رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

عادل عوض.. عندما كرّمت القمة النفسية مخرجًا سبق عصره بـ (العقرب)

عادل عوض.. عندما كرّمت القمة النفسية مخرجًا سبق عصره بـ (العقرب)
بوستر تكريم عادل عوض

كتب: مروان محمد

لم يكن اسم المخرج (عادل عوض) ضمن قائمة المكرمين في النسخة الرابعة من مؤتمر القمة النفسية المتكاملة لمجرد أنه صاحب تجربة سينمائية ناجحة، بل لأنه كان واحدًا من أوائل المخرجين الذين طرقوا باب النفس البشرية عبر السينما، في وقت لم تكن فيه مصطلحات مثل (الصحة النفسية، والسايكودراما) جزءًا من الخطاب الثقافي والإعلامي السائد.

ففي المؤتمر الذي حمل شعار (حين يصبح الإنكار واقعًا) برئاسة الدكتور حسام أحمد عبد الوهاب، رئيس أكاديمية Soul Healing Center، جاء تكريم (عادل عوض) تقديرًا لدوره في توظيف البعد النفسي داخل السينما المصرية، وإيمانه المبكر بأن الفيلم لا يكتفي بسرد الحكاية، بل يستطيع أن يكشف ما يختبئ داخل الإنسان من مخاوف وصراعات وأسئلة.

وشهد المؤتمر، الذي جمع نخبة من المتخصصين في الصحة النفسية، مناقشات تناولت مفهوم (الإنكار) باعتباره إحدى الحيل الدفاعية التي يلجأ إليها الإنسان لحماية نفسه، وتأثير ذلك في العلاقات الأسرية والزوجية، والصورة الذاتية، وضغوط الكمال، والاحتياجات العاطفية، وآليات التعافي، في محاولة لتعزيز الوعي النفسي وتصحيح المفاهيم المجتمعية.

وفي هذا السياق، بدا تكريم (عادل عوض) منسجمًا مع فلسفة المؤتمر؛ فالرجل قدّم قبل سنوات فيلمًا سبق زمنه، وأثبت أن الفن يمكن أن يكون شريكًا في نشر الوعي النفسي، لا مجرد وسيلة للترفيه.

عادل عوض.. عندما كرّمت القمة النفسية مخرجًا سبق عصره بـ (العقرب) عادل عوض.. عندما كرّمت القمة النفسية مخرجًا سبق عصره بـ (العقرب)

عادل عوض.. عندما كرّمت القمة النفسية مخرجًا سبق عصره بـ (العقرب)
يظل فيلم (العقرب) العلامة الأبرز في مسيرة عادل عوض

بصمة بصرية سبقت زمنها

إذا كان لكل مخرج عمل يعرّف به، فإن فيلم (العقرب) يظل العلامة الأبرز في مسيرة عادل عوض.. الفيلم، الذي جاء بعد سنوات من عمله مساعدًا لعمالقة الإخراج، وفي مقدمتهم (علي بدرخان وحسين كمال)، كان أولى تجاربه في الإخراج السينمائي الروائي، لكنه لم يختر الطريق السهل، بل اتجه إلى منطقة نادرة في السينما المصرية آنذاك، وهي السايكودراما الممزوجة بالإثارة والغموض النفسي.

شارك في بطولة الفيلم (شريهان وكمال الشناوي وصلاح قابيل ورجاء الجداوي)، واعتمد على رواية للكاتب عصام عبد العزيز، فيما كتب السيناريو بالمشاركة مع المخرج، وصاغ الحوار إيناس بكر.

منذ المشهد الأول، لم يكن (العقرب) فيلم جريمة تقليديًا، بل رحلة داخل العقل البشري.. جريمة قتل تتحول إلى بوابة للشكوك، وشخصيات تحمل أسرارًا أكثر مما تكشف، وأحداث تدفع المشاهد إلى إعادة النظر في كل ما يراه حتى اللحظة الأخيرة.

لم يعتمد (عادل عوض) على الحوار وحده، بل جعل الصورة شريكًا في السرد، بل استخدم التكوينات البصرية، وتلاعب بالألوان والإضاءة، ووظّف مشاهد الأحلام والكوابيس والخيالات، ليخلق عالمًا تتداخل فيه الحقيقة مع الوهم، ويصبح القلق جزءًا من التجربة البصرية للمشاهد.

ورغم أن بعض النقاد رأوا تأثر الفيلم بمدرسة المخرج العالمي (ألفريد هيتشكوك) في بناء التوتر والغموض، فإن عادل عوض نجح في تقديم معالجة تحمل شخصيته الخاصة، محاولًا نقل السينما المصرية إلى مساحة جديدة تركز على الدوافع النفسية للشخصيات، أكثر من اهتمامها بالأحداث الظاهرة.

كما أثار الفيلم أسئلة جريئة حول تكوين الشخصية الإنسانية، وتأثير الطفولة والحرمان والتجارب القاسية في تشكيل السلوك، دون أن يقدم إجابات مباشرة، تاركًا للمشاهد حرية التأويل، وهو ما منح العمل قيمة فكرية إلى جانب قيمته الفنية.

ولكن يبرز هنا سؤال جوهري: لماذا عاد (العقرب) الآن؟

ربما لأن الزمن منح الفيلم فرصة جديدة، فعندما ناقش مؤتمر (حين يصبح الإنكار واقعًا) قضايا مثل الإنكار، والصورة الذاتية، وتجارب الماضي، والاحتياجات العاطفية، بدا (العقرب) وكأنه يشارك في الحوار، رغم أن إنتاجه يعود إلى عقود مضت.

اعتمد الفيلم على فريق تمثيل استطاع أن يمنح الشخصيات عمقًا نفسيًا واضحًا، حيث قدم كمال الشناوي أداءً متزنًا كشف عن خبرة ممثل كبير يعرف كيف يوظف الصمت والنظرات، بينما أضاف صلاح قابيل ثقله المعتاد إلى الأحداث، وقدمت رجاء الجداوي واحدًا من أدوارها المختلفة.

في حين أثبتت شريهان أنها لا تمتلك فقط حضور النجمة، بل قدرة حقيقية على تجسيد شخصية معقدة تتأرجح بين البراءة والاضطراب والغموض.

عادل عوض.. عندما كرّمت القمة النفسية مخرجًا سبق عصره بـ (العقرب)
لم يكن تكريم (عادل عوض) في المؤتمر هو الوحيد، فقد سبق أن احتفت به (مكتبة مصر الجديدة)

تكريم يحمل رسالة

ولم يكن تكريم (عادل عوض) في المؤتمر هو الوحيد، فقد سبق أن احتفت به (مكتبة مصر الجديدة) خلال ندوة ناقشت فيلم (العقرب) من منظور نفسي وسينمائي، معتبرة أن العمل يمثل تجربة مبكرة في توظيف الفن لطرح قضايا الصحة النفسية.

وفي ختام المؤتمر، بدا واضحًا أن الرسالة تجاوزت حدود الاحتفاء بمخرج أو فيلم، لتؤكد أن السينما ليست مجرد شاشة تُعرض عليها الحكايات، بل نافذة لفهم الإنسان، وأن بعض الأعمال، مهما مر عليها الزمن، تظل تحتفظ بقدرتها على إثارة الأسئلة وإعادة قراءة النفس البشرية.

ولهذا، لم يكن تكريم (عادل عوض) مجرد احتفاء بمسيرة مخرج، بل اعترافًا بقيمة فنان أدرك مبكرًا أن الصورة قد تعالج جرحًا، وأن مشهدًا سينمائيًا صادقًا يمكن أن يفتح بابًا للوعي، تمامًا كما تفعل قاعات العلاج النفسي.. وربما لهذا السبب ظل (العقرب) حاضرًا في الذاكرة، لا باعتباره فيلمًا من الماضي، بل تجربة لا تزال تسبق زمنها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.