رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

بهاء الدين يوسف يكتب: (إعلاميون) عابرون للعصور !

بهاء الدين يوسف يكتب: (إعلاميون) عابرون للعصور !
هذا النموذج يسمى في علم الإعلام في الغرب (صحفي البلاط)، أو Courtier Journalist

بقلم الكاتب الصحفي: بهاء الدين يوسف

أتابع طوال الفترة الماضية باعجاب شديد وانبهار أشد، تحولات بعض (إعلاميون) السياسية، وانتقالهم السلس، الذي يحسدون عليه، من أقصى اليمين إلى أبعد نقطة في اليسار، أو العكس دون أن يظهر على اي منهم ولو علامة بسيطة تكشف معاناته من ارهاق الانتقال،  مثل اللهاث او كرشة النفس خصوصا ان معظم هؤلاء من المسنين.

هذا النموذج يسمى في علم الإعلام في الغرب (صحفي البلاط)، أو Courtier Journalist، واسميهم أنا (إعلاميون عابرون للعصور)، وهى صفة أو لنقل ميزة يتمتع بها القليلون جدا، ليس التحول في حد ذاته، وإنما في قدرة المتحول على اقناع السلطة الجديدة بأنه خير من يتحدث باسمها ويدافع عنها.

لابد وأن نعترف بأنها ميزة عظيمة أن يطبق امثال هؤلاء النظرية الفيزيائية الشهيرة (لكل فعل رد فعل مساو له في المقدار ومضاد له في الاتجاه) على أدائهم الإعلامي، فنجدهم أمس يدافعون عن سلطة ما ولتكن فترة حكم مبارك بحماس وحرقة تقطع القلوب.

ثم يسقط مبارك، فينطلقون بنفس مقدار الحماس لكن في الاتجاه المضاد ليتغزلوا في تجربة الإخوان، ويتبارى بعضهم في الحديث عن  كونه ابن المشروع الإسلامي، وقبل أن يضعوا رؤوسهم على مخداتهم ليلا يتحولون مرة ثالثة لتمجيد السيسي وربط سنة الاخوان بكل نقيصة حدثت او سوف تحدث في المستقبل القريب.

كل ما سبق نتاج صفات ربما بعضها فطري والآخر مكتسب عبر سنوات طويلة من التدريب، لكن ليس مدهشا بالنسبة لي على الأقل، وإنما ما يدهشني هو اقتناع كل السلطات المتعاقبة بولاء هؤلاء العابرين للعصور، وعدم ممانعتها في تقريبهم الإغداق عليهم بالعطايا و المناصب والتعيينات.

في الغرب يمثل الإعلامي المثير للجدل بيرس مورجان نموذجا مشابها للإعلامي العابر للانتماءات، لكن الفارق أن تغيير الولاء هناك يكون للأحزاب والتيارات، بينما في مصر يكون غالبا للأشخاص، كما أن تغيير الجلد الإعلامي في الغرب يكون معلنا ومكشوفا لا يتستر خلف ورقة توت الوطنية كما يحدث عندنا.

بهاء الدين يوسف يكتب: (إعلاميون) عابرون للعصور !
شخصنة الخلاف السياسي، والمزايدة الدائمة على ولاء، أنا وطني لأنك خائن، أنا مع الدولة لأنك ضدها

القدرة على شخصنة الخلاف السياسي

وقد عبر عنه مورجان نفسه حين سئل عن سبب تنقله من الدفاع عن العمال لتبني آراء رجال الأعمال فأجاب ببساطة “أنا مع من يسمح لي بالبقاء على الشاشة”.

أجريت بحثا سريعا عن الصفات التي يجب أن يمتلكها (إعلاميون) عابرون للعصور، ووجدت أنها سبع صفات، أهمها قدرته على شخصنة الخلاف السياسي، والمزايدة الدائمة على ولاء، أنا وطني لأنك خائن، أنا مع الدولة لأنك ضدها، وهذا الإطار الذهبي من الوطنية الزائفة يسمح له بالانتقال بين العصور والسلطات المتعارضة بسهولة تحت شعار الوطن.

كما أنه يستطيع الاستثمار في العاطفة مثل صراخه من الظلم أو بكائه على الهواء، تهديد بالاستقالة، وللحقيقة فأن عمرو أديب أستاذ في إدراك أن الانفعال يغطي التناقض.

الصفة الثالثة مهمة في كونها تقدم تفسيرا لاستمرار قرب (صحفي البلاط) من السلطات المتعاقبة، هي امتلاكه أرشيف وملفات ومعلومات عن الجميع، هو قريب من الأجهزة، ومن رجال أعمال، يعرف من سرق ومن خان، وهذه هي بوليصة تأمين بقائه، السلطة الجديدة تحتاجه لأنه يعرف أين دفن الجثث القديمة.

رابع الصفات هي القدرة على الفصل بين القناعة والأداء، فهو يستطيع أن يكون مقتنعاً بشيء في حياته الخاصة، لكنه يؤدي على الشاشة دوراً آخر تماماً، والصفة الخامسة التي يمتلكها هؤلاء العابرين ما يمكن تسميتها “السيولة الأيديولوجية”، فهو يستطيع بسهولة أن يجد في كل نظام شيئاً يستحق الدفاع عنه.

الصفة الخامسة التي يجب أن يتمتع بها الـ (إعلاميون) العابرون للعصور قدرتهم على قراءة ميزان القوة مبكرا، فهو لا ينتظر سقوط النظام، وإنما يشم رائحة السقوط قبلها بشهور، والصفة السادسة أن يملك قدرة خطابية فذة تعوض مرونة موقفه الأخلاقي وهو ما يمكنه من أن يدافع اليوم على عكس ما دافع عنه أمس بنفس الحماس ونفس الجمل الإنشائية.

والصفة السابعة هي الرهان الدائم على ذاكرة السمكة عند المشاهدين، الناس لا تتذكر ما قاله قبل عشر سنوات، وحتى إذا تذكروا سيرد بأنه كان مخدوعا ثم اكتشف الحقيقة، مراهنا على أن الجمهور يحب قصة التائب أكثر من قصة الثابت.

في النهاية قدمت لك سر الخلطة لكي تكون أنت أيضا إعلاميا عابرا للعصور، بشرط أن تعمل من الآن على اكتشاف ما تمتلكه من هذه الصفات السبعة، وما ينقصك منها وتحتاج لاكتسابه، لكن تذكر فقط أن ليس كل إنسان يمكنه أن يتمتع بتلك الصفات الفريدة.

👀 Views:

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.