


بقلم الكاتب الصحفي: محمد حبوشة
الثابت في الدراما أن هناك جرائم تصدمك لأنها بشعة، وجرائم أكثر خطورة لأنها لا تكتفي بإخافتك.. بل تجبرك على النظر في المرآة!.. وهذا تحديدًا ما فعله مسلسل (لعبة جهنم)؛ فهو لا يقدم جريمة صادمة لمجرد صناعة الإثارة، أو تشريح للنفس الإنسانية فحسب.
وإنما يفتح مشرطًا حادًا في جسد مجتمع تتجاور داخله الضغوط والفقر والابتزاز والطمع والانهيار الأخلاقي، لتظهر الحقيقة الأكثر قسوة: المجرم لا يولد دائمًا مجرمًا، لكنه قد يتحول إلى وحش عندما تتساقط حوله آخر طبقات الردع والضمير في بركة آسنة.
لكن وسط هذه العتمة الثقيلة، يخرج (محمد فراج) بأداء خرافي مذهل؛ أداء لا يكتفي بتجسيد شخصية متورطة في الجريمة، وإنما يغوص داخل أعماق إنسان يتهاوى أمام أعيننا، فيجعلنا نرى الخوف قبل الجريمة، والتردد قبل السقوط، والانهيار قبل أن يتحول إلى فعل لا يمكن التراجع عنه، وذلك بلغة جسد فائقة الجودة.
إنها حكاية جريمة.. نعم، لكنها في جوهرها حكاية مجتمع يكتشف أن أخطر ما يخشاه ليس الوحش الذي يعيش خارجه، وإنما الوحش الذي يمكن أن تصنعه ظروفه داخل الإنسان، عندما يحاصرة الفقر والمرض النفسي.
فالمسلسل، باعتباره أولى حكايات مشروع (القصة الكاملة)، لا يدخل عالم الجريمة من باب الخيال المحض، وإنما يستند إلى واقعة حقيقية هزت المجتمع المصري، ويضعها في قالب درامي قصير يجمع بين الجريمة والغموض والرعب والتشويق في قالب لا يمكن تخيله.

الصورة غير التقليدية للمجرم
ثلاث حلقات فقط، لكنها محملة بقدر كبير من القلق والأسئلة حول التكنولوجيا، والابتزاز، والاحتياج، وسهولة انزلاق الإنسان من منطقة الخطأ إلى منطقة الجريمة، لكن وسط كل هذا الظلام، هناك اسم يفرض نفسه بقوة: محمد فراج، فإذا كان (لعبة جهنم) يقدم جريمة صادمة، فإن فراج يقدم لنا شيئًا أكثر أهمية: دراسة نفسية لشخصية تتآكل من الداخل أمامنا.. ليست جريمة على الشاشة.. وإنما سقوط إنسان في الظلام.
أخطر ما في (لعبة جهنم) أن الجريمة لا تبدأ بجريمة، وهذه واحدة من أهم نقاط قوة الحكاية.. حيث نلتقي بشخصية (الشيخ علاء/ محمد فراج)، رجل يبدو في البداية بعيدًا تمامًا عن الصورة التقليدية للمجرم.. رجل متدين، هادئ، له صورته الاجتماعية وحياته الخاصة، لكنه في المقابل يحمل أزمات وضغوطًا تجعله هشًا أمام الإغراء والابتزاز المادي.
وفي الجانب الآخر يظهر (سليم/ عمر رزيق)، الشاب شديد الذكاء المنغمس في التكنولوجيا، والذي يحول العالم الرقمي إلى مساحة للسيطرة على الآخرين، ويبدأ في دفع علاء خطوة بعد أخرى نحو منطقة أكثر ظلمة عبر الدراك ويب.
وهنا لا يصبح السؤال: (من هو المجرم؟)، وإنما: (في أي لحظة يصبح الإنسان مستعدًا لأن يفعل ما كان يعتقد أنه مستحيل؟)، وهذه النقطة تحديدًا هى التي تجعل (لعبة جهنم) أكثر من مجرد مسلسل عن جريمة.. إنها حكاية عن الانهيار الأخلاقي التدريجي.. فالإنسان لا يستيقظ صباحًا ليقرر فجأة أن يصبح قاتلًا محترفا، أو رغما عن إرادته.
هناك دائمًا خطوة أولى، ثم خطوة ثانية، ثم تبرير.. ثم خوف.. ثم ابتزاز.. ثم يصبح الرجوع إلى الوراء أصعب من الاستمرار في الطريق.. هنا تكمن اللعبة الحقيقية.. محمد فراج لا يؤدي شخصية علاء باعتباره (شريرًا) جاهزًا.. وهذا هو سر قوته بإداء خرافي واحترافي.
لو قدم الشخصية باعتبارها مجرمًا منذ اللحظة الأولى، لانتهى جزء كبير من تأثيرها.. لكن فراج يفعل العكس.. يجعلك ترى الإنسان قبل أن ترى الجريمة.. تقرأ الخوف في عينيه.. تلاحظ التردد.. تلمح محاولة الإقناع الداخلي.. وترى تلك اللحظة التي يبدأ فيها الإنسان بإيجاد مبررات لنفسه حتى يستطيع الاستمرار في الحياة على مرارتها.
هذه ليست بطولة تعتمد على الانفعالات الصاخبة.. إنها بطولة تعتمد في جانب كبير منها على العيون والصمت والتوتر الداخلي، وفراج من الممثلين القادرين على استخدام الوجه باعتباره مساحة للتمثيل.. نظرة واحدة منه يمكن أن تقول ما لا تقوله صفحة كاملة من الحوار، وهذا ما فعله فراج بصدق.
وكذلك الحال مع الطفل (منذر مهران/ حسن)، الذي قدم أداء متطورا تفوق على دوريه في (جزيرة غمام، وجودر)، وقد تمتع بعفوية جسدت البراءة في جل صورها الإنسانية لطفل لم يدرك حجم الكارثة التي يمكن أن تلحلق به، وأيضا لمسنا أداء بارعا من جانب (يحيى أحمد) في دور الأب المريض والملكوم على ابنه الذي راح ضحية بلا ثمن.

محمد فراج قدم دورا رائعا
وحين يلتزم الصمت، تشعر أن الشخصية تفكر.. وحين يتحدث، تشعر أن الكلام ليس بالضرورة ما يقوله فعلًا، وإنما ما يحاول إقناع نفسه بأنه صحيح.. وهنا يمكن القول إن محمد فراج قدم واحدًا من أكثر أدواره إثارة للاهتمام في منطقة الشخصيات المأزومة نفسيًا بحرفية عالية.
اختيار المظهر الخارجي للشخصية من جانب (محمد فراج) يحمل دلالة مهمة.. علاء ليس شخصية يمكن للمشاهد أن يضعها بسهولة في خانة (الشر)، وهذا يجعل الانقلاب أكثر إزعاجًا، لأن المسلسل يقول لنا ببساطة: الشر لا يأتي دائمًا بوجه شرير.. قد يأتي في صورة شخص مألوف.. قد يجلس إلى جوارك، وقد يبدو للآخرين شخصًا صالحًا، بينما يخوض في داخله معركة لا يعرفها أحد سواه.
وهنا يصبح أداء فراج قائمًا على تفكيك المسافة بين الصورة الاجتماعية والحقيقة الداخلية، وهي مساحة تمثيلية صعبة؛ لأن الممثل لو بالغ فيها تحولت الشخصية إلى كاريكاتير، ولو هدأ أكثر من اللازم فقدت الرحلة الدرامية تأثيرها.. لكن فراج يجد في معظم اللحظات درجة مناسبة من التوتر، بلغة جسد وعيون معبرة للغاية.
في المقابل، يقدم عمر رزيق شخصية سليم، وهو أحد أكثر عناصر الحكاية إثارة للقلق، فإذا كان علاء يمثل الإنسان الذي يسقط، فإن سليم يمثل الشخص الذي يدفعه إلى السقوط.. والأخطر أن سليم لا يستخدم القوة التقليدية.. لا يحتاج إلى سلاح.. لا يحتاج إلى مواجهة مباشرة.. إنه يستخدم المعلومات.. يستخدم التكنولوجيا.. يستخدم الأسرار ببرود أعصاب يحسد عليها.
ويعرف أن الإنسان يمكن السيطرة عليه أحيانًا بمجرد امتلاك معلومة يخشى أن يعرفها الآخرون، وهنا ينجح المسلسل في تقديم واحدة من أكثر أفكار الجريمة المعاصرة رعبًا: المعلومة أصبحت سلاحًا، وكلما زادت المساحة التي يعيش فيها الإنسان على الإنترنت، زادت المساحة التي يمكن أن تُستخدم ضده في ثنايا أحداث تتسم بالسوداوية.


(الدارك ويب) ليس بطل الحكاية
من السهل جدًا أن يقع عمل من هذا النوع في فخ الاحتفاء بالتكنولوجيا المظلمة، لكن (لعبة جهنم) يكون أكثر أهمية حين ينظر إلى التكنولوجيا باعتبارها أداة، وليس باعتبارها أصل الشر.. المشكلة ليست في الإنترنت وحده.. المشكلة في الإنسان الذي يستخدمه.. فالدارك ويب، والذكاء الاصطناعي، والمنصات الرقمية، والرسائل المشفرة، كلها أدوات تستخدم في أبشع أنواع الجرائم.
لكن الأداة تصبح خطيرة عندما تقع في يد شخص يريد استخدامها للسيطرة على الآخر.. وهنا تصبح التكنولوجيا مرآة للإنسان، لا وحشًا منفصلًا عنه، ولعل الإيقاع السريع في (لعبة جهنم) تبدو سلاح ذو حدين. كون الحكاية مكونة من ثلاث حلقات فقط يمنحها ميزة واضحة: لا يوجد وقت طويل للمط والتطويل، كما هو سائد حاليا.
الأحداث تتحرك بسرعة.. المعلومات تتكشف تباعًا.. والضغط النفسي يتصاعد باستمرار، لكن السرعة نفسها تمثل تحديًا، فالقصة التي تتعامل مع جريمة بهذه القسوة تحتاج إلى مساحة كافية لبناء دوافع الشخصيات، حتى لا يتحول الانتقال من نقطة إلى أخرى إلى مجرد سلسلة من المفاجآت على جناح الرعب.
ولهذا فإن قوة (لعبة جهنم) الحقيقية ليست في عدد الأحداث، وإنما في اللحظات التي يسمح فيها للمشاهد بأن يرى لماذا يفعل الشخص ما يفعله.. كلما اقترب العمل من النفس البشرية، أصبح أقوى.. وكلما اكتفى بالجريمة كحدث، أصبح أقل عمقًا على الرغم من قسوة الأحداث.
المخرج إسلام خيري تعامل مع الحكاية باعتبارها لعبة أعصاب أكثر منها استعراضًا للجريمة، وهذا اختيار مناسب لطبيعة القصة، فالمكان، والشاشة، والهاتف، والنظرات، والصمت، والانتظار، كلها تتحول إلى عناصر درامية تحكم فيها ببراعة مطلقة.
والخوف هنا لا يحتاج دائمًا إلى الدم.. أحيانًا يكون انتظار رسالة أكثر توترًا من مشهد مطاردة، وأحيانًا تكون نظرة شخصية إلى شاشة الهاتف كافية لصناعة حالة من الرعب.. هذه واحدة من نقاط قوة العمل بصريًا: أن الخطر لا يكون دائمًا في المكان الذي يقف فيه الشخص، وإنما في الشيء الذي ينتظره من جانب الآخرين.

عندما تصبح الشاشة بابًا للجريمة
من أذكى أفكار العمل أن العالم الافتراضي لا يبقى افتراضيًا.. في البداية هناك شاشة، ثم تعليمات، ثم أموال، ثم ابتزاز، ثم يتحول كل شيء إلى واقع، وهذه النقلة هي جوهر الحكاية.. فالإنسان الذي يجلس أمام هاتفه يمكن أن يعتقد أنه يعيش لعبة، لكن اللعبة قد تنتقل في لحظة إلى الشارع والبيت والأسرة والطفل والدم، وهنا تكون القسوة عنوانا عريضا.
هنا يصبح عنوان (لعبة جهنم) أكثر من مجرد عنوان جذاب.. إنها لعبة فعلًا.. لكنها لعبة لا يوجد فيها زر (إعادة التشغيل)، فالصدمة ليست في الجريمة وحدها.. تبلغ الحكاية ذروة قسوتها حين تتحول الجريمة من فكرة إلى فعل، وحين يصبح طفل بريء جزءًا من اللعبة الإجرامية.
وهنا أيضا ينجح العمل في نقل الرعب من شاشة الهاتف إلى المشاهد نفسه.. فالطفل في هذه الحكاية ليس مجرد عنصر في الحبكة.. إنه يمثل الخط الأحمر الأخير، وعندما يتم تجاوزه، يصبح السؤال الأخلاقي أكثر قسوة: إذا كان الإنسان قادرًا على قتل البراءة من أجل المال أو تحت ضغط الابتزاز، فما الذي تبقى من إنسانيته؟
نعم هنا يتجاوز المسلسل حدود الإثارة ليضع المشاهد أمام سؤال أخلاقي مؤلم: هل العمل كامل بلا عيوب؟.. بالتأكيد لا.. فبعض التحولات الدرامية تبدو شديدة السرعة بحكم طبيعة الحكاية القصيرة، كما أن بعض الدوافع كان يمكن منحها مساحة أكبر حتى تصبح رحلة السقوط أكثر إقناعًا على المستوى النفسي.
كذلك فإن الاعتماد على عنصر الصدمة قد يجعل بعض المشاهدين يشعرون بأن العمل يرفع مستوى القسوة بسرعة كبيرة، لكن هذه الملاحظات لا تلغي أن مسلسل (لعبة جهنم) يعرف ما يريد، وهو يريد أن يقول إن الجريمة الحديثة لم تعد تحتاج بالضرورة إلى شارع مظلم أو عصابة مسلحة، بل يمكن أن تكون عبر الفضاء التخيلي.. قد تبدأ من غرفة.. من شاشة.. من حساب مجهول.. من رسالة.. ومن شخص يعتقد أنه يستطيع التحكم في اللعبة، ثم يكتشف أنه أصبح هو نفسه قطعة داخلها.
السؤال الذي يبدو لي جوهريا: محمد فراج.. لماذا (خرافي الأداء)؟.. لأن فراج لم يلعب الجريمة.. لعب الخوف من الجريمة.. ولعب الإنسان الذي يعرف أنه تجاوز الخط لكنه لا يعرف كيف يعود، ولعب التناقض بين الرجل الذي يراه الناس والرجل الذي يعرفه هو عن نفسه.. ولعب لحظة الانهيار دون أن يحولها إلى استعراض مقزز.
وهذا النوع من الأداء يحتاج إلى ممثل يعرف أن أقوى لحظة ليست دائمًا في الصراخ.. أحيانًا تكون في ارتعاشة صغيرة.. في نظرة هاربة.. في محاولة فاشلة للسيطرة على النفس.. في صمت طويل.. وفي هذه المساحات تحديدًا يثبت محمد فراج أنه واحد من أهم ممثلي جيله في التعامل مع الشخصيات المركبة من أبناء جيله الحالي.

حين تنتهي اللعبة ولا ينتهي السؤال
تصل الحكاية في نهايتها إلى لحظة انكشاف الحقيقة، وتتحول اللعبة الرقمية إلى ملف جنائي حقيقي، وتصل التحقيقات إلى الخيوط التي تقود إلى الشخصيات المتورطة، لكن النهاية الأهم ليست في القبض على المجرمين.. النهاية الحقيقية في السؤال الذي يتركه العمل داخل رأس المشاهد: كم خطوة يحتاجها الإنسان حتى يتحول من شخص عادي إلى مجرم متدرج؟
وهل الفقر أو الاحتياج أو الخوف أو الابتزاز يمكن أن تكون أعذارًا؟.. أم أن هناك لحظة يصبح فيها الإنسان مسؤولًا بالكامل عن اختياره؟.. هذه الأسئلة هى التي تجعل (لعبة جهنم) أكثر من مسلسل جريمة.. إنه مسلسل عن المسؤولية.. عن الاختيار.. عن الابتزاز.. وعن عالم رقمي يستطيع أن يفتح أبوابًا لا يعرف الإنسان كيف يغلقها في وقتنا الحالي.
(لعبة جهنم) ليست أفضل ما يمكن أن تقدمه دراما الجريمة بلا نقاش، لكنها تجربة جريئة ومكثفة، تستفيد من قصر الحكاية ومن طبيعة القضية الحقيقية التي تستند إليها، والأهم أنها تملك ممثلًا يعرف كيف يحمل هذا النوع من الثقل النفسي، ويحلق به عاليا في سرب الخيال المستمد من الواقع.
محمد فراج هو قلب (لعبة جهنم).. قد تختلف مع بعض اختيارات الحكاية، وقد ترى أن بعض التحولات احتاجت إلى وقت أطول، لكن من الصعب أن تنكر أن فراج قدم أداءً شديد القوة، جعل الشخصية أكثر تعقيدًا من مجرد (مجرم) في قصة جريمة معروضة على الشاشة.
وهنا تكمن المفارقة: المسلسل يحمل عنوان (لعبة جهنم).. لكن اللعبة الحقيقية ليست لعبة الإنترنت، وإنما لعبة الإنسان مع ضعفه، والأكثر رعبًا أن الشيطان في هذه الحكاية لم يأتِ من مكان بعيد.. كان خلف شاشة.. ثم خرج منها إلى الحياة من قلب الواقع المرير.