


بقلم الكاتب والسيناريست: وائل شفيق
لم تعد الدراما تكتفي بأن تروي لنا عن الناس، صارت تروينا نحن. وفي هذا التحول الخطير يكمن الخطر كله.. يصلنا (لعبة جهنم) أولى حكايات (القصة الكاملة دراما)، تأليف نجلاء الحديني، وإخراج إسلام خيري، وإنتاج مجدي الهواري، عبر منصة عربية كبرى. ومن هنا تحديداً يبدأ السؤال، لا عند الشاشة.
(لعبة جهنم) عمل متقن الصنعة، لكن الإتقان بلا بوصلة يصير مهارة بلا ضمير.. لماذا اخترنا هذه الحكاية تحديداً؟ ولماذا فتحنا ملفات القضاء، فحولناها حرفاً حرفاً إلى سيناريو؟ لقد استسهلنا. استبدلنا التخييل الروائي الإبداعي براحة النقل، واستبدلنا سؤال (لماذا الإنسان؟) بسؤال (ماذا فعل؟، وهنا انزلقت بنا القدم.
فالكاميرا لا تفارق الجاني لحظة.. تدخل معه عزلته، وتتبع خواءه، وتراقب كيف يتحول الاحتياج إلى صفقة، ونقابل الذكاء حين ينحرف، فيصير أداة سيطرة لا أداة بناء. نفهمه، وربما نرق له دون أن ندري.. وحين تغيب المواجهة، حين لا يظهر من يقول (قف)، ولا من يردع، ولا من يحلل، تصبح المواجهة كلها بين الفرد وشيطانه. كأن المجتمع قد انسحب من المشهد، وكأن القانون غائب.
ومن هذا الغياب تولد صورة تستقر في الوجدان.. صورة تقول إن هذا هو الأصل، وإن ما عداه استثناء. ومع التكرار يتحول الخوف إلى قاعدة.. وهذا أشد فتكاً من الجريمة، لأنه يقتل فينا فكرة أن في هذا البلد من يقول (لا) حتى في عز الحاجة.
لكن الأخطر ليس في السرد.. الأخطر في قرار الإنتاج.. منصة تملك مفاتيح الوصول إلى كل بيت عربي، تختار أن تصدر وجهاً واحداً لمصر: وجه الظلام والاحتياج والصفقات التي تُعقد في العتمة. لا شارع يعمل، ولا بيت يصبر، ولا ضحكة رغم التعب.


(الجرأة) في (لعبة جهنم)
واللافت أن هذه (الجرأة) في (لعبة جهنم) لها عناوين.. هي حاضرة معنا وغائبة عن غيرنا.. هناك سرد يُراعى لبلاد، وسرد آخر يُترك مفتوحاً على مصراعيه لبلاد أخرى.. وكأن صورة هذا الوطن صارت مادة قابلة للمساومة في سوق الإنتاج.
وهنا مكمن التقصير. أين دورنا؟ كيف نسمح لمنصات أجنبية ولشراكات إنتاج عابرة للحدود أن تمسك بفرشاة رسم وجدان العرب عنا؟.. عندما نبيع قرار الصورة مقابل عقد أو شراكة، فهذا ليس تساهلاً. هذا تفريط في أغلى ما نملك: وعي الناس وسمعة وطن.
والصورة لا تبقى حبيسة الشاشة.. إنها تسافر قبلنا. تسبقنا إلى كل من يفكر في زيارتنا.. ثلاث حلقات من السواد كفيلة بأن تُغلق فندقاً، وأن تُفرغ سوقاً، وأن تقطع رزق شاب لم يتخرج بعد.. إنها ليست دراما، إنها تقرير سياحي معكوس نكتبه بأيدينا.
وفي خضم ذلك يضيع السؤال الأخلاقي. أين حرمة الضحايا؟ ومن استأذن؟ الحرية بلا ميثاق تصير فوضى، والمنصة التي تربح من العرض مسؤولة عما تعرضه.
(لعبة جهنم) وثيقة على أزمتنا: أزمة إبداع استسهلت الصدمة، وأزمة وعي سلّمت مفاتيح الصورة لغير أهلها.
وقبل أن تمضي (القصة الكاملة) في حكاياتها القادمة، ليسأل صناع العمل أنفسهم: هل ترضون أن تُقدم بلادكم بهذا السواد؟ إن كان لا، فلماذا مصر؟.. عليهم أن يستعيدوا التخييل الإبداعي، وأن يوازنوا بين السقوط والنهوض، وأن يتذكروا أن للضحايا حرمة لا يجوز أن تتحول إلى مشهد للبيع.. سيمضي المسلسل. لكن السؤال سيبقى: من يملك حق الحكي عنا؟.. والتاريخ لا يرحم المتفرجين!