رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

محمد الروبي يكتب: الصبّار (عبد الرحمن أبو زهرة).. من المسرح خرج وإليه عاد

محمد الروبي يكتب: الصبّار (عبد الرحمن أبو زهرة).. من المسرح خرج وإليه عاد

محمد الروبي يكتب: الصبّار (عبد الرحمن أبو زهرة).. من المسرح خرج وإليه عاد
حين يوصي فنانٌ بأن تمر جنازته أمام المسرح القومي، فهو لا يطلب مجرد مرورٍ عابر أمام مبنى قديم
محمد الروبي يكتب: الصبّار (عبد الرحمن أبو زهرة).. من المسرح خرج وإليه عاد
محمد الروبي

بقلم الكاتب والناقد: محمد الروبي

حين قرأت أن الفنان (عبد الرحمن أبو زهرة) أوصى بأن تمر جنازته أمام المسرح القومي، توقفت طويلًا أمام الجملة.. بدت لي في البداية مؤثرة وحسب، ثم شيئًا فشيئًا بدأت أشعر أن وراءها معنى أعمق بكثير من مجرد أمنية وداع أخير.

لكن المعنى الحقيقي لم يكتمل إلا عندما شاهدت عربة جثمان (عبد الرحمن أبو زهرة) تدخل إلى ساحة المسرح القومي.. في تلك اللحظة تحديدًا، لم أشعر أن جنازة تعبر أمام مسرح، بل شعرت أن فنانًا يعود إلى بيته الأخير.

كان المشهد يحمل رهبة غريبة، كأن المكان نفسه يعرف صاحبه.. الجدران القديمة، باب المسرح، الساحة التي عبرها آلاف الممثلين قبل صعودهم إلى الخشبة… كلها بدت وكأنها تستقبل واحدًا من أبنائها العائدين بعد عمر كامل من الضوء والتعب والتصفيق.

حينها فقط فهمت لماذا يوصي بعض المسرحيين بأن يمروا من هنا قبل رحيلهم الأخير.. فالأمر لا يتعلق بمبنى، ولا حتى بتاريخ فني فقط، بل بعلاقة شديدة الخصوصية بين الفنان والمسرح.. علاقة لا يفهمها تمامًا إلا من عاش عمره فوق الخشبة.

فحين يوصي فنانٌ بأن تمر جنازته أمام المسرح القومي، فهو لا يطلب مجرد مرورٍ عابر أمام مبنى قديم في قلب القاهرة، بل يطلب أن يودّع حياته من الباب الذي دخل منه إلى المعنى أول مرة.

كأن الفنان، في لحظته الأخيرة، يعود إلى المنبع.. إلى الخشبة التي منحته صوته، وارتباكه الأول، وتصفيقه الأول، وخوفه الأول أيضًا.

هكذا فعل (عبد الرحمن أبو زهرة)، وقبله فعلها فنانون كبار مثل (شفيق نور الدين وتوفيق الدقن) وغيرهم من أبناء المسرح الذين ظلوا، حتى آخر العمر، يشعرون أن بينهم وبين الخشبة عهدًا لا ينتهي بالموت.

محمد الروبي يكتب: الصبّار (عبد الرحمن أبو زهرة).. من المسرح خرج وإليه عاد
لم يكن محطة تؤدي إلى السينما أو التلفزيون أو الشهرة.. بل كان قدرًا كاملًا

حياة تعاش تحت الضوء

فالمسرح بالنسبة إلى هؤلاء لم يكن مهنة.. ولم يكن محطة تؤدي إلى السينما أو التلفزيون أو الشهرة.. بل كان قدرًا كاملًا.. حياة تعاش تحت الضوء، وتستهلك فوق الألواح الخشبية، حيث يقف الممثل وحيدًا أمام الجمهور، بلا حماية، بلا مونتاج، بلا فرصة ثانية.

هناك فقط يكون الإنسان عاريًا من كل شيء إلا صدقه.. ولهذا تنشأ بين الممثل المسرحي وخشبته علاقة لا تشبه أي علاقة أخرى في الفنون.

الممثل يعرف خشبته كما يعرف وجهه في المرآة.. يعرف صوت خطواته فوقها، وبرودة الستار قبل الرفع، ورائحة الغبار المختلط بالمكياج والعرق والانتظار.. يعرف أماكن الصمت، وأماكن التصفيق، والزوايا التي كان يقف فيها رفاق رحلوا وبقيت ظلالهم معلقة في الضوء.

ومع السنوات لا يعود المسرح مكانًا يعمل فيه الفنان، بل يصبح جزءًا من تكوينه النفسي والروحي.

شيئًا يشبه البيت، والكنيسة، والاعتراف الأخير.. لكن المسرح القومي تحديدًا يظل له معنى آخر لا يعرفه إلا من عاش داخله طويلًا، وصعد درجاته القديمة آلاف المرات، وانتظر خلف ستائره قبل رفعها بلحظات.

له رهبة لا تُشرح، وألفة لا تُكتسب إلا بالعمر.. فهو بالنسبة إلى أبنائه ليس مجرد مسرح بين مسارح كثيرة، بل الكيان الذي منحهم ميلادهم الفني الحقيقي.

محمد الروبي يكتب: الصبّار (عبد الرحمن أبو زهرة).. من المسرح خرج وإليه عاد
أول ما استقبلت به خشبة القومي الفتى (عبد الرحمن أبو زهرة)  كان مسرحية (عودة الشباب)

رسائل القدر التي لم تنقطع

ولعل المفارقة الأكثر شاعرية أن أول ما استقبلت به خشبة القومي الفتى (عبد الرحمن أبو زهرة)  كان مسرحية (عودة الشباب) لـ توفيق الحكيم.. وكأن القدر كان يكتب عنوان رحلته كلها منذ اللحظة الأولى.

ثم تتوالى العناوين بعد ذلك كأنها سيرة داخلية لا مجرد أعمال مسرحية، مثل (أقوى من الزمن).. وكأن الفنان يحاول بالفن أن يؤجل الغياب، أو ينتصر على الفناء قليلًا.. ثم (قريب وغريب).. وهو وصف يكاد يشبه حياة الفنان نفسه، قريب من الناس إلى حد الألفة، وغريب عنهم في الوقت ذاته.

أما (زهرة الصبار) – والتي كانت الانطلاقة الحقيقية للفنان بعد أن اعتذر عنها كبار نجوم هذا الزمان –  فتبدو وكأنها استعارة كاملة للمسرحي الحقيقي، ذلك الكائن القادر على احتمال القسوة والجفاف والوحدة، ثم الخروج إلى الجمهور مزهرًا بالحياة.

لهذا لا تبدو وصية المرور أمام المسرح القومي حدثًا منفصلًا عن حياته، بل امتدادًا طبيعيًا لها.

فالرجل الذي دخل إلى المسرح من باب (عودة الشباب) ظل طوال عمره يحاول العودة إلى ذلك الشاب الأول الذي وقف يومًا خائفًا ومندهشًا تحت الضوء.. ولهذا تبدو وصية المرور أمامه شديدة الإنسانية والوجع معًا.

كأن الفنان يقول في لحظته الأخيرة: (خذوني إلى هناك مرة أخيرة إلى المكان الذي بدأت فيه حياتي الحقيقية).. فهذه الخشبة ليست مجرد مبنى أثري أو مؤسسة ثقافية، بل ذاكرة كاملة للفن المصري الحديث.

على هذه الخشبة وقف (يوسف وهبي)، ومرّ (جورج أبيض)، وتألق عشرات ممن صنعوا وجدان الجمهور المصري والعربي.. ولذلك فإن المرور الأخير أمامه يبدو أشبه بتحية وداع بين الفنان وتاريخه كله.

وربما تكشف هذه الوصايا عن حقيقة مؤثرة تخص المسرح وحد.. فهذا الفن، رغم قسوته وفقره أحيانًا ونسيانه السريع، يظل الفن الأكثر قدرة على ابتلاع العمر كله.

فالسينما تحفظ الوجه، والتلفزيون يحفظ الصوت، أما المسرح وحده فيحفظ الروح.

ولهذا قد يشيخ الفنان، وقد يبتعد، وقد تخفت الأضواء من حوله، لكن شيئًا داخله يبقى معلقًا بخشبة المسرح، كأن روحه نفسها تعلم أن بدايتها الحقيقية كانت هناك.. وأن وداعها الأخير يجب أن يكون هناك أيضًا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.