


بقلم الناقدة الدكتورة: شيماء سعيد
عالم المرأة بتفاصيله الإنسانية والنفسية حاضر بقوة في تجربة المخرجة (نادين خان) السينمائية والتلفزيونية وخاصة في مسلسلها الأخير (بنج كلي)، وهذا الاهتمام ليس جديدًا على العائلة، في ظل تجربة والدها المخرج محمد خان، الذي تناول قضايا المرأة في عدد من أفلامه.
لكن نادين لا تبدو وكأنها تكرر تجربته، فإذا كانت هذه القضايا قد قُدمت من موقع الرجل، فإن نادين تقترب منها بحكم انتمائها إلى عالمهن، وتقدمها برؤيتها الخاصة، ويأتي مسلسل (بنج كلي) للسيناريست (محمد سليمان عبد المالك) ضمن هذه التجربة.
بما يقدمه من عالم مليء بقصص النساء وتفاصيل حياتهن الإنسانية والنفسية، وهو ما منح نادين مساحة لتوظيف رؤيتها الإخراجية في الاقتراب من هذه الحكايات.
تدور أحداث (بنج كلي) داخل مستشفى الأمل، حيث تتقاطع حكايات الأطباء والمرضى والعاملين، وفي مقدمتهم د. دعاء (سلمى أبو ضيف)، طبيبة التخدير التي تختار العمل بعيدًا عن اسم والدها الطبيب الشهير، لتصطدم بالجراح د. عزازي (دياب)، وهو شخص صعب الطباع ورافض للزواج، قبل أن يتحول الصدام بينهما إلى قصة حب.
يقدم (بنج كلي) من خلال د. دعاء شخصية امرأة جريئة، لكنها لا تسلم هى الأخرى من الضغوط التي تحاصر اختياراتها المهنية، ويظهر ذلك في رغبتها في العمل بمجال الجراحة، قبل أن تصطدم بصورة نمطية ترى هذا التخصص أقرب إلى الرجال.
وهنا تبدأ في التشكيك بقدرتها على النجاح وتتراجع في النهاية عن حلمها، في خضوع لهذه الصورة النمطية، وتكشف تجربتها كيف يمكن لهذه الأفكار أن تدفع المرأة إلى التخلي عن حلمها.


صوت نسائي جريئ
كما تواجه رفض د. عزازي لوجودها في غرفة العمليات، باعتبارها امرأة لا تستطيع تحمّل ضغوط العمل، ويستمر هذا الضغط حتى يدفعها في النهاية إلى مغادرة المستشفى، ومع ذلك، تظل دعاء صوتًا نسويًا جريئًا داخل العمل، تدافع عن النساء وتحاول توعيتهن بحقوقهن في مواجهة الضغوط المفروضة عليهن.
وتظهر صورة أخرى للخضوع مع (ميسرة)، شقيقة د. عزازي، التي جسدتها الفنانة (زهرة رامي)، فتكتشف خيانة زوجها، لكنها تختار الصمت حفاظًا على صورته أمام أهلها، وتغادر منزل الزوجية إلى بيت والدتها، مدعية أن السبب هو اعتراضها على اختياره اسم المولود، بينما تخفي السبب الحقيقي.
ورغم الألم النفسي وفقدانها الثقة في زوجها، تخضع لفكرة الحفاظ على الأسرة والعودة إليه، في ظل نظرة اجتماعية شائعة تتعامل مع خيانة الرجل باعتبارها (نزوة)، وتطالب المرأة في المقابل بالتحمل والتجاوز حفاظًا على استقرار الأسرة.
أما (نادية) الممرضة، التي جسدتها الفنانة السورية (ناندا محمد)، فتواجه ضغطًا آخر يكشف كيف يمكن لسطوة الرجل أن تتحول إلى وسيلة للسيطرة على المرأة وسلبها حقها في الاختيار، إذ يضغط عليها أحد أقاربها، المعروف بسوء سلوكه للارتباط به.
وللأسف تخضع هى وأسرتها لتهديده وتوافق، ثم يطلب منها سرقة أدوية مخدرة من المستشفى، فتدفعها شدة الخوف إلى التفكير في تنفيذ طلبه، قبل أن تتخلص منه بخطة تضعها الدكتورة دعاء، لتتمكن أخيرًا من الخروج من قبضته.
ويظهر الضغط على جسد المرأة في السعي إلى تغييره لإرضاء الرجل، من خلال نموذج فتاة تلجأ إلى عملية التكميم خوفًا من خسارة خطيبها، رغم أن وزنها لا يمثل زيادة كبيرة، بينما يضعها هو باستمرار في مقارنة مع صور الفتيات صاحبات الأجساد المثالية على مواقع التواصل.
وتتدخل د. دعاء لتدفعها إلى التراجع، وتلفت نظرها إلى أن الرجل الذي يطلب منها تغيير جسدها لم يأتِ حتى ليطمئن عليها، وأن الاستجابة لرغبته لا تضمن استمرار العلاقة، وهنا يطرح المسلسل سؤالًا أوسع حول تحويل جسد المرأة إلى وسيلة لإرضاء الرجل والحفاظ عليه.
وفي حكاية أخرى من مسلسل (بنج كلي)، يتجسد العنف الجسدي في زوجة تصل إلى المستشفى بذراع مكسورة إثر اعتداء أهل زوجها عليها، قبل أن يستكمل الزوج نفسه الاعتداء، والأشد قسوة أنها ترى ما حدث أمرًا عابرًا، وكأن الأمر لا يتجاوز (خناقة) عائلية، ليكشف المسلسل كيف يمكن للعنف أن يصبح مألوفًا إلى درجة يُنظر إليه باعتباره أمرًا طبيعيًا داخل العلاقة.


تُهميش المرأة داخل العلاقة
يطرح مسلسل (بنج كلي) فكرة تهميش المرأة داخل العلاقة، حين تتحول مشاعرها واحتياجاتها إلى مساحة يستغلها الرجل لمصلحته، بينما يظل هو صاحب القرار في تحديد شكل العلاقة ومسارها، وتجسد (أمنية) طبيبة الأطفال في مستشفى الأمل، والتي جسدتها الفنانة (علا رشدي) هذا المعنى، فهي تمنح د (هيمن) وقتها وجهدها وتسانده في أبحاثه.
لكنه يتجاهل مشاعرها ويستفيد من تعلقها به دون أن يبادلها التقدير نفسه، وحين تدرك أن ما تقدمه لا يدفعه إلى الاقتراب منها، تلجأ إلى إيهامه بارتباطها بآخر وإثارة غيرته، حتى تحفزه على خطبتها، هكذا تكشف الحكاية عن امرأة تضطر إلى المناورة حتى يلتفت الرجل إلى قيمتها.
وتأخذ فكرة تهميش المرأة داخل العلاقة شكلًا آخر في حكاية زوجة ترافق زوجها المريض إلى المستشفى، لتكتشف هناك أنه متزوج دون علمها، وهنا لا تكمن المشكلة في الزواج الثاني وحده، وإنما في أن الزوج حرمها من حقها في معرفة حقيقة تمس حياتها، وتركها تعيش سنوات إلى جواره من دون أن تعرف أن حياتها الزوجية لم تكن كما تظن.
ومن ثم تنهار أمام حقيقة اكتشفتها متأخرة، بعدما وجدت أن قرارًا غير حياتها اتُّخذ من دون علمها أو اختيارها.
استطاعت (نادين خان) التعبير عن الحكايات السابقة من خلال تفاصيل إخراجية دقيقة، من أبرزها توظيف الصورة المائلة أو المقلوبة لتجسيد حالة عدم الاتزان التي تسيطر على عالم (بنج كلي)، فهذه الصورة تعكس ما يشهده مستشفى الأمل من أزمات وسلبيات.
وفي الوقت نفسه تعبّر عن الضغوط والمعاناة التي تعيشها النساء داخل المستشفى، سواء من خلال حكايات المرضى أو الطبيبات، لتصبح زاوية الكاميرا جزءًا من التعبير عن عالم مضطرب تتقاطع داخله الأزمات المهنية والاجتماعية والإنسانية.
واعتمدت نادين في كادراتها على لقطات قريبة (كلوز أب) بشكل لافت، لرصد توتر النساء وخوفهن ومشاعرهن المضطربة، ومع أن بعض السيدات المشاركات في العمل من الوجوه غير المعروفة للجمهور، جاء أداؤهن صادقًا وبعيدًا عن التصنع.
كما عكست الملابس بساطة الشخصيات وطبيعة حياتهن، بما ينسجم مع أجواء المستشفى الحكومي، وتتكامل هذه التفاصيل لتمنح (بنج كلي) واقعية واضحة، تكشف أوجاع المرأة في تفاصيل الحياة اليومية بصدق وإنسانية.