رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

الدكتور ضياء القيسي يكتب: (أنس عبد الصمد).. مسرح المستحيل (في انتظار جودو)

الدكتور ضياء القيسي يكتب: (أنس عبد الصمد).. مسرح المستحيل (في انتظار جودو)
المخرج المسرحي العراقي أنس عبدالصمد
الدكتور ضياء القيسي يكتب: (أنس عبد الصمد).. مسرح المستحيل (في انتظار جودو)
الدكتور: ضياء القيسي

بقلم الكاتب العراقي الدكتور: ضياء القيسي*

ظاهرة مسرحية يقودها المخرج الشاب (أنس عبد الصمد) وهي تجربة مسرحية معاصرة تتخذ من الجسد عنصراً أساسياً في العرض المسرحي العراقي، وقد انطلقت هذه التجربة عبر خطين متصلين، الأول هو العرض المسرحي (في انتظار جودو)، والثاني هو الورش التدريبية، التي يقيمها المخرج (أنس عبد الصمد) لأدامه زخم هذا النوع من الاداء والمحافظة عليه.

 فلم يعد الجسد عنصراً ثانوياً بعد الكلمة في المسرح بل أصبح بمثابة لغة الحوار المتكاملة ضمن الصمت والفضاء المسرحي معلناً عن لغة مسرحية تتجاوز اللغة المنطوقة وتغيير من أطراف المعادلة المسرحية التقليدية، فالأسلوب هنا يغوص في غياهب التغريب البريختي ويتخطاه في معطياته الجديدة وصولاً الى مفردات المس والجنون عند الممثل التي نادى بها (أنتونين آرتو) في (مسرح اللامعقول).

 عروض (مسرح المستحيل) لا تنتمي لمسرح الكلمة الذي جبل عليه المسرح العربي والعراقي بوجه خاص، فالكلمة مضمرة وغير منطوقه، وإنما محسوسة من خلال الإيماءة والإشارة أو ما يعرف بـ ( الجست).

 وهى محاولة لتغيير ذائقة المتلقي وتشكيل مخيلة جديدة تنتمي الى الحركة والصورة المسرحية أكثر من انتمائها إلى الكلمة المسموعة، إذ يعتمد (مسرح المستحيل) على التفكير البصري دون الادراك السمعي في ايصال رسائله التحريضية لكسر الواقع الجامد الذي يعيشه الأنسان.

 وذلك بأن يضع بؤرة الاهتمام على الأمور المصيرية التي تهم الأنسان وتحثه على التغيير، فحياة الانسان ومصيره هو العنصر المشترك في جميع أعمال المخرج (أنس عبد الصمد) ضمن (مسرح المستحيل).

وذلك بدءاً من (بس كودو) و (أو تيلو) و(بيت أبو عبد الله) و(حلم في بغداد )، و( توبيخ)، (ونحن من وجهة نظر قط) وصولاً الى yes Godot العرض الذي شارك في مهرجان (أمد الدولي) في ديار بكر بتركيا خلال الفترة الماضية من هذا العام 2026.

الدكتور ضياء القيسي يكتب: (أنس عبد الصمد).. مسرح المستحيل (في انتظار جودو)
صيغ الأداء التمثيلي تتوحد في  أجساد تتحرك في باحة المسرح بشكل يقترب من الفوضوية واللامعقول

صيغ الأداء التمثيلي تتوحد

ويمكن للمتتبع أن يلاحظ عاملاً مشتركاً في جميع العروض آنفه الذكر، وهو أن صيغ الأداء التمثيلي تتوحد في  أجساد تتحرك في باحة المسرح بشكل يقترب من الفوضوية واللامعقول.

 وكأن الممثل لا يسيطر على الشخصية بل لا يسيطر على ذاته الإنسانية  تتقاذفه أشكال وموجودات الديكور المسرحي، وهذا ما نلمسه في عرض (Yes Golor).

فشخصية (فلاديمير) تبدو على المسرح كأنها شخصية أصابها المس تتحرك بلا وجهة محددة بين بنايات كارتونية تتوزع بين أنحاء خشبة المسرح بشكل يوحي بأن البنايات هي من تتحكم بالشخصية وليس العكس.. إذ تتقاذف الشخصية بين أزقتها و شوارعها لتصطدم بنظيرتها بالضياع شخصية (ستراكون) التي جسدها (د. محمد عمر)، والممثل هنا يتعامل مع ما موجود من ديكور.

 ومكملات مسرحية بنسق حركي محاولاً تشكيل صورة جمالية عن الشخصية برغم خوائها من المضمون الفكري للتعويض عن الفراغ السمعي.

 ولعل الممثل والمخرج (أنس عبدالصمد) قد نجح  في مداعبة وجدان ومشاعر المتلقي من خلال  التوافق الحركي بين اللحظة المشهديه مع ما يعرض على السايك الخلفي للمسرح.

 مثل قنبلة هيروشيما أو صورة أو صور من احتلال بغداد عام 2003 او صورة الاغتصاب لسجين في سجن أبو غريب وهذا ما شاهدناه في عرض (حلم في بغداد).

 وتكرر في العروض الأخرى على حد سواء مما يحيلنا الى حقيقة مفادها أن الصورة قد تغني عن الكلمة في بعض الأحيان، وقد تكون بليغة ،وربما تكون قاصرة.

 وفي كلتا الحالتين جاءت الموسيقى المرافقة عنصراً مضافاً يعمق الدلالة الفكرية والجمالية للمشاهد المتعاقبة ويعطيها نوعاً من التوافق السمع بصري يثير لدى المتلقي أفقاً واسعاً للتوقع اللامعقول.

الدكتور ضياء القيسي يكتب: (أنس عبد الصمد).. مسرح المستحيل (في انتظار جودو)
أستغل المخرج (أنس عبد الصمد) الكثير من المتضادات ومن بينها التضاد في الأحجام

مشهد يعبر عن اللاجدوى

 لقد أستغل المخرج (أنس عبد الصمد) الكثير من المتضادات ومن بينها التضاد في الأحجام ففي حين جعل من البنايات والمدن قطع تشبه الدومينو يتعثر بها الممثل في حركته على خشبة المسرح.

فأنه أظهر حشرة الذباب بحجم فخم جداً على السايك الخلفي للمسرح مركزاً على حركة فمها، وكأنها تحاول أن تلتهم الكون، فالتلاعب بأحجام الأشياء وإعادة اظهارها بشكل مبالغ فيه أو تصغيرها هو في حد ذاته تلاعب في كينونة وماهية الأشياء بقصد تغيير قناعات المتلقي فيها.

ومحاولة  كسر كل ما هو مألوف وتقليدي لدى المتلقي وأبعاده عن الأيمان والاعتقاد بالمسلمات والثورة عليها لاكتساب حريته الشخصية.

فارتداء الممثل لقناع الحمار ـ ماسك ـ ومن ثم استنساخه بالآلة الضوئية يعد تعبيراً سوداوياً عن ما وصل إليه الأنسان في حياته من وضاعه.

وهو مشهد تكرر في مسرحية (توبيخ ) بالإضافة الى عرض (نعم جودو) ، مشهد يعبر عن اللاجدوى واللاحيله  للإنسان وهو يعيش في خضم هذه الحياة المفعمة بالضيق والمعاناة رغم اتساع المدن التي تظهر صورها على الشاشة السينمائية أعلى السايك الخلفي للمسرح.

فنرى بنايات شاهقة وأزقة ممتلئة بالبشر يلفهم الضياع فهم تائهون  حائرون في دنياهم ينتظرون المخلص (نحن في انتظار جودو – صموئيل بكت).

وتجدر الاشارة الى أن المخرج (أنس عبد الصمد) هو عضو جمعية المايم في طوكيو، حاصل على دبلوم من وزارة الثقافة اليابانية، وقدم عروضاً واقام ورشاً في (العراق، اليابان، فرنسا، كوريا الجنوبية، تونس، المغرب، وتركيا).

* دكتور في أكاديمية الفنون المسرحية بالعراق

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.