الفلكي رضا العربي يكتب: اللغز.. لست شريطا سينمائيا عابرا في هذا الكون!


بقلم الفلكي: رضا العربي
هل تأملت يومًا اسمك بالكامل؟
فلان بن فلان بن علّان…
سلسلةٌ من الأسماء تبدو كأنها مجرد تعريفٍ عابر، لكنها في حقيقتها شجرةُ زمنٍ كاملة، وهذا هو (اللغز) الذي يشبه دراما فيلم غارق في الإثارة والتشويق، لكنه ليس شريطا سينمائيا عابرا في هذا الكون.
كلُّ اسمٍ يسبقك هو حياةٌ اكتملت، وروحٌ مرّت من هنا ثم ابتلعها الغياب.. آباءٌ وأجدادٌ عبروا القرون، حصدهم الموت واحدًا تلو الآخر، حتى انتهت الرحلة إليك.. أنت، الحلقةَ الأخيرة المؤقتة في سلالةٍ بدأت منذ آدم ولم تنقطع لحظة عبر شريط يشبه شريط السينما.
أنت لا تحمل اسمك وحده، بل تحمل داخلك صدى أعمارٍ كاملة، وأحلامًا قديمة، وخوفًا قديمًا، وملامح نجت من الفناء عبر الأجساد.. هذا هو (اللغز).. إنها دراما حقيقية.. كأن الإنسان ليس فردًا منفصلًا، بل خلاصةُ قافلةٍ بشريةٍ طويلة تمشي عبر الزمن، فيما يسمّيه الناس (اسمًا).. وتحسب أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر.
لكن هل فكرت يومًا أن هذه العبارة ليست مجازًا شعريًا فحسب بل احتمال وجودي عميق احتمال يقول إنك لست مجرد عابر في هذا الكون، بل خلاصة مكثفة له نسخة مصغرة من تاريخه الطويل وذاكرة نائمة تحمل صدى البداية الأولى.
تخيل لا كفكرة عابرة بل كحالة شعورية أنك حين تنظر إلى نفسك فأنت لا ترى جسدًا فقط بل ترى طبقات من الزمن متراكمة فوق بعضها البعض فيك، شيء من أول ذبذبة وُلد منها الضوء، فيك أثر الانفجار الأول فيك رجفة الذرة حين تعلّمت أن تكون مادة وفيك الحنين القديم للماء حين كان يبحث عن شكل يحتويه
أنت لست ابن لحظتك فقط أنت ابن كل اللحظات.. فيك تاريخ لا يُروى بالكلمات بل يُحس بالارتعاش الخفي في أعماقك، حين تقف أمام البحر دون سبب واضح أو حين تشعر بألفة غريبة تجاه شيء لم تعشه قط، تلك ليست مصادفات بل شذرات ذاكرة كونية تتسرّب من شقوق الوعي لتشكل (اللغز).

لكن لماذا لا تتذكر
هنا يدخل الجسد كحارس صارم لا كعدو الجسد ليس سجنًا بالمعنى البسيط بل مرشح فلتر كثيف يحجب عنك هذا الفيض الهائل من الذاكرة، لأنه لو انكشفت لك دفعة واحدة لما احتمل وعيك المحدود، هذا الاتساع الجسد يمنحك التجربة لكنه في المقابل يفرض عليك النسيان كي تعيش اللحظة دون أن تغرق في كل اللحظات.. إنه يختصر لك الكون كي لا يبتلعك.
لكن ماذا لو سقط هذا الحاجز.. ماذا لو تحررت ولو للحظة من ثقل الجسد.
حينها لا تعود الرؤية بصرية ولا المعرفة فكرية تتحول إلى كشف (اللغز) كي ترى الزمن لا كخط مستقيم بل كنسيج واحد تتداخل فيه البداية والنهاية، تدرك أن الآن ليست نقطة بل بوابة مفتوحة على كل ما كان وكل ما سيكون.
حينها تفهم كيف أنك تحمل في داخلك آدم لا كشخص تاريخي بل كحالة البدء تحمل أول دهشة أمام الوجود أول خوف من المجهول أول سؤال ارتعش في صدر الإنسان وهو ينظر إلى السماء.. وفيك أيضًا كل من جاء بعده.
فيك الفلاح الذي شق الأرض لأول مرة والمحارب الذي ارتجف قبل المعركة، والعاشق الذي ارتبك أمام أول نظرة، والحكيم الذي أدرك أن كل الإجابات ناقصة، كل هؤلاء ليسوا خارجك بل طبقات فيك أصوات خافتة تسكن عمقك وتظهر أحيانًا دون أن تدري مصدرها.
ولهذا حين تقول أنا فأنت لا تشير إلى فرد بل إلى سلالة كاملة من التجارب.. إلى كون يتكلم بصوت واحد.
الفكرة ليست أنك تحمل ذكريات حرفية يمكن استرجاعها كصور، بل أنك تحمل أثرها بصمتها انطباعها جوهرها الشعوري كأن الكون مر بك وترك داخلك توقيعه.. وهنا تكمن المفارقة الجميلة
أنت تبحث عن الكون خارجه في المجرات والنجوم، بينما هو في أحد وجوهه يبحث عن نفسه من خلالك.. أنت مرآته.
وكلما تعمقت في نفسك بصدق لا بهروب أو ادعاء كلما اقتربت خطوة من فهم (اللغز): هذا الاتساع الذي تسكنه ليس لأنك أكبر من الكون، بل لأنك طريق لفهمه من الداخل،
لهذا ربما ليست الرحلة الحقيقية أن نذهب بعيدًا بل أن نغوص عميقًا.
أن نصمت قليلًا لنسمع ذلك الهمس القديم في داخلنا.. ذلك الهمس الذي يقول: لست غريبًا هنا أنت البداية التي لم تنته بعد!