أحمد صبحي يكتب: (الحلم) الذى بدأ من شاشة صغيرة (11).. (سندريلا 2000)!


بقلم الكاتب والسيناريست: أحمد صبحي
هناك لحظات في حياة الإنسان تبدو في وقتها وكأنها نهايات مؤلمة، ثم يكتشف بعد سنوات أنها كانت مجرد أبواب أُغلقت في وجهه لكي يبحث عن أبواب أخرى أكثر اتساعًا، وهكذا كانت حكايتي في تلك المرحلة.. بدأت من شاشة صغيرة بـ (سندريلا 2000)، وامتد بين الموسيقى والقصص ومحاولات اكتشاف الذات، ثم اصطدم فجأة بحقيقة قاسية: مجموع ضعيف، ورفض من المعهد العالي للسينما، وأصوات من حولي تقول إنني لا أصلح.
لكن الأحلام الحقيقية لا تموت عند أول (لا).. أحيانًا تبدأ من هناك، وبين أوراق مكتوبة سرًا، وأغنيات تركت أثرًا في القلب، و(سندريلا 2000) التي فتحت لي بابًا إلى الكتابة للطفل، بدأت أكتشف أن الطريق إلى الحلم ليس مستقيمًا، وأن الإنسان قد يضطر إلى السقوط أكثر من مرة قبل أن يعرف إلى أين يريد أن يصل.
وفي هذه الحلقة، أحكي واحدة من أكثر مراحل الرحلة ارتباكًا.. مرحلة شعرت فيها أن الجميع يعرفون ما يجب أن أفعله، بينما كنت أنا وحدي أحاول أن أعرف من أكون، في تلك الفترة أصبحت أميل إلى الموسيقى بشكل كبير، ولا يمكن بالطبع أن أنسى الصراع الجماهيري الضخم بين (عمرو دياب ومحمد فؤاد ومصطفى قمر) في مواسم الصيف.
لكن رغم حبي لهم جميعًا، كان محمد منير شيئًا مختلفًا تمامًا بالنسبة لي.. كان لا يغني فقط.. بل يرسم بالكلمات، وفي أحد الأيام سمعت له أغنية بدت لي غريبة وساحرة في الوقت نفسه، تقول: (بفتح زرار قميصي للنسمة… وللأماني)، وشعرت وقتها أن عليّ أنا أيضًا أن أفتح قلبي للعالم.

هكذا ولدت (سندريلا 2000)
بدأت أكتب لكن ليس من أجل النشر، بل من أجل التعافي .. كنت أكتب لنفسي، لأواجه كل ما يقلقني ويؤلمني.. كتبت (الإنسان زمان ومكان)، و(شخصيات تصارع مؤلفها)، و(امرأتان)، و(كش ملك).. قصص قصيرة كثيرة تركتها داخل درج مكتبي، إلى أن قررت أن أتجه إلى الكتابة للطفل، وهكذا ولدت (سندريلا 2000).
لكن هدفي من كتابة القصة لم يكن إعادة تقديم الحكاية الشهيرة، بل الاعتراض عليها بالكامل.. كنت أرى أن سندريلا فتاة مستسلمة وضعيفة، وأن طيبتها أقرب إلى السذاجة، تنتظر المنقذ دون أن تفعل شيئًا سوى البكاء.. كنت أؤمن أن قصص الأطفال يجب أن تمنح الطفل قوة، لا استسلامًا، وأن تساعده على مواجهة الألم والرفض والتعافي منهما.
ولـ (سندريلا 2000) حكاية طويلة سأرويها لاحقًا، لكن المهم هنا أنها تحولت فيما بعد إلى مسلسل للأطفال بطولة دنيا سمير غانم وأمير كرارة وخالد أبو النجا، ومن إنتاج قطاع الإنتاج بالتليفزيون المصري، وهنا فقط بدأت أفهم حقيقة مهمة: أن كل خطوة تخطوها، مهما بدت صغيرة، ليست إلا تدريبًا لفرصة أكبر ستأتي يومًا ما.
أنهيت دراستي الثانوية وأنا أكتب لنفسي لا لأحد.. كان درج المكتب قد امتلأ بالأوراق، ولذلك اشتريت جهاز كمبيوتر وبدأت أحول تلك الأوراق إلى ملفات (وورد)، حتى أحتفظ بها من الضياع أو التلف.
ثم ظهرت نتيجة الثانوية العامة.. حصلت على 60%.. مجموع ضعيف جدًا في نظر الجميع، جعل كثيرين ينظرون إليّ بشيء من الشماتة الخفية، كأنهم يقولون: هذا هو الفتى الذي كان يريد أن يصبح كاتبًا ومؤلفًا مشهورًا؟.. إنه فاشل دراسيًا!.. لكنني كنت قد تعلمت شيئًا مهمًا.. ألا أهتم كثيرًا.
ففي أعماقي لم أكن أرغب في أن أصبح طبيبًا أو مهندسًا أو عالم ذرة.. كنت أريد شيئًا واحدًا فقط: أن أكون طالبًا في المعهد العالي للسينما، وبالفعل قدمت أوراقي إلى المعهد، واشتريت كتاب (سيناريو الفيلم السينمائي… تقنية الكتابة للسينما) تأليف أدريان برونيل وترجمة الكاتب الكبير مصطفى محرم.
كنت أستعد للاختبارات بكل ما أملك من حماس، وفي الوقت نفسه ذهبت إلى مكتب التنسيق وملأت الرغبات التقليدية كأي طالب ثانوية عامة.. تقدمت إلى المعهد بصحبة صديق لي؛ كان يحلم بدراسة الصوت، بينما كنت أنا أحلم بقسم السيناريو.

أول خطوة حقيقية
ومرت الاختبارات الأولى بشكل مبشر جدًا.. شعرت أنني أخيرًا أقف أمام الباب الحقيقي لحلمي، لكن قبل النهاية بقليل.. تم استبعادي.. وجدت نفسي مرفوضًا.. قيل لي ببساطة انت لا تصلح، أما صديقي فقد تم قبوله بالفعل..وحزنت وقتها بشدة.. شعرت بالظلم، وبأن هناك شيئًا خاطئًا، وبأن الدنيا تعاندني عمدًا.. وبدأت أقتنع أنني ربما كنت بحاجة إلى (واسطة) حتى أحصل على فرصة حقيقية.
لكن بعد أن هدأت العاصفة داخلي، أدركت الحقيقة.. كان هناك أشياء كثيرة تنقصني بالفعل.. أنا أحب السينما، وأقرأ كثيرًا، لكنني لم أكن قد أعددت نفسي بالشكل الكافي للاختبار، وفهمت وقتها أن أول خطوة حقيقية للوصول هي أن تعترف دائمًا بأن هناك شيئًا ينقصك، لكن الآخرين لم يروا الأمر بهذه الطريقة.
بدأ اللوم يحيط بي من جديد: أصحاب المهنة أنفسهم قالوا لك إنك لا تصلح.. لماذا تصر إذن؟.. كفى أوهامًا، لكن ما حدث بعد ذلك… كان مختلفًا تمامًا.. في الحقيقة، نحن لسنا منفصلين عن الأزمنة التي عشناها، لكن كل واحد منا يحمل داخله ذاكرة خاصة جدًا؛ وجعًا لا يشعر به سواه، وإحساسًا لا يمكن تكراره، وهذا ما يجعل لكل إنسان تأثيره المختلف، حتى لو تشابهت الطرق والظروف.
كنت أتساءل كثيرًا: هل كانت المرحلة التي عشناها تختلف فعلًا عما نعيشه الآن؟.. أم أنها مجرد نسخة أخرى من الوجوه نفسها؟.. صورة نظنها مختلفة، لكنها في الحقيقة تتكرر بأشكال متعددة؟
كانت تلك الأسئلة تلاحقني وأنا أقرأ، بعد أن تحولت القراءة بالنسبة لي إلى مستوى آخر تمامًا.. في تلك المرحلة بدأت أنظر إلى كل شيء بعقل وقلب مختلفين.. حتى الروايات والكتب التي كنت قد قرأتها من قبل، بدت لي غامضة وكأنني أراها لأول مرة. لذلك قررت أن أعيد القراءة من جديد، بهدوء وتأمل.
وهنا كانت الصدمة… اكتشفت أنني في الماضي لم أكن أقرأ حقًا، بل كنت أحاول القراءة.. أحاول أن أفهم، أن أجد شيئًا يجعل عقلي مختلفًا.. أما ما حدث الآن فكان بداية أخرى تمامًا.
وحين عدت إلى قراءة أعمال نجيب محفوظ شعرت كأنني شخص كان يتعلم السباحة، وحين نجح في الطفو للحظات ظن أنه قادر على اختراق البحار، لكنه مع أول موجة حقيقية أدرك أنه ما زال عاجزًا عن الاستمرار لدقائق دون أن يصرخ طالبًا النجاة.
هل تعلم ما الذي كان يملأني في تلك الفترة؟.. شعور بالسقوط.. كان هناك شيء ناقص داخلي، شيء لا أستطيع الوصول إليه، وبدأت أنظر إلى المجتمع بعين مختلفة؛ عين تحمل كثيرًا من النقد وعدم الراحة، وربما كانت تلك مشاعر شخصية وغير عادلة، لكنني لم أرَ الماضي جميلًا كما يصفه البعض.. لم يكن الزمن الذهبي الذي يتحدثون عنه، بل كان كل شيء يبدو مشوشًا ورماديًا.

كل الطرق تبدو طويلة
إذا كان لديك حلم أو هدف، فأنت لا تعرف أي طريق يجب أن تسلكه.. كل الطرق تبدو طويلة، بلا نهاية واضحة، وفي وسط هذا التشوش كان لا بد أن أجد شخصًا أستند إليه، لكنني اكتشفت شيئًا قاسيًا: لن يكون هناك شخص تستند إليه أكثر من نفسك.. وكانت تلك مرحلة شديدة الصعوبة، لأن الجميع بدأ ينتظر نهاية الرحلة.
الأب ينتظر أن تعمل.. الأم تنتظر نجاحًا تفتخر به.. الأصدقاء يسيرون في الطريق التقليدي المعروف: كلية، وظيفة، شقة، زواج.. بينما أنت ما زلت تبحث عن نفسك، وكان كثيرون ينظرون إليّ باعتباري شخصًا واهمًا، وربما كانت هناك كلمات أقسى لم تُقال لي مباشرة، لكنها كانت تصلني بشكل مستتر:
ابحث عن شيء آخر.. يجب أن يكون لديك عمل حقيقي.. الأوهام لن تصنع لك مستقبلًا، لكن كيف يمكن الهروب من كل تلك الكلمات القاسية؟.. كان الحل الوحيد بالنسبة لي أن أتظاهر بعدم التأثر.. أن أبدو قويًا.. بينما كنت في الحقيقة خائفًا بشدة من المستقبل.. ماذا لو كانوا على حق؟.. ماذا لو انتهى بي الطريق وحيدًا؟.. ماذا لو تحولت أحلامي إلى عبء لا يطيقه أحد؟