رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

(أصالة) تعود إلى دمشق بعد خمسة عشر عاماً من الغياب!

(أصالة) تعود إلى دمشق بعد خمسة عشر عاماً من الغياب!
هى الفنّانة التي ارتبط اسمها خلال العقود الماضية بمراحل سياسيّة متناقضة من تاريخ سوريا
(أصالة) تعود إلى دمشق بعد خمسة عشر عاماً من الغياب!
عامر فؤاد عامر

بقلم الكاتب السوري: عامر فؤاد عامر

بعد خمسة عشر عاماً من الغياب تعود المطربة السورية الكبيرة (أصالة) إلى دمشق.. جملة تبدو في ظاهرها خبراً فنّيّاً، لكنّها في الحالة السوريّة تحديداً تحمل أكثر بكثير من معنى الحفل، والأغنية، والمسرح، والجمهور.

صحيح أنّ (أصالة) مطربة سوريّة غابت عن بلدها ثمّ قررت العودة، لكنها هي الفنّانة التي ارتبط اسمها خلال العقود الماضية بمراحل سياسيّة متناقضة من تاريخ سوريا؛ طفلة غنّت في زمن حافظ الأسد.

ثمّ فنّانة أعلنت موقفاً صريحاً من الثورة السوريّة العام 2011، لتصبح لاحقاً واحدة من أبرز الأصوات الفنّيّة المعارضة لحكم بشار الأسد، وتتعرّض بسبب ذلك لحملات إعلاميّة ولشطبها من نقابة الفنّانين.

ولهذا فإنّ السؤال اليوم ليس هل يحق لـ (أصالة) أن تعود؟ لأن الإجابة بالطبع يحقّ لها، لكن السؤال الأكثر تعقيداً هو: بأيّ صورة تعود؟ وماذا تريد من هذه العودة؟ وماذا يريد منها جمهورها؟

(أصالة) أعلنت عودتها إلى دمشق بحماسةٍ واضحةٍ، متحدّثةً عن الشوق إلى أهل الشام، وعن رغبتها العيش معهم السنوات التي فاتتها، لكن هذه اللغة العاطفيّة، مهما كانت صادقة، لا تلغي خمسة عشر عاماً من الذاكرة!

الجمهور الذي سيصفق لها هو نفسه الذي عاش معها الانقسام السوري، وهو جمهور لم يعد بالضرورة يملك ذاكرة واحدة تجاه الفنّانة.. فهناك من يرى فيها ابنة الشام التي وقفت مع السوريين في لحظة صعبة.

وهناك من يتذكّر أنها في طفولتها وشبابها غنّت ضمن المناخ الفنّي الرسمي الذي كان سائداً في عهد حافظ الأسد، وهناك من يضع كلّ هذه المراحل في ميزانٍ واحد ويسأل أيّ صورة من صور أصالة نصدق؟

(أصالة) تعود إلى دمشق بعد خمسة عشر عاماً من الغياب!

(أصالة) تعود إلى دمشق بعد خمسة عشر عاماً من الغياب!
ظهرت خلال الأيّام الماضية دعوات من دعاة سلفيين لإلغاء الحفل

اختبار لذاكرة الفنّان

إذاً تصبح عودة (أصالة) اختباراً لذاكرة الفنّان قبل أن تكون اختباراً لجمهوره، فمن السهل جدّاً وضع الفنّان في خانة واحدة ونقول: (كانت مع النظام) أو (كانت مع الثورة)، لكن حياة الفنّان أكثر تعقيداً من منشور على مواقع التواصل الاجتماعي!

(أصالة) ابنة مرحلة غنّت فيها لسوريا الرسميّة، ثمّ أصبحت لاحقاً صوتاً معارضاً للنظام نفسه، وهذا التناقض لا ينبغي إخفاؤه، بل ربّما يكون الاعتراف به هو الطريق الوحيد لقراءة تجربتها بصدقٍ.

المشكلة الحقيقيّة تبدأ عندما تتحوّل العودة إلى عمليّة غسل للذاكرة، فإذا كانت (أصالة) تريد العود إلى دمشق، فهذا حقّها، وإذا كان جمهورها يريد استقبالها، فهذا حقّه أيضاً، لكن لا ينبغي أن يعني ذلك أن السنوات السابقة لم تحدّث، فالفنّ يستطيع أن يصالح، لكنّه لا يستطيع أن يمحو التاريخ، ومن هنا نفهم جانباً من الضجّة الحاليّة حول الحفل.

أيضاً مقابل الترحيب الرسمي والشعبي بعودتها، ظهرت خلال الأيّام الماضية دعوات من دعاة سلفيين لإلغاء الحفل، بينما أكدت وزارة الثقافة السوريّة استمرار رعايتها للفعاليّة، وتواصلت التحضيرات للحفل المقرر في 17 سبتمبر، مع حديث الجهة المنظّمة عن نفاد التذاكر.

إذاً رفض الحفل بسبب ماضي (أصالة) السياسي شيء، والمطالبة بمنع فنّانة من الغناء لأسباب أيديولوجيّة أو دينيّة شيء آخر! كما أنّ استقبالها بالتصفيق لا يعني بالضرورة أن كلّ السوريين نسوا مواقفها السابقة. المشكلة ليست في أن تختلف الآراء حول أصالة؛ المشكلة في تحوّل الاختلاف إلى محاولة لإلغاء الآخر.

أمّا احتمال إلغاء الحفل، فهو ليس مستحيلاً من حيث المبدأ، لكنّه لا يبدو الاحتمال الأقوى وفق المعطيات المتاحة حاليّاً؛ فهناك رعاية رسميّة معلنة، والتحضيرات مستمرّة، والتقارير تتحدّث عن نفاد التذاكر، بينما لم يصدر إعلان رسمي عن إلغاء الحفل حتّى الآن.

وإذا حدث الإلغاء، فلن يكون سببه على الأرجح الجدل حول ماضي (أصالة) الفنّي، بل سيكون نتيجة قرار تنظيمي أو أمني أو سياسي يضع الحفل في إطار أوسع من فكرة أمسية غنائيّة.

(أصالة) تعود إلى دمشق بعد خمسة عشر عاماً من الغياب!
هل يستطيع السوري أن يستقبل فنّاناً اختلف معه سياسيّاً من دون أن يطلب منه أوّلاً أن يمحو تاريخه؟

امتحان لذاكرة السوريين

ربّما تكون المفارقة الأكبر هنا أن (أصالة) التي عاشت سنوات طويلة خارج سوريا تعود الآن في لحظة تريد فيها البلاد أن تقول إنها تفتح صفحة جديدة، لكن الصفحة الجديدة لا تعني بالضرورة أن الصفحات القديمة اختفت!.. وربّما لهذا سيكون المسرح الدمشقي أكثر من مكان لغناء (أصالة)، حيث سيكون امتحاناً لذاكرة السوريين أنفسهم.

هل يستطيع السوري أن يستقبل فنّاناً اختلف معه سياسيّاً من دون أن يطلب منه أوّلاً أن يمحو تاريخه؟.. وهل تستطيع (أصالة) العودة من دون أن تتوقع من الجميع نسيان ما قالته وما قيل عنها؟.. ثمّ هناك سؤال أكثر حساسيّة؛ هل تستحق أصالة استعادة مكانتها الفنّيّة في سوريا؟

نعم، إذا كان المقصود حقها في الغناء والوقوف على المسرح، أمّا إذا كان المقصود تحويلها إلى رمز وطني بلا ذاكرة ولا أخطاء ولا تناقضات، فهنا يجب التوقف مليّاً. فأصالة فنّانة كبيرة، لكن حجم صوتها لا يمنحها حصانة من النقد. ووقوفها مع الثورة لا يمحو أنها كانت جزءاً من المشهد الفنّي الرسمي في مرحلة سابقة، كما أن غناءها في طفولتها ضمن ذلك المشهد لا يلغي بالضرورة تطوّر مواقفها اللاحقة.

الإنسان يتغيّر، والفنّان يتغيّر، والسياسة تتغيّر، لكن الذاكرة لا ينبغي أن تتغيّر وفق الحاجة، ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن يسبق عودة (أصالة) ليس هل سنصفق لها؟ بل: هل نستطيع أن نسمع (أصالة) الجديدة من دون أن نكذب على (أصالة) القديمة؟!

إذاً في عودتها الحقيقية، إذا وقفت (أصالة) على مسرح دمشق وغنّت، فلن يكون الجمهور أمام مطربة عائدة بعد خمسة عشر عاماً فقط، بل سيكون أمام امرأة تحمل تاريخاً سوريّاً متناقضاً، ومواقف سياسيّة، وذاكرة فنّيّة، وحنيناً إلى مدينة تركتها، وبلد يحاول هو الآخر أن يعيد تعريف نفسه!

وفي هذه الحالة، لا نحتاج إلى تقديس (أصالة) ولا إلى إلغاء (أصالة)، نحتاج فقط إلى أن نتركها تغنّي، ونترك التاريخ يتذكر.

👀 Views:

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.