة هي صاحبة الحضور الأكبر، بينما تراجعت المساحات المخصصة للفن الذي يحتاج إلى وقت واستماع وتركيز.

رسمي فتح الله يكتب: من قتل صوت الفن الجميل؟.. (أحمد الجراح) نموذجًا والبحث عن أضواء المدينة
نحن بحاجة إلى إعادة بناء الجسر بين الموهبة والجمهور.. نحتاج إلى (أضواء مدينة) جديدة

بناء الجسر بين الموهبة والجمهور

لذلك لا أعتقد أن الحل هو أن نقول إن (الشعب المصري فقد ذوقه).. الشعب لم يفقد ذوقه، وإنما تغيرت الأشياء التي توضع أمامه باستمرار.. إذا أعطيت الجمهور صوتًا جميلًا، وكلمة محترمة، ولحنًا مميزًا، وإنتاجًا جيدًا، وحفلة تليق بالفنان، فسوف يستمع ويصفق ويقدر.

نحن بحاجة إلى إعادة بناء الجسر بين الموهبة والجمهور.. نحتاج إلى (أضواء مدينة) جديدة، لا تعيش على ذكريات الماضي، وإنما تستفيد من التكنولوجيا الحديثة وتستخدمها لاكتشاف المواهب بدلًا من الاكتفاء بصناعة الترند.

نحتاج إلى مشروع يقول لـ (أحمد الجراح) وأمثاله: صوتك يستحق أن يُسمع، والسؤال الأهم ليس: لماذا أصبح بعض المطربين مشهورين؟.. السؤال الحقيقي هو: كم موهبة حقيقية اختفت لأن أحدًا لم يفتح لها الباب؟

الفن المصري لا يحتاج إلى معركة بين القديم والجديد.. يحتاج إلى ميزان.. ميزان يعطي الجمهور ما يحب، وفي الوقت نفسه يقدم له ما يستحق أن يحبه، فإذا تركنا السوق وحده يقرر كل شيء، فسيظل الترند أسرع من الموهبة، أما إذا عادت المؤسسات الفنية إلى دورها الحقيقي، فقد نكتشف جيلًا جديدًا من النجوم، ونرى أصواتًا مثل (أحمد الجراح) تأخذ المكان الذي تستحقه.

مصر لم تفقد أصواتها الجميلة.. لكنها فقدت الكثير من المنصات التي كانت تعرف كيف تكتشفها وتضعها تحت الأضواء.

👀 Views:

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.