رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

(موازين) بلا موازين.. حين يصعد الضجيج إلى المنصة ويهبط الفن

(موازين) بلا موازين.. حين يصعد الضجيج إلى المنصة ويهبط الفن
مشاركة مؤدي المهرجانات (حسن شاكوش) في حفل افتتاح المهرجان أثار الجدل
(موازين) بلا موازين.. حين يصعد الضجيج إلى المنصة ويهبط الفن
وائل شفيق

بقلم الكاتب والسيناريست: وائل شفيق

يُفتتح مساء اليوم الجمعة 19 ينويو الحالي مهرجان (موازين) المغربي، والمفارقة أن المهرجان الذي يحمل اسم (موازين) قرر أن يكسر الموازين، ففي ليلة الافتتاح يصعد إلى المسرح مؤدي المهرجانات (حسن شاكوش)، ويحي إحدى لياليه سعد الصغير، وسبق أن فعلها مهرجان (قرطاج) في تونس.. فصارت المنصات الرسمية تتسابق خطوة بعد خطوة نحو الضجيج، وكأنها مسابقة على من يهبط أسرع.

والسؤال ليس عن الأشخاص، فلكلٍ رزقه وجمهوره.. السؤال عن لحظة الاختيار: لماذا تختار مؤسسة رسمية تحمل اسم دولة وتاريخ أن ترفع لافتتها فوق مسرح وقف عليه كبار المطربين، ثم تقول للعالم إن هذا هو وجهنا الثقافي؟

ما يحدث أخطر من أغنية هابطة.. ما يحدث هو إعادة هندسة للذوق العام. فحين تُحشر الرداءة في قلب حدث فني كبير وتُبرر بأنها (تعبر عن الشارع) يحدث التطبيع المزدوج: تطبيع مع السطحية باسم الواقعية، وتطبيع مع الإسفاف باسم الحرية.

والنتيجة أن الطفل في البيت لم يعد يفرق بين اللحن الذي يبني وجدانه، والضجيج الذي يخدره.. فما كان بالأمس حبيس تحت بير السلم، صار اليوم ضيفًا دائمًا في هاتف الطفل وسيارة الأجرة وغرفة الجلوس.. هذا هو التطبيع المنزلي: أن يصبح القبيح مألوفًا لأنه تكرر كثيرًا.

وهنا تظهر الازدواجية القاتلة والمنحدر الزلق.. بالأمس نستنكر كلمات سوقية في أغنية تافهة، واليوم نصفق لها على مسرح رسمي مثل (موازين) تحت الأضواء.. وإذا قبلنا اليوم أن الضجيج لون جديد من الفن، فبأي حجة نرفض غدًا أن نسمي الابتذال إبداعًا؟.

مغالطة (الأصل الواحد) تقول: نبات القنّب ينبت من تربة واحدة مع القمح، فلماذا نحرّمه؟ لكن الفطرة ميّزت منذ الأزل بين ما يُزرع ليغذي البدن، وما يُزرع ليغيب الوعي. فليس كل ما خرج من الأرض صالحًا، وليس كل ما خرج من الحنجرة غناءً.

(موازين) بلا موازين.. حين يصعد الضجيج إلى المنصة ويهبط الفن
شعبية أي لون فني لا تعني بالضرورة منحه صفة القيمة الثقافية

لا تسأل عن انهيار القيمة

والحجة الجاهزة دائمًا: (الجمهور يريد ذلك)، لكن الجمهور لا يُخلق من فراغ بل يُصنع، والذوق لا ينزل من السماء بل يُربى.. فإذا كانت المنصات الكبرى تختار الأسهل والأكثر ضجيجًا، فلا تلومن الطفل حين يختار الأسخف.. وإذا كان المال وحده هو المعيار، فلا تسأل عن انهيار القيمة.

إن الثقافة ليست ترفًا نؤجله للأزمات، بل هى السور الأخير قبل أن ينهار كل شيء.. والمهرجان الرسمي ليس حفلة، بل هو بيان هوية.. فعندما يصعد الضجيج إلى المنصة، لا يهبط الفن فقط، بل تهبط معه فكرة الدولة التي تحمي أبناءها من سوقية المشهد.

قبل أن نلوم الطفل الذي حفظ لفظًا قبيحًا، اسأل نفسك: أي كلام سمعه؟.. وأي فن شاهده؟ الموازين لا تعتدل بمنع هذا أو ذاك، بل تعتدل حين نقدم للناس ما يليق بإنسانيتهم.. فالذوق لا يُفرض بالمنع، بل يُقوَّم بالبديل.

وفي النهاية، التاريخ لا يسأل: من كان الأعلى مشاهدة؟ في (موازين) أو غيره، بل يسأل: من كان الأصدق أثرًا؟ وما بين الضجيج الذي يعلو اليوم، والكلمة التي تبقى غدًا، يقرر كل منا أين تقف الموازين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.