

بقلم الكاتب الصحفي: محمد حبوشة
إذا كنت تبحث مثلي عن متعة الثقافة والفن السمعيين فلابد أن تقع أذنيك على البرنامج الثاني، الذي يبث أثيره عبر محطة الإذاعة الراقية التي تسمي (البرنامج الثقافي)، تلك المحطة التي استمتع يوميا ببرامجها الثقافية المميزة مثل (البرامج الخاصة والتوثيقية التي تتناول سير الأدباء والشعراء والمفكرين.
فضلا عن البرامج التي تحكي عن الحضارة المصرية القديمة (نقوش على جدار الزمن، أوراق البردي)، والثقافة الموسيقية المعمقة.
حتما ستصيبك متعة خاصة مع مسرحيات مثل: (عربة اسمه الرغبة، مروحة الليدى ويندر مير، أنتيجون، البخيل، أوديب، بستان الكرز، اللعب الزجاجية، الرجل المنسي، سولانا، الملك، فاوست، الآلهة عطشى، شهر العسل، الكنز، ميرث الريح، المقامر، الجريمة والعقاب، الأرض الطيبة، ميديا، الكراسي، نجمة الصباح، صاحبة اللوكاندا، ملائكة بين اللهب، الأشباح، المقابلة، أوديب ملكا، أنتيجونا، بيت الدمية).
وأيضا في فترة بثها تحت عنوان (دراما FM) مثل: (سنوات الحب، روايح، نوادر جحا، رز الملايكة، قارئ الفنجان، شنبو في المصيدة، سمارة، رحلة مع الأحلام، دموع صاحبة الجلالة، دنيا بنت دنيا، عندما تغيب الشمس، أعلنت عليك الحب، الكنز، بنت مدارس، طائر الليل الحزين، نجيب الريحاني، لم نعد جواري لكم، عوام على بحر الهوى، ألمظ وعبده الحامولي، زمن الأحلام، هيام وفارس الأحلام).
وغير ذلك من برامج مميزة تؤكد براعة هذه المحطة التي ظلت طوال (69) عاما من التثقيف والتنوير التي تكفل لك جرعات من السمع الذي يجلب المتعة في زمن الفضائيات الغرقة في براثن التفاهة والتسطيح، فضلا عن دراما تخاصم الواقع وتضرب القيم وضياع الهوية المصرية في كنهها الحقيقي.
ولإذاعة (البرنامج الثقافي) قصة طريفة، حيث بدأت إرسالها من القاهرة في 5 مايو 1957 باسم (البرنامج الثاني) لتكون قناة تعنى بالشأن الثقافي، ويرجع الفضل في تأسيسها إلى الفنان الكبير الرحل (محمود مرسي)، حيث التقاه الزعيم الراحل (جمال عبد الناصر بعد أن سمع بتقديم استقالته من (بي بي سي) على أثر رفضه إذاعة خبر وقوع العدوان الثلاثي على مصر عام 1956.

الرائدان (محمود مرسي) و(سعد لبيب)
أسس الرائدان الكبيران (محمود مرسي) والإذاعي الكبير (سعد لبيب) محطة (البرنامج الثاني) عام 1957، ومع تطور الفن الإذاعي أطلق عليها (البرنامج الثقافي) ومؤخرا اهتم الكاتب الصحفي (أحمد المسلماني) بالحفاظ على التراث الإذاعي في (البرنامج الثقافي)، وذلك بتقسيم فترات البث بين (البرنامج الثقافي)، و(نجوم FM) التي أصبحت الآن علامة بارزة من معالم (ماسبيرو).
بدأت إذاعة البرنامج الثاني) إرسالها بثلاث ساعات من البث مساء كل يوم من التاسعة إلى الحادية عشرة، زيدت إلى أربع ساعات يوميا، من الثامنة مساء إلى منتصف الليل، ثم زيدت على مراحل حتى وصلت الآن إلى إثني عشر ساعة يوميا، من الثالثة مساءً إلى الثالثة من صباح اليوم التالي.
وتقدم خلال هذه الفترة برامجها المميزة ما بين برامج شعر وقصة قصيرة ونقد وتحليل وفترات مفتوحة وبرامج موسيقية وبرامج مقرؤة 5 دقائق يومية، وتتميز هذه البرامج بمختلف جوانب الحياة الثقافية والأدبية.
وخاصة ببرامجها الدرامية التي قدمت فيها ما يزيد على 900 عمل من كلاسيكيات المسرح العربي والعالمي والأعمال الدرامية المبنية على أعمال أدبية عالمية وعربية، قام بإخراجها والتمثيل فيها كبار المسرحيين والممثلين، وتمثيليات إذاعية مسلسلة.
ومن أهم المخرجين الذي أنتجوا أعمالا لـ (البرنامج الثقافي): (محمود مرسي وبهاء طاهر ومحمد توفيق هلال أبو عامر وإبراهيم الدسوقى والشريف خاطر وعصام العراقي وأحمد سليم ورضا الجابر، والمخرج (رجب الحلواني).
قدمت الإذاعة ما يقارب ألفا من البرامج الخاصة تتناول مختلف الموضوعات والأحداث التاريخية وسير الشخصيات العربية والعالمية الشهيرة في مجالات الآداب والعلوم ومسيراتهم الفكرية، كما يزخر أرشيف إذاعة البرنامج الثقافي بلقاءات إذاعية لعدد من رواد الثقافة المصرية والعربية.

فؤاد كامل والشريف خاطر
كان العصر الذهبي للإذاعة هو السنوات الأخيرة من خمسينيات القرن العشرين – فور إنشاءها – وعقد الستينيات منه، وهى الفترة التي شهدت إنتاج أكثر الأعمال تميزا، إضافة إلى فترة نهضة في بداية تسعينيات القرن العشرين.
حاليا تبث الإذاعة برامجها على موجة 91.5، وعلى موجة التوليف السعوي 221، وكذلك على القناة الصوتية المصاحبة لقناة النيل للمعلومات على القمر الصناعي نيلسات.
كان ممن تولوا رئاسة القناة الإذاعية (البرنامج الثقافي (فؤاد كامل وعفاف أحمد المولد وفوزية المولد والشريف خاطر ومحمد البهنسي ورباب البدراوي ومحمد السيد ندا ومحمد إبراهيم أبوسنة وأحمد طلال ووفاء عبد الحميد.
في بداياتها انتُقدت الإذاعة بأنها نخبوية تتوجه إلى القلة من المستمعين المهتمين بمسائل الآداب والثقافة الرفيعة وتتجاهل القضايا الشعبية والمجتمعية، وأنها تغلب التوجه الغربي في محتوها، إلا أن مؤسسي (البرنامج الثقافي) دفعوا بأن القنوات الإذاعية الأخرى تعنى بالشأن العام كما ينبغي بينما تتفرد إذاعة البرنامج الثقافي باهتمامها بالقضايا الأدبية والإبداعية والثقافية.
وأضيف إلى ذلك أن (البرنامج الثاني) أو (البرنامج الثقافي) له الفضل في تأسيس الإعلام العلمي في العلوم الطبيعية والإنسانية على مستوى كل قنوات الإذاعة وأنها تسعى لاجتذاب أكبر عدد من المستمعين لتعريفهم بتلك الموضوعات وتقديمها إليهم.
وهناك باب كامل في كتاب الإذاعية عفاف المولد (من الشريفين إلى ماسبيرو يستعرض البرامج العلمية والتي تعد بالمئات وتحتفظ بها الإذاعة ضمن كنوز البرنامج الثاني (يمكنك الرجوع إلى هذا الباب)، وبذلك تنتفي النخبوية عنها.
كما أن الأعمال الدرامية التي تقدمها والمسائل الفكرية والثقافية التي تعرضها تنتمي إلى التراث البشري كله وليست تخص الغرب وحده، كما أنها أنتجت أعمالا درامية لكبار الأدباء العرب وبرامجا عن المفكرين وأعلام الفكر والثقافة العرب والمسلمين من القدماء والمحدثين.
لا يزال محبو هذه الإذاعة – وأنا منهم – يشيرون إليها باسمها القديم (البرنامج الثاني)، والذي يراه كثيرون اسما مميزا يخالف السائد من تسمية القنوات والمحطات المختلفة، وهو الاسم الذي ربما وضع حينذاك على غرار (لبرنامج الثالث) في إذاعة بي بي سي البريطانية.

تاريخ طويل من الإبداع
احتفلت إذاعة (البرنامج الثقافي) بعيد ميلادها التاسع والستين، يوم الاثنين 5 مايو الماضي، وذلك باستعراض أهم ما قدمته إذاعة البرنامج الثقافي من مختلف أطياف الثقافة الرفيعة من الفنون والآداب والعلوم الإنسانية والتطبيقية.
ونوهت أسرة (البرنامج الثقافي) إلى ما حظيت به الدراما الإذاعية بحظ وافر من الاهتمام، فقدمت إذاعة (البرنامج الثقافي) كلاسيكيات المسرح العالمي، ولم تغب الموسيقى الكلاسيكية عن اهتمام القائمين على تلك الإذاعة فقدمت الموسيقى العالمية لأساطير هذا الفن الرفيع.
واحتفاءا بهذا التاريخ الطويل من الإبداع، قدمت إذاعة (البرنامج الثقافي) يوما مفتوحا امتد لخمس ساعات متواصلة يتلقى فيها البرنامج مكالمات المستمعين، ويجرى العديد من الحوارات مع قادة الفكر والثقافة، عبر خمسة محاور رئيسية هى :
1 – الدراما الإذاعية في أحضان البرنامج الثقافي… تاريخ من الابداع الفني المغاير.
2- الإذاعة في عصر الإعلام الجديد.. التحديات وسبل الخلاص من طور النمطية.
3- إذاعة (البرنامج الثقافي).. كتيبة النخبة وأمل الوصول إلى أسماع الجميع.. رسائل الرابضين خلف المذياع.
4- البرنامج الثقافي في عصر ما بعد الإنسان.. نظرة إلى أزمنة مرتقبة.
5- أخيرا (البرنامج الثقافي).. أصوات الأمس.. تجارب الآباء ووصايا تصلح القادم.
وقد صرحت الإذاعية (دينا عبد المجيد) رئيس الشبكة الثقافية بأن احتفال هذا العام يأتي والاعلام التقليدي يواجه تحديات كبيرة، خاصة مع ظهور العديد من المنصات الإعلامية، مما يضعنا إزاء مهمة إعلامية تتطلب مزيدا من الجهد لتقديم منتج إعلامي ينافس هذه الموجة الجديدة.
وأضافت لقد اضطلع البرنامج الثقافي منذ تأسيسه بالتعبير عن هوية ثقافية متفردة، وعمل على إرساء قواعد متينة لبناء شخصية مصرية تستطيع مواجهة تحديات المستقبل .
تحية تقدير واحترام للقائمين على محطة (البرنامج الثقافي) التي ظلت صامدة طوال 69 عاما، وهى تنحاز للثقافة والفن المصري العريقين وسط تيارات عاصفة في عصر السموات المفتحة على مصراعيها، وتتنافس في تقديم الغث متجاهلة تراث مصر الثقافي والفني الذي يظل منارة الشرق كله.