رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

بهاء الدين يوسف يكتب: التفسير الاجتماعي لتوهج وانكسار (سعاد حسني)!

بهاء الدين يوسف يكتب: التفسير الاجتماعي لتوهج وانكسار (سعاد حسني)!

بهاء الدين يوسف يكتب: التفسير الاجتماعي لتوهج وانكسار (سعاد حسني)!
لم تكن (سعاد حسني) مجرد نجمة سينمائية صعدت ثم تراجعت مثل عشرات النجوم

بقلم الكاتب الصحفي: بهاء الدين يوسف

إذا كانت حياة (سعاد حسني) قد ارتبطت بصعود طبقة اجتماعية كاملة، فإن رحيلها الغامض بدا كأنه الفصل الأخير في حكاية لم تحصل أبداً على خاتمتها، فالطبقة المتوسطة التي مثلتها على الشاشة دخلت هي الأخرى عقوداً من الأسئلة والالتباس وفقدان اليقين، وكأن النهاية المفتوحة لسعاد كانت انعكاساً رمزياً لنهاية مفتوحة عاشها جيل كامل.

ربما لا يوجد وصف للمكانة التي بلغتها (سعاد حسني) في قلوب جماهيرها، أفضل من تلك المقولة النقدية الشائعة في الغرب، والتي تقول أن (الفنان العظيم لا يصنع عصره، لكنه يصبح الوجه الذي يتعرف به العصر على نفسه)، فلم تكن سعاد مجرد نجمة أحبتها الطبقة المتوسطة في مصر، بقدر ما كانت في سنوات توهجها تمثل الصورة التي اختارت تلك الطبقة أن ترى نفسها فيها.

لم تكن (سعاد حسني) مجرد نجمة سينمائية صعدت ثم تراجعت مثل عشرات النجوم الذين مروا على الشاشة المصرية، وانما كانت في جانب مهم من حكايتها التعبير الأكثر اكتمالا عن لحظة تاريخية عاشتها الطبقة المتوسطة المصرية، ولذلك يبدو صعودها وتوهجها ثم انكسارها وضياعها وكأنه جزء من المسار نفسه الذي مرت به تلك الطبقة خلال النصف الثاني من القرن العشرين، حتى الان.

حين بدأت السندريلا في التوهج في مطلع ستينات القرن الماضي، كان المجتمع المصري يفور بتحولات اجتماعية حادة، كانت أبرز معالمها تقدم أبناء الطبقة المتوسطة إلى مقدمة المشهد.

بهاء الدين يوسف يكتب: التفسير الاجتماعي لتوهج وانكسار (سعاد حسني)!
خفة ظلها وحركتها على الشاشة  لا توحي أنها مخلوق استثنائي يعيش في قوقعته الخاصة

لم تكن تشبه غيرها

وبات من حق أبناء الموظفين وخريجي الجامعات الحكومية أن يحلموا بأدوار قيادية في بلدهم، ويطمحوا إلى مستقبل يمكن أن يكون أفضل من الماضي. كان هناك إيمان حقيقي بفكرة الصعود الاجتماعي عبر التعليم والعمل والكفاءة.

في تلك اللحظة التاريخية ظهرت (سعاد حسني).. لم تكن تشبه غيرها من النجمات، كان حضورها كفيلا بإلغاء المسافة الوهمية المعتادة التي تفصل النجوم عن جمهورهم، فقد كانت تبدو كأنها خرجت من البيوت نفسها التي يجلس فيها جمهورها. 

بضحكتها الآسرة الخالية من التكلف التي تسحرك رغم أنك يمكن أن تراها على وجه عشرات الفتيات الطالبات او العاملات، بجانب خفة ظلها وحركتها على الشاشة  التي لا توحي أنها مخلوق استثنائي يعيش في قوقعته الخاصة، وإنما انسانة بسيطة قريبة من الجمهور لدرجة تدفعه يتجاوز الإعجاب بها إلى الشعور بأنها تمثله.

لم تكن السندريلا فتاة أحلام أبناء الطبقة المتوسطة فقط، بل كانت صورتهم المثالية عن أنفسهم، فتاة جميلة ومرحة وذكية، قادرة على الحب والعمل والتمرد، لا ترى في العوائق التي تضعها الحياة في طريقها سوى فرصة للقفز فوقها واكتساب المزيد من القوة واللياقة لمواجهة المزيد.

وكانت تلك هي القصة التي كانت الطبقة المتوسطة تحب أن تتخيلها عن نفسها، وكانت سعاد هي الوجه الذي منح تلك القصة شكلا إنسانيا.

المفارقة اللافتة للنظر أن تراجع ثم انهيار الطبقة المتوسطة التدريجي في مصر عقب تطبيق الانفتاح الاقتصادي منتصف السبعينات، ترافق مع أفول تدريجي في توهج السندريلا فنيا، في ذلك الوقت بدأت ملامح المجتمع الجديد في مصر تظهر وتفرض سطوتها تدريجيا في سيناريو شبيه بما صوره أديب نوبل في رواية اهل القمة، التي تحولت إلى فيلم من بطولة سعاد نفسها. 

التغير الذي شهدته مصر لم يكن اقتصاديا فقط، بل كان ثقافيا واجتماعيا أيضا، والأهم والاخطر انه كان قيميا، فقد فرضت النخب الجديدة قيمها المشوهة على المجتمع وتوارت الطبقة المتوسطة التقليدية.

بهاء الدين يوسف يكتب: التفسير الاجتماعي لتوهج وانكسار (سعاد حسني)!
فعلاقة (سعاد حسني) مع الطبقة المتوسطة كانت علاقة طردية، تتوهج الفنانة حينما تزدهر الطبقة

قمة نضجها الفني والإنساني

وكان من المثير للسخرية أن وصول الفنانة الى قمة نضجها الفني والإنساني، تزامن مع عودة الى حالة المراهقة بكل تفاصيلها، يترك المضمون ولو كان عميقا ليركز في المظهر اذا اغراه ببعض العري، ووفقا لهذا المفهوم لم تعد سعاد حسني تتماشى مع متطلبات النخب الصاعدة.

ربما هذا التحول هو ما تسبب في مرضها على عكس ما يقال دائما أن مرضها كان سبب انحسار تواجدها الفني، في حين أن الصورة الأوسع تقول إن الفنانة والبيئة التي صنعتها كانتا تتحركان في الاتجاه نفسه. 

فعلاقة (سعاد حسني) مع الطبقة المتوسطة كانت علاقة طردية، تتوهج الفنانة حينما تزدهر الطبقة، وحين تفقد بعضا من تأثيرها المجتمعي وتتراجع قيمة الثقافة بوصفها أداة للترقي الاجتماعي، يتراجع النموذج الذي مثلته سعاد طوال حياتها الفنية.

لهذا لم يكن اختفائها التدريجي من المشهد الفني مجرد غياب فنانة كبيرة، او ملهمة لأجيال كاملة من المصريين، بقدر ما كان في مدلوله الثقافي والاجتماعي الأوسع إعلانا غير مباشر عن نهاية مرحلة كاملة من تاريخ مصر الحديث.

مرحلة كان فيها ابن الموظف يحلم بأن يصبح وزيرا، وابنة المدرس تحلم بأن تصبح نجمة، وكانت السينما تؤمن أن الفن يمكن أن يعبر عن المجتمع ويقوده، لا أن يكتفي باشباع نزواته.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.