

بقلم الكاتب الصحفي: محمود حسونة
عندما يفتح مسلسل درامي أبواباً كثيرة في وقت واحد، من دون أن يملك شجاعة الدخول إلى أي منها حتى النهاية، فإنه لا يبدو ثرياً بقدر ما يبدو مرتبكاً؛ وهذه هي المعضلة الأساسية في (بنج كلي) الذي انتهى عرضه على إحدى المنصات قبل أيام.
(بنج كلي) عمل يملك موقعاً درامياً بالغ القوة، ومجموعة من القضايا القابلة لصناعة دراما حقيقية، لكنه يبدد معظم هذه الإمكانات في مطاردة موضوعات متجاورة، بدلاً من بناء قضية مركزية تمنح الحكاية اتجاهاً ومعنى.
مستشفى الأمل الحكومي ليس مجرد خلفية للأحداث، بل عالم مكتمل يصلح لأن يكون بطلاً قائماً بذاته، فيه يلتقي الفقير بالثري، والمخلص بالانتهازي، والطبيب الذي يرى المهنة رسالة، بآخر يتعامل معها باعتبارها سلطة ومصدراً للنفوذ والمال بل ومصدر للإدمان.
إنه المكان الذي يقف فيه الإنسان عارياً أمام ضعفه، ويسلم جسده وعقله للطبيب، ثم ينتظر منه أن يقرر مصيره، لذلك كان يمكن لـ (بنج كلي) أن يقدم دراما قاسية عن الطب والطبقات والضمير، لكنه اختار الطريق الأسهل: أن يطرح كل شيء، من دون أن يمنح قضية واحدة ما يكفي من العمق.
القضية الأهم التي كان ينبغي أن يتوقف عندها المسلسل هى التفاوت بين الأطباء؛ ليس التفاوت في الدخل أو المكانة فقط، وإنما التفاوت في معنى المهنة نفسها، وفي الثمن الذي يدفعه الطبيب حين يصر على التعامل مع الطب باعتباره رسالة، أو حين يحوله إلى مشروع استثماري.
هنا يأتي نموذج الدكتور رفعت سلماوي، الذي يؤديه كمال أبو رية، الطبيب المستثمر وفي مواجهته ابنته طبيبة التخدير دعاء (سلمى أبو ضيف) المؤمنة بالطب كرسالة والرافضة العيش في عباءة والدها، وأيضاً الدكتور فؤاد مدير المستشفى الحكومي (محسن محيي الدين)، الذي أفنى حياته في خدمة المرضى.
لكنه يجد نفسه عاجزاً عن تأمين أبسط احتياجاته الصحية بل ويرفض العلاج من مرض خطير يعاني منه مفضلاً الهرولة إلى الموت؛ وأيضاً الدكتور عزازي رئيس قسم الجراحة الذي لا يشغله سوى عمله بعد إصابته بعقدة من النساء والزواج.


قدرة الطبيب على استثمار موقعه
كان هذا الصراع يصلح لأن يكون العمود الفقري لمسلسل (بنج كلي) كله، فمثلاً رفعت وفؤاد ليسا شخصيتين متعارضتين فقط، بل إجابتان عن سؤال واحد: هل يستطيع الطبيب أن يظل وفياً لمثاليته من دون أن يتحول إلى ضحية؟ وهل أصبح النجاح في مهنة الطب مرتبطاً بقدرة الطبيب على استثمار موقعه أكثر من ارتباطه بأداء رسالته؟
المسلسل لم يجرؤ على الذهاب بهذا الصراع إلى نهايته، والتعمق في تحويل العديد من الأطباء مهنتهم إلى تجارة وبيزنس، وانشغل بقضايا أخرى كثيرة منها: السمنة، والتنمر، والتشدد الديني، وعقوق الوالدين، والعلاقات العاطفية داخل المستشفى، ومعاناة العاملين من ضعف الرواتب.. وهى قضايا مهمة بلا شك، لكنها ظهرت في معظم الأحيان كجزر منفصلة، لا كأجزاء من بناء درامي واحد.
حتى قضية كشف المستور تحت تأثير البنج، وما تثيره من سؤال حول سرية المريض وواجب الطبيب في الإبلاغ عن جريمة، بدت كفكرة مثيرة أكثر منها امتداداً لصراع أخلاقي متكامل! كان يمكن أن تصبح هذه الحكاية اختباراً حقيقياً لمبادئ الأطباء، لكنها مرت سريعاً، مثل كثير من الأفكار التي يطرحها العمل ثم يتخلى عنها قبل أن تكتسب وزنها.
مسلسل (بنج كلي) أثار غضباً لدى أطباء وانتقدته ممرضات ونهايته المبتورة أغضبت متابعين له والتعديلات التي أدخلها السيناريست كانت محل انتقاد د. دعاء جلال صاحبة كتاب (حكايات من غرف العمليات) المستلهم منه المسلسل، والتي اعتبرت أن الأطباء الذين انتقدوه على حق، والنتيجة أن المسلسل انتقده كل المعنيين بما يطرحه ولم ينل سوى رضا بعض صناعه وبعض المعجبين بهم.
شخصية دعاء، التي تؤديها سلمى أبو ضيف، كان يمكن أن تكون مركزاً ممتازاً للصراع بين الامتياز والاختيار.. هى ابنة طبيب ذي مكانة، وتحاول أن تثبت نفسها بعيداً عن اسم والدها، فتختار العمل في مستشفى حكومي باعتباره مكاناً يخدم الفقراء.
الفكرة جذابة، لكن تنفيذها جاء مباشراً ومثالياً أكثر مما ينبغي. لم نرَ بما يكفي صراع الشخصية الداخلي بين الامتياز الذي تنتمي إليه، والرغبة في التحرر منه، ولا كيف يؤثر هذا الصراع في علاقتها بوالدها وزملائها ومرضاها.


سلمى أبو ضيف تمتلك حضوراً واضحاً
بدا واضحا أن سلمى أبو ضيف تمتلك حضوراً واضحاً وقدرة على التعبير الصامت، لكنها بدت أحياناً أسيرة شخصية مكتوبة من الخارج، لا شخصية تتطور من الداخل؛ كانت تحتاج إلى مساحة أكبر للشك والتردد والانكسار، لا أن تظل في معظم الوقت ممثلة لفكرة (الطبيبة المثالية).
أما دياب، فقدم حضوراً متماسكاً، ونجح في منح شخصية عزازي قدراً من الهيبة والبرود، لكنه لم يحصل على كتابة تسمح له بمزيد من الابداع لتأتي شخصية الطبيب في بعض الأحيان تشبه شخصيات قدمها من قبل.
في المقابل، كان كمال أبو رية ومحسن محيي الدين وسلوى محمد علي من أكثر عناصر العمل إقناعاً وألقاً.
على مستوى الكتابة، يتحمل (محمد سليمان عبد المالك) المسؤولية الأكبر عن هذا التشتت. لا يمكن إنكار أنه صاحب خيال واسع، وأنه يعرف كيف يلتقط قضايا اجتماعية قابلة للإثارة، كما يملك حساً جيداً في ابتكار المواقف التي تصلح لبداية حكاية، لكن المشكلة أنه لا يمنح هذه الحكايات دائماً ما يكفي من البناء والتطور. يفتح الملفات بكفاءة، ثم يتركها قبل أن تتحول إلى أسئلة درامية حقيقية.
الحوار أيضاً جاء في كثير من المواضع مباشراً ومسطحاً، يشرح مواقف الشخصيات بدلاً من أن يكشفها، ويعلن الصراع بدلاً من أن يجعله يتولد من التفاعل.
المخرجة (نادين خان)، قدمت إخراجاً يعرف كيف يحافظ على شكل العمل، لكنه لم ينجح دائماً في تحويل المستشفى إلى فضاء نابض بالضغط والخطر.. بعض الاختيارات البصرية، مثل المشاهد المقلوبة والدوارة، بدت أقرب إلى استعراض شكلي منها إلى ضرورة درامية.فحين تكون الكتابة غير قادرة على صناعة الانقلاب، لا تنقذها زاوية تصوير مختلفة.. الإخراج كان يحتاج إلى اقتصاد أكبر، وإلى ثقة في الشخصيات والمواقف بدلاً من اللجوء إلى علامات بصرية مباشرة.
الطب مهنة ورسالة تم تناولها في عدد من الأعمال الدرامية عالمياً، ولكن الذي ترك أثراً عند الجمهور هو المسلسل الإنجليزي The Good Doctor الذي نجح في بناء محور واضح حول شخصية شون مورفي، وجعل كل ما حوله يخدم رحلة درامية محددة.. في (بنج كلي)، ظل المستشفى مزدحماً بالحكايات، لكنه لم يتحول إلى عالم له قانون داخلي واضح.
في النهاية، لم يفشل (بنج كلي) لأنه يفتقر إلى الأفكار، بل لأنه يملك أفكاراً أكثر مما يملك قدرة على تنظيمها.. المسلسل خرج من غرفة العمليات الدرامية من دون جرح حقيقي، ومن دون قضية مكتملة.. (بنج كلي) ليس عملاً فقيراً، بل عمل مبذر؛ أضاع أفضل ما لديه في الزحام، وترك قضاياه الكثيرة تنزف وحدها خارج الشاشة.