(عوض بدوي) في (عشقك ندى).. إبداع فاق المدى

بقلم الكاتب والسيناريست: وائل شفيق
في خريطة الشعر المصري يطل الشاعر الكبير (عوض بدوي)، كمبدع سكندري أصيل، يكتب بلغة تشبه ماء البحر وقت السكون؛ صافية في ظاهرها، عميقة في قاعها.. ينتقي لفظه ويتقن صورته، لكن دون صخب أو تكلف.. يضع المعنى في اليد فيصل إلى القلب قبل العقل.
وفي (عشقك ندى) التي كتب كلماتها على لحن فولكلوري قديم، وغناها (محمد منير)، يبلغ (عوض بدوي) ذروة صنعته.. لم يكتب قصيدة غزل لمحبوبة، بل شيد نصاً مفتوح الأبواب، يتسع للأم كما يتسع للوطن ويتسع للذات الإلهية، دون أن يفقد ذرة من صدقه الإنساني الأول.
أن تكتب على لحن فولكلور مجازفة كبرى؛ لأن الفولكلور ملك الذاكرة الجمعية، وله إيقاع راسخ في الوجدان، ولكن (عوض بدوي) لم يخضع للإيقاع بل روّضه.. أخذ لحناً يردده الناس في الأفراح والأتراح فحوله إلى محراب خاص.. ومن هنا جاء تفرد الأغنية، لأنها ولدت كبيرة، من رحم جماعي وروح فردية في آنٍ معاً.. الفولكلور ذكر جماعي، فجاء الشاعر فزرع فيه معنى ذاتياً فصار لكل سامعٍ نصه الخاص.
ومن البيت الأول يهدم (عوض بدوي) صنم الغزل التقليدي الذي يدور حول الجسد.. يقول: (عشقك ندى فاق المدى، يا فجر عمري اللي ابتدى)، فلا شفاه ولا خدود، بل كون بأسره.. والندى رزق ينزل من السماء بلا حساب، والفجر ميلاد وزمن جديدان.. فالمحبوبة عنده ليست أنثى توصف، بل بداية يُبتدأ بها.
وحين يمضي إلى: (يا نجمة طالة من الفضا، يا غنوة القلب إن شدا) يرتقي من الأرض إلى السماء.. فالنجمة هداية للضال، والغنوة ذكر يردده القلب وحده.. ما هذه بأوصاف حبيبة فحسب، بل أوصاف الأم التي تهدي طفلها، والوطن الذي يهدي أبناءه، والنور الذي تهتدي به الأرواح.

تعدد مستويات التلقي
وتكمن عبقرية النص في تعدد مستويات التلقي المتداخلة داخله حتى يصير مرآة لكل قارئ.. فمن قرأه على أنه أم وجد ضالته في قوله: (يرتاح في ضلك لو نهاره في يوم جفا، وهموم طريقي تتمحى من خطوتي).. فمن منا لم يجد في حضن أمه ظلاً يقيه حر الدنيا؟ ومن منا لم تمحُ خطوته الأولى في بيتها كل وعثاء الطريق؟، وقوله: (يا ضحكة العمر الحزين يا حنينة) صفة أمٍ رأت ابنها يبكي فضحكت له فهدأ روعه.
ويتّسع مدلول الحضن اتساعاً يضم الوطن والتاريخ معاً في قوله: (زارع سنينك ألف غنوة بألف صوت)، فالأم عنده تبدأ فرداً، ثم ترتقي وطناً، ثم تصير ذاكرة أمة.. (ألف غنوة) هي كل ما زرعته مصر في وجداننا عبر القرون من حكايات ولغات وألحان.. و(ألف صوت) هو التراث الإنساني الذي تشكل عبر احتكاكها المتواصل بالثقافات. فالأم المصرية لم ترضعه اللبن وحده، بل أرضعته الذاكرة واللغة والغناء، وهكذا ينتقل الشاعر بسلاسة من ظل الأم الفرد إلى ظل الوطن الأم إلى ظل التاريخ الجامع في سطر واحد.
فإذا كان الحضن قد اتّسع ليشمل الوطن والتاريخ، فإن الغربة تتكثف في قوله: (رحال أنا من كام سنة، في بحور عينيكي المزروعين بالسوسنة)، فالرحّال صفة المصري المستكشف لأسرار وطنه أبد الدهر، وبحور العين هي مياه النيل، والسوسنة زهرة مصرية قديمة مقدسة.. فهو تائه في جمال وطنه لا يبرحه.
وتبلغ القمة حين يقول: (الغنوة خطوة وطريق، الغنوة خطوة وصديق).. فمصر عنده ليست مكاناً نسكنه، بل طريقاً نمشيه، وصديقاً يؤنس وحدتنا في الغربة.. هذا هو تعريف الوطن عند (عوض بدوي)؛ وطن يمشي معك لا تمشي إليه.
ومن قرأه قراءة صوفية وجد النص يطير إلى مداه الأقصى.. فكل الألفاظ كونية مطلقة.. وقوله: (وأنا قلبي شارب من حنانك ما أكتفي) هي حالة السُّكر العرفاني؛ فناء في بحر الرحمة الذي لا يُرتوى منه.. و(خطاويكي غناويا والغنوة خطوة وصديق) هى قمة الفناء؛ أن تصير مشيئة المحبوب نشيد الروح، وأن يصير طريقه أنيساً في وحشة الوجود.
ثم يُفتح باب على مصراعيه من أبواب المعنى في قوله: (يا زارعه ليلي وسط صمت الكون غنا).. هنا يقلب عوض بدوي المعادلة كلها بجرأة فنية نادرة. فالمحبوب هنا هو الذي زرع الغناء في ليل الشاعر الموحش، وزرع الضوء في عتمته، والصوت في صمته.

غناءه كله صدى لغنائه
ثم يقول: (غنى بشوقك ليا، غناويكي غناويا).. فصار شوق المحبوب منبع الأغنية، وصار غناؤها غناءه.. وهذا هو معنى الوهب الكامل؛ أن يشهد الشاعر أن ليله كله من المحبوب، وأن غناءه كله صدى لغنائه.
لم يقدم لنا (عوض بدوي) كلمات تطرب الأذن فحسب، بل قدم روشتة عبور.. في زمن كثر فيه النواح قال: (وطريق همومي بين دروبك اختفى).. فالنجاة لا تكون بالبكاء على الأطلال، بل بالمشي في دروب المحبوب؛ سواء كان هذا المحبوب حضن أم، أو تراب وطن، أو ظل رحمة.
وإن عظمة (عوض بدوي) لتكمن في لغته السهلة الممتنعة.. جمل رشيقة تدخل العقل بلا استئذان، وتستقر في القلب بلا مقاومة.. كتب بلغة السكندري العارف، على لحن قديم كالزمن، فغناه صوت يحمل عبق الماضي كله فخرجت لنا بهذا الكمال.. (عشقك ندى) ليست أغنية، إنها تعويذة مصرية؛ نص أرضي في ألفاظه، سماوي في معانيه.
ولا يكتمل بهاء هذا النص إلا بصوت (محمد منير) الذي فتح الباب باختياراته الجريئة أمام جيل من الشعراء خرجوا من دائرة المعنى المتكرر إلى رحاب دلالات لم تُطرق من قبل في الأغنية العربية، فزرعوا في وجدان المستمع معاني الجمال التي لا تستهلك، والموضوعات التي لا تصدأ.
وهذه شهادة لهذا الجيل من المبدعين؛ لأنهم لم يغنوا فقط، بل أسسوا لتجربة متفردة جمعت بين أصالة اللحن وحداثة الفكرة، فصارت أغنياتهم علامة فارقة في تاريخنا الغنائي لا تمحى.