رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

مدحت الكاشف يكتب: مسافر إلى الماضي: نوستالجيا (الفنون الراقية) قبل إعلان موتها إكلينيكيا

مدحت الكاشف يكتب: مسافر إلى الماضي: نوستالجيا (الفنون الراقية) قبل إعلان موتها إكلينيكيا
لم تكن (الهوية الفنية) بحاجة إلى مدير تسويق، بل كانت هوية متشكلة من العزلة

بقلم الدكتور: مدحت الكاشف *

في زمنٍ لم تكن فيه (الفنون الراقية) تُسوَّق كمنتَج ولا تُعلن كسلعة، كانت تنبع من الروح وتذهب إلى الروح، ولم يكن الفنان يسعى إلى جمهور بالملايين بل إلى متلقٍ واحد يشعر حقًا، وكانت المسارح تضج بالأسئلة لا بالتصفيق، والمعارض التشكيلية تُضيء وجدان المتأمل لا واجهات البنوك، والقصيدة تُكتَب كي تُبقي الشاعر حيًّا، لا لتُدخل صاحبها قائمة  الأكثر تداولًا، أو بالتعبير الشائع [أعلى نسبة مشاهدة]!!!

في ذلك الزمن الماضي، لم تكن (الهوية الفنية) بحاجة إلى مدير تسويق، بل كانت هوية متشكلة من العزلة، ومن الشك، ومن الصراع الداخلي، وكان الفن أشبه بعُزلةٍ مقدسة، طقسًا شخصيًا لا علاقة له بالجوائز ولا بالترندات، لم يكن التمثيل استعراضا أمام الكاميرا بقدر ما كان رحلة داخل الذات.

ولم يكن العزف على آلة موسيقية وسيلة لجمع المتابعين، بل شكلًا من أشكال البوح العميق، كأن العازف يحاول أن يُعيد تشكيل العالم نغمةً بنغمة، أما اليوم، بعد أن أُعلن عن (الفنون الراقية) بوصفها (قطاعات إبداعية)، ودُرِّبت على (التفاعل الرقمي).

وتحوّلت إلى عروض ترويجية قصيرة على منصات سريعة، نشعر – نحن المسافرون إلى الماضي – أن شيئًا ما قد تسرّب، ليست المسألة في التقدم التكنولوجي، ولا في الانتشار الجماهيري، بل في تبدل الجوهر: من بحث جمالي وقلق وجودي إلى صناعة محتوى تحت الطلب.

ومن ثم ، فإن النوستالجيا هنا ليست حنينًا ساذجًا إلى الماضي الجميل، بل حنين إلى جوهر الفن كحالة وجدانية، وكبحث، وكفعل حر، لا كمادة مهنية قابلة للتمويل أو التعديل وفق احتياجات السوق، وربما كان علينا أن نعيد اختراع هذا الماضي،أن نُعيد للفن لغته الأولى: لغة الحيرة، والانخطاف، والدهشة البكر، أو.. ربما علينا أن نُعلن نحن – بصمت: ماتت الدهشة بداخلنا.

مدحت الكاشف يكتب: مسافر إلى الماضي: نوستالجيا (الفنون الراقية) قبل إعلان موتها إكلينيكيا
نحن نستدعي ما تبقى من أثر، من نفس، من صدق، كي نحميه، فالنوستالجيا هنا ليست ضعفًا

النوستالجيا ليست ضعفًا

واليوم، حين نُطلق هذا العنوان – (نوستالجيا الفنون الراقية قبل إعلان موتها) – فنحن لا نبكي على الأطلال، بل نستدعي ما تبقى من أثر، من نفس، من صدق، كي نحميه، فالنوستالجيا هنا ليست ضعفًا.

بل مقاومة لفكرة أن الفن يجب أن يكون منتَجًا فقط، أن يخضع لمواسم العرض والطلب،أن يكون وظيفيًا، سهل الهضم، خاليًا من الشك، نحن مسافرون إلى الماضي لا لنقيم فيه، بل لنتذكّر لماذا بدأنا، لعل التذكّر – في زمن النسيان السريع – هو آخر أشكال النجاة، ففي زمنٍ لم تكن فيه (الفنون الراقية) تُسوَّق كمنتجات، ولم تُصنّف ضمن القطاعات الإبداعية القابلة للتمويل.

كانت الفنون تعني شيئًا آخر تمامًا، كانت فعلاً وجدانيًّا خالصًا، يشبه التنفس، لا يحتاج إلى جمهور عريض كي يبرر وجوده، ولا إلى صيغ تسويقية ليعلن حضوره، لم يكن المسرح مجرّد عرض، بل طقس يشتبك فيه الجسد مع الروح، تتداخل فيه الأسئلة مع الصمت، ويُضاء فيه الجانب المظلم من الإنسان.

لم تكن اللوحة التشكيلية تشرح نفسها، بل تتنفس، ولم تكن الموسيقى تدعونا للرقص، بل للانخطاف، كانت الفنون تُمارس كحاجة داخلية، كقلق وجودي، لا كعروض جاهزة للاستهلاك، كنا نذهب إلى العرض لا لنُصفّق، بل لنُصغي،لم يكن الممثل نجمًا.

مدحت الكاشف يكتب: مسافر إلى الماضي: نوستالجيا (الفنون الراقية) قبل إعلان موتها إكلينيكيا
لقد أعلنت الفنون عن موتها كقيمة وجدانية، وولادتها من جديد كـمحتوى بصري

خريطة الإنتاج الثقافي

بل وسيطًا بين العالمين: الداخل والخارج، ولم تكن القصيدة منشورًا للتداول، بل جرحًا مفتوحًا على ورق، لكن شيئًا ما تغيّر، تغيّر ببطء، ثم فجأة، دخلت الفنون في عصر (التصنيف) و(الإدراج) و(القياس)، وربما أصبحت تُربط بمؤشرات الأداء، تُعرض كعناصر في خريطة الإنتاج الثقافي، وتُضغط في فيديوهات قصيرة على الشاشات الصغيرة.

لقد أعلنت الفنون عن موتها كقيمة وجدانية، وولادتها من جديد كـمحتوى بصري، أومادة إبداعية، أومنتج ثقافي قابل للتداول، وهنا تبدأ النوستالجيا، ليست النوستالجيا حنينًا رومانتيكيًا لماضٍ (جميل) بالمطلق، بل هي مقاومة داخلية لفكرة أن الجمال يجب أن يكون سريعًا، مربحًا، ومرضيًا لجمهور واسع.

النوستالجيا هى تذكّر الأصل، حين كانت الفنون تُمارس بصمت، بشغف، بألم، بلا حاجة لأن تُصنّف ضمن خطة إستراتيجية، نحن، الذين ما زلنا نسافر إلى الماضي، لا نحاول الهروب من الحاضر، بل نُحاول أن نستعيد تلك اللحظة التي كان فيها الفنان مخلوقًا هشًّا، صادقًا، يكتب أو يرسم أو يمثل لا لكي (ينجح).

بل لأنه لا يملك خيارًا آخر سوى أن يعبّر، في زمنٍ أصبح فيه كل شيء قابلًا للقياس، تظل الفنون الراقية – في أصلها – غير قابلة للقياس، في زمنٍ أُعلنت فيه نهاية الحيرة، يبقى الفن الحقيقي هو الحيرة ذاتها، وفي زمن تُنقل فيه القيمة إلى السوق، تبقى الذاكرة هي الملاذ الأخير.

والكلمات السابقة ليست رثاءً فحسب، بل جرس تنبيه، وليس دعوة للعودة إلى الوراء، بل محاولة لفهم ما ضاع ونحن نُهرول إلى الأمام، ربما لم تمت (الفنون الراقية) بعد، لكنها تختنق في الضجيج، وربما النوستالجيا ليست سوى طريقة لمساعدتها على التنفس من جديد.

* أستاذ بأكاديمية الفنون

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.