رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

من ريف مصر إلى فينيسيا.. (البرّانية) يفتح نافذة جديدة للسينما المصرية والعالمية!

من ريف مصر إلى فينيسيا.. (البرّانية) يفتح نافذة جديدة للسينما المصرية والعالمية!
شهد عرضه العالمي الأول، يوم 3 سبتمبر 2026، ضمن برنامج أيام المؤلفين (Venice Days)

كتب: مروان محمد

من قرية مصرية صغيرة إلى واحدة من أهم منصات السينما في العالم.. هكذا بدأت رحلة (البرّانية)، أول فيلم روائي طويل للكاتبة والمخرجة المصرية – الهولندية أشجان الهمص، بعدما شهد عرضه العالمي الأول، يوم 3 سبتمبر 2026، ضمن برنامج أيام المؤلفين (Venice Days) في الدورة الـ 83 من مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي، بحضور المخرجة والمنتج فرانك هوفه وبطلة الفيلم ريم عامر.

أقيم العرض في الحادية عشرة صباحًا بقاعة Sala Perla، وأعقبه لقاء مع صناع الفيلم، بعد العرض المخصص للصحافة وصناعة السينما الذي أقيم في اليوم السابق بقاعة Sala Corinto، لتبدأ بذلك رحلة الفيلم مع الجمهور والنقاد وصناع السينما في واحد من أبرز المهرجانات العالمية.

يأخذ (البرّانية) المشاهد إلى قلب الريف المصري، من خلال حكاية حميمة تضع الأسرة والأرض والهوية والتحولات الاجتماعية في قلب الصراع، حيث تجسد ريم عامر شخصية (أمل)، وهي امرأة حامل تعيش مع عائلتها في قرية (البرّانية) خارج القاهرة، قبل أن تتغير تفاصيل حياتهم اليومية عندما يُعرض عليهم بيع أرض العائلة.

وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.. فالأرض ليست مجرد قطعة من التراب يمكن بيعها، وإنما ترتبط بالذاكرة والانتماء وتاريخ الأسرة، بينما يتحول العرض الجديد إلى اختبار حقيقي لمستقبل أفرادها، ويكشف اختلاف رؤيتهم لما تعنيه الحياة التي عاشوها طوال السنوات الماضية.

ومع تصاعد النقاشات والخلافات، تجد (أمل) نفسها أمام سؤال لم يكن حاضرًا بهذا الوضوح من قبل: هل تتمسك بالحياة التي تعرفها، أم تجرؤ على تخيل حياة أخرى؟

ابنة العم القادمة من القاهرة.. يزداد الصراع مع وصول ابنة عمها (رانيا) من القاهرة، حاملة معها صورة مختلفة تمامًا عن الحياة؛ صورة ترتبط بالمدينة والاستقلال ووسائل التواصل الاجتماعي، وتفتح أمام (أمل) نافذة على عالم آخر لم تختبره من قبل.

من ريف مصر إلى فينيسيا.. (البرّانية) يفتح نافذة جديدة للسينما المصرية والعالمية!
(البرّانية) هو أول فيلم روائي طويل لأشجان الهمص، بعد تجربتين لافتتين في الأفلام القصيرة والمتوسطة

استعانة أشجان الهمص

وهنا لا يصبح الصراع بين القرية والمدينة مجرد اختلاف في المكان، وإنما يتحول إلى مواجهة بين نمطين من التفكير والحياة، وبين التمسك بالجذور والرغبة في اكتشاف احتمال جديد للمستقبل، وهذا ما يمنح الفيلم بعده الإنساني؛ لأنه لا يقدم أحد الطرفين باعتباره الحقيقة المطلقة، وإنما يترك الشخصيات تتصارع مع اختياراتها وخوفها ورغباتها.

من أكثر الاختيارات الفنية لفتًا للانتباه في (البرّانية) استعانة أشجان الهمص بعدد من أفراد عائلتها للمشاركة في الفيلم، مستفيدة من الروابط الحقيقية التي تجمعهم أمام الكاميرا، وفي المقابل، تقف ريم عامر بوصفها الممثلة المحترفة الوحيدة في الفيلم، لتؤدي شخصية (أمل) وسط مجموعة من المشاركين الذين ينتمون إلى الدائرة العائلية للمخرجة.

(البرّانية) هو أول فيلم روائي طويل لأشجان الهمص، بعد تجربتين لافتتين في الأفلام القصيرة والمتوسطة، فقدمت فيلمها القصير BIRDLAND عام 2020، الذي حصد الجائزة الكبرى لمدينة بريست في مهرجان بريست الأوروبي للفيلم القصير، ثم فيلم LOIS LANE عام 2021، الذي جاء ضمن سلسلة الأفلام الهولندية المختارة Onze Straat.

ومن هنا تبدو تجربة (البرّانية) امتدادًا لمسار مخرجة بدأت من مساحة الفيلم القصير، قبل أن تنتقل إلى الفيلم الروائي الطويل، حاملة معها اهتمامًا واضحًا بالإنسان والعائلة والهوية والأسئلة الاجتماعية.

ربما تكون الأرض هى الشخصية غير المرئية التي تحرك الكثير من أحداث (البرّانية)

فما يبدو في البداية عرضًا لبيع قطعة أرض، يتحول إلى سؤال عن معنى الانتماء: ماذا نفعل عندما تصبح جذورنا مرتبطة بقرار اقتصادي؟ وهل يمكن للإنسان أن يبيع المكان الذي صنع ذاكرته؟

ومن خلال (أمل) وأسرتها، يبدو أن الفيلم يبحث في المسافة بين الاحتفاظ بالماضي والرغبة في المستقبل، وبين ما ورثناه وما نريد أن نصنعه بأنفسنا.

ولهذا لا يبدو الصراع مجرد خلاف عائلي حول البيع، وإنما صراعًا بين رؤيتين للحياة.

من ريف مصر إلى فينيسيا.. (البرّانية) يفتح نافذة جديدة للسينما المصرية والعالمية!
من (البرّانية) إلى فينيسيا.. لم تسافر الأرض وحدها، وإنما سافر معها سؤال الإنسان المصري

قوة السينما الحقيقية

أهمية (البرّانية) لا تتوقف عند كونه فيلمًا مصريًا يعرض في فينيسيا، وإنما في كونه يقدم تفاصيل شديدة المحلية من داخل الريف المصري إلى جمهور عالمي، وهنا تكمن قوة السينما الحقيقية.

فالسينما لا تحتاج إلى أن تتخلى عن خصوصية المكان حتى تصل إلى العالم؛ أحيانًا تكون الطريق إلى العالمية هي أن تحكي حكاية محلية بصدق، وأن تجعل تفاصيلها الإنسانية قابلة للفهم خارج حدود المكان.

وقد سبق أن حظي الفيلم باهتمام قبل عرضه العالمي، بعدما أُعلن اختياره ضمن برنامج (أيام المؤلفين)، وهو البرنامج الذي منح المشروع بوابة مهمة للظهور أمام الوسط السينمائي الدولي.

أما ريم عامر، فتكتسب مشاركتها أهمية خاصة، لأنها تحمل شخصية (أمل) إلى واحدة من أهم شاشات السينما العالمية، والمفارقة أن بطلة الفيلم تقف داخل الحكاية أمام سؤال البحث عن حياة أخرى، بينما تقف الممثلة نفسها خارج الحكاية أمام تجربة جديدة في مسيرتها، وهي المشاركة في عرض عالمي أول داخل مهرجان فينيسيا، وهكذا يتقاطع الواقع بالفن بطريقة شديدة الدلالة.

العرض العالمي الأول في فينيسيا لا يمثل نهاية رحلة (البرّانية)، وإنما بدايتها الحقيقية أمام جمهور دولي، فبعد أن خرج الفيلم من ريف مصر إلى فينيسيا، تبدأ الآن رحلة أخرى؛ رحلة المهرجانات والجمهور والنقاد والأسواق السينمائية، بحثًا عن المساحة التي يستطيع من خلالها أن ينقل حكايته إلى دوائر أوسع.

واللافت أن الفيلم لا يقدم مصر باعتبارها خلفية سياحية، وإنما يقدمها بوصفها مجتمعًا حيًا له تناقضاته وأسئلته وتغيراته، وهذه هي قيمة التجربة.. أن تذهب بالقرية المصرية إلى فينيسيا دون أن تفقد القرية ملامحها.. أن تتحدث عن الأرض دون أن تتحول الأرض إلى مجرد ديكور، وأن تجعل قصة امرأة حامل تعيش في قرية صغيرة سؤالًا عن الهوية والحياة والاختيار يمكن أن يصل إلى متفرج يجلس آلاف الأميال بعيدًا عنها.

من (البرّانية) إلى فينيسيا.. لم تسافر الأرض وحدها، وإنما سافر معها سؤال الإنسان المصري: ماذا يحدث عندما يصبح المستقبل على الجانب الآخر من جذورنا؟

👀 Views:

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.