رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

بهاء الدين يوسف يكتب: درس (المجر) الإعلامي.. العمى السياسي نهايته مؤلمة

بهاء الدين يوسف يكتب: درس (المجر) الإعلامي.. العمى السياسي نهايته مؤلمة
أصاب (أوربان) وحكومته بما يسمى (العمى السياسي)

بقلم الكاتب الصحفي: بهاء الدين يوسف

في (المجر) وفي أوروبا كلها وربما في أنحاء عديدة من العالم لا يتحدث الناس إلا عن سقوط (فيكتور أوربان) رئيس الوزراء الذي لم يعتقد أحد أنه يمكن أن يسقط، بعدما نجح طوال ستة عاما في تدجين الاعلام المجري.

وجعله جزءا أساسيا من بنية النظام السياسي، وبوقا دعائيا أجوف لإنجازات (أوربان) الذي يوصف في الغرب بأنه (رجل حركة ماجا القوي المفضل)، والمقصود بها حركة (لنجعل أمريكا عظيمة مجددا).

الفكرة التي تكشفها تجربة (المجر) أنها نموذج سياسي يتكرر في دول عديدة أخرى، ورسالة لأصحاب العقول تؤكد أن الإعلام الموجّه يمكنه إطالة عمر أي سلطة، لكنه قد يتحول تدريجيًا إلى عامل تآكل داخلي إذا انفصل عن الواقع.

خلال سنوات حكم (أوربان) في (المجر)، أشارت العديد من التقارير الدولية منها تقرير لوكالة أسوشيتد برس الشهيرة أشار إلى أن الحكومة وحلفائها تمكنوا من بناء شبكة إعلامية واسعة تضمن لهم التقليل من التدقيق والمساءلة التي يتبناها الإعلام التقليدي أو الشعبي، وتعيد تقديم الواقع بصورة تخدم السلطة، وهو نمط تصفه الأدبيات بـ (الاستحواذ على الإعلام).

كذلك أوضحت دراسة صادرة عن معهد  Institute of Geoeconomics  أن الأمر لم يتوقف فقط عند تركيز الملكية الإعلامية، بل بتأثير الحكومة على الخط التحريري، مما حرم الجمهور من وجهات النظر المختلفة، وجعله أسيرا لمنصات تعيد تشكيل أولوياته وإدراكه لما هو مهم من وجهة نظرها.

هذه المنظومة تحقق نتائج واضحة على المدى القصير مثل إضعاف المعارضة، ومنح السلطة قدرة على التحكم في السرد العام، وتخلق إحساسًا بالاستقرار حتى في أوقات التوتر، وفقا لأبحاث في العلوم السياسية، مثل نماذج نشرت عبر  arXiv، التي تشير إلى أن السيطرة على تدفق المعلومات يمكن أن تعزز فرص إعادة انتخاب الحكومات عبر تقليل المساءلة وإعادة توجيه انتباه الناخبين.

بهاء الدين يوسف يكتب: درس (المجر) الإعلامي.. العمى السياسي نهايته مؤلمة
فجوة بين (الواقع المعلن) و(الواقع المعاش) هو ما أسقط أوربان في الانتخابات

أداة لإنكار الواقع

لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الإعلام من أداة لإدارة الصورة إلى أداة لإنكار الواقع، عندما يكرر الخطاب الإعلامي رواية عن إنجازات واستقرار، بينما يعيش المواطن تجربة يومية مختلفة، ما يخلق فجوة بين (الواقع المعلن) و(الواقع المعاش)، وهى فجوة لا تظهر فجأة، لكنها تتسع مع الوقت، ومع كل تجربة يومية تناقض الرسالة الرسمية، تتآكل ثقة الناخب في السلطة وإعلامها.

تقارير نشرتها منظمة مراسلون بلا حدود الدولية اشارت إلى أن هيمنة الإعلام الموالي في (المجر) خلق بيئة معلوماتية غير متوازنة لم تمنع لاحقًا تراجع التأثير، خاصة مع صعود منصات رقمية بديلة، وهو ما أرجعه تحليل لوكالة رويترز إلى أن منصات مثل البودكاست ووسائل التواصل الاجتماعي بدأت تكسر الاحتكار التقليدي، خصوصًا بين الشباب.

ومع هذا التعدد، واستحالة الحفاظ على سردية واحدة مغلقة، اتسعت الهوة بين السلطة والشعب، وازداد اتساعها مع كل تناقض بين الواقع والخيال الإعلامي، لكن كل هذا لم يكن التأثير الأخطر للإعلام الموجه.

وإنما كان أسوأ ما فعله عزل السلطة المجرية عن الواقع وعن الشعب والمزاج العام السائد هناك، ما أصاب (أوربان) وحكومته بما يسمى (العمى السياسي)، حيث تبدو الأمور مستقرة على الورق، بينما الغضب يتراكم في الواقع.

تحليل نشرته منصة Vox بعد الانتخابات الأخيرة في (المجر) يعزو خسارة أوربان الأخيرة إلى أن الرسالة الرسمية لم تعد مقنعة لقطاعات واسعة من الناخبين، خاصة في ظل ضغوط اقتصادية ملموسة.

هذه هى المفارقة الأساسية التي لم ينتبه لها (أوربان)، أن الإعلام الموجّه يمكنه تأجيل لحظة المحاسبة، لكنه لا يستطيع إلغاءها، بل إنه قد يجعلها أكثر حدة، لأن الفجوة بين الخطاب والواقع تكون قد اتسعت إلى درجة يصعب ترميمها، وعندما تأتي لحظة الاختبار، مثل الانتخابات، لا يصوت الناس بناء على ما قيل لهم، بل على ما عاشوه بالفعل.

الدرس الذي يمكن لأي دولة أن تستوعبه من التجربة المجرية (وليست الدنماركية للأسف) أن الإعلام الموجه والاعلاميين (المؤلفة جيوبهم) ليسوا أبواق وأدوات ترويج وعرائس ماريونيت بيد السلطة، وإنما في كثير من الأحيان يكونون سيوفا ذات حدين، خاصة حين يصر على تكرار سردية لم تعد قابلة للتصديق.

الخلاصة: أن تجربة (أوربان) تقدم نموذجا للعقول التي تريد الاستيعاب أن السيطرة على الإعلام قد تمنح سلطة ما وقتا أطول في الحكم، لكنها إذا انفصلت عن الواقع قد تسرّع النهاية بدلا من أن تمنعها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.